أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد في فلسطين















المزيد.....


حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد في فلسطين


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 15:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد في فلسطين.

الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

المقدمة

في خضم زخم الأحداث المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، تقف القضية الفلسطينية اليوم على مفترق طرق لم تشهد له مثيلاً منذ عقود. فبينما تتجه حكومة دولة الاحتلال الاسرائيلي بقيادة/بنيامين نتنياهو، التي استطالت فترة ولايتها بتحالفات حزبية متطرفة، نحو نهايتها القانونية في أكتوبر2026، ويترقب الجميع انتخابات جديدة أو مبكرة،قد تزيح رئيس وزراء حكومة الاحتلال/ نتنياهو ،من المشهد السياسي في اسرائيل بصفته الوجه الصهيوني القبيح الذي تسبب بعزلة اسرائيل دوليا ؛اضافة انه متهم بارتكاب جرائم حرب في غزة ومطلوب للمحكمة الجنائية الدولية؛وكذلك متهم بقضايا فساد وملاحق قضائياً امام المحاكم الاسرائيلية؛ رغم كل ذلك، يظل السؤال الأعمق معلقاً في الهواء دون إجابة.

ففي الوقت الذي توقفت فيه كل أشكال المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني-والإسرائيلي، واعلان السياسيون من مختلف التيارات والأحزاب الإسرائيلية موت اتفاق أوسلو بشكل علني، تتواصل الإبادة الجماعية في قطاع غزة بعنف غير مسبوق، لتخلق واقعاً جديداً يعيد تعريف الصراع برمته حيث استمرت الابادة على مدار عامين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025 أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 173 ألف جريح اغلبهم من الأطفال والنساء في غزة. لهذا لم تعد القضية مجرد احتلال عسكري يمكن إنهاؤه بتوقيع ورقات،أو اتفاق هش وهزيل مثل اتفاقية اوسلو عام 1994، بل تحول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلى مأزق وجودي يمس هوية الكيان الاسرائيلي ذاته ومستقبل المجتمع الاسرائيلي وكافة المستوطنون؛ وكذلك مستقبل الشعب الفلسطيني في آن واحد داخل فلسطين وخارجها من المهجرين قسرا منذ حرب النكبة عام 1948، في مشهد يختلط فيه الغبار السياسي بالدم الفلسطيني، وتتلاشى معه كل البدائل القديمة، وتبرز على السطح أسئلة مصيرية كانت تعتبر حتى الأمس تابوهات لا يمكن مناقشتها خوفاً أو خجلا أو هروبا من الحقيقة.

السؤال الإشكالي:

في ظل انهيار مرجعية أوسلو، واستمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي الذي التهم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلة بالكامل، وإبادة جماعية ممنهجة في غزة، واقتراب زوال حكومة نتنياهو التي جسدت أقصى درجات التطرف، ما هو السيناريو السياسي القابل للتطبيق لإنهاء الصراع؛ هل العودة إلى مبدأ حل الدولتين المنقوص والموارب؛ أم الذهاب نحو دولة واحدة ديمقراطية تعترف بالمساواة الكاملة؛ أم الاستمرار في نظام الفصل العنصري الذي أثبتت الأيام أنه لا يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والعنف والإبادة،؛أم أن هناك خياراً رابعاً يلوح في الأفق يتعلق بالتهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية بالقوة الخشنة.

أولاً: زوال حكومة نتنياهو بين التطبيع الداخلي واستمرارية العقلية الأمنية في اسرائيل.

لا يمكن الحديث عن أي مستقبل سياسي دون تفكيك مشهد الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تعتبر الأكثر يمينية وعنصرية في تاريخ الكيان الاسرائيلي، حيث تمكن نتنياهو من تشكيل ائتلاف يضم حزبي "القوة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير و"الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش، وهما حزبان يتبنيان نظريات مؤامرة عن "تبادل السكان" ؛ويطالبان بضم الضفة الغربية بالكامل وتهجير الفلسطينيين منها طواعية أو قسراً. لكن هذا الائتلاف الهش بدأ يتصدع على وقع حرب الإبادة الطاحنة في غزة؛ والانقسامات حول مشروع قانون تجنيد الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكرية، وكذلك حول الحرب في لبنان والحرب في ايران.

تشير جميع استطلاعات الرأي داخل دولة الاحتلال الاسرائيلي إلى أن حزب الليكود بزعامة/نتنياهو ،سيخسر الانتخابات القادمة بشكل واضح، وأن المعارضة الاسرائيلية الحالية بشكل عام؛ قد تحظى بفرصة حقيقية لتشكيل حكومة جديدة تضم أحزاباً متوسطة وعلمانية. لكن المفارقة التاريخية أن أي حكومة اسرائيلية بديلة لن تأتي بسياسة مختلفة جذرياً تجاه الفلسطينيين، فغانتس ذاته يرفض الانسحاب من كتل استيطانية كبرى مثل "أرييل" و"معاليه أدوميم في الضفة" ؛ويعتبر غزة منطقة "فصل أمني" لا يمكن التخلي عنها، فيما يدعو قائد المعارضة/ لابيد ،إلى حل الدولتين لكن دون أي إشارة واضحة إلى العودة لحدود عام 1967 أو التخلي عن القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية،أو منح حق العودة للفلسطينيين المهجرين قسراً في الشتات. إذاً، زوال نتنياهو السياسي لا يعني زوال "بنية الاحتلال" ولا تغيير جوهري في (العقلية الأمنية)، التي تتعامل مع الفلسطيني كلاجئ دائم وحالة أمنية وليس شريكاً وطنياً أو مواطنا اصلي هو صاحب الارض الفلسطينية، وهذا التحدي هو الأكبر أمام أي محاولة حقيقية لإنهاء الصراع في فلسطين.

ثانياً: دفن أوسلو وإفلاس منطق التسوية التدريجية الذي استمر ثلاثة عقود.

كان اتفاق أوسلو في عام 1994 يمثل اللحظة الفارقة التي انتقل فيها الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي من منطق المواجهة الشاملة، إلى منطق التسوية السياسية التدريجية، حيث اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، واعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وتم تقسيم الضفة إلى ثلاثة مناطق هي (أ، ب، ج) على أمل أن تنتهي المرحلة الانتقالية خلال خمس سنوات بقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. لكن هذه السنوات الخمس تحولت إلى ثلاثة عقود من المماطلة الإسرائيلية الممنهجة لتدمير الحلم الفلسطيني وإضاعة المستقبل للشباب الفلسطيني ليبقى مشردا ومقنعا تحت الاحتلال، فبدلاً من الانسحاب من المنطقة "ج" التي تشكل أكثر من ستين في المئة من مساحة الضفة الفلسطينية، تم تعزيز الوجود الاستيطاني الإسرائيلي هناك بشكل جنوني، حيث قفز عدد المستوطنين من حوالي مئتي ألف في عام 1993 إلى أكثر من سبعمائة ألف مستوطن اليوم، مع بناء شبكة من الطرق الالتفافية والجدران العازلة التي جعلت الضفة أشبه بقطع شطرنجية معزولة لا يمكن أن تشكل دولة متصلة جغرافياً.

أما على الجانب الفلسطيني، فقد أدى الانقسام بين حركة فتح في رام الله؛وحركة حماس في غزة إلى إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني، وتحولت (السلطة الفلسطينية)، إلى جهاز إداري أمني يعتمد على التنسيق الأمني مع الاحتلال دون أن تحقق أي مكتسبات وطنية حقيقية، بل أصبحت تعيش على المساعدات الدولية وتتقاسم الضرائب مع إسرائيل وفق اتفاقية باريس الاقتصادية بين الطرفين، وبات ينظر إليها في الشارع الفلسطيني على أنها غطاء للاحتلال أكثر منها نواة لدولة مستقلة.

اليوم، وبعد أن تحولت غزة إلى أطلال بسب حرب الإبادة، وأصبحت كلمة "أوسلو" ميتة حتى في قاموس اليسار الإسرائيلي نفسه، لا يمكن الحديث عن العودة إلى نفس الإطار التفاوضي الذي يعتمد على الثقة المتبادلة، لأن الثقة التي دُفنت تحت أنقاض المستشفيات والمدارس في غزة لن تعود بسهولة، ولأن أي مفاوضات جديدة ستأتي بعد (هولوكوست غزة)؛مذبحة جماعية تسببت في قتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وجرح أكثر من 173 ألف آخرين، وهذا يجعل منطق "الأرض مقابل السلام" الذي قام عليه اتفاق أوسلو الهزيل، غير قابل للإحياء في أي أفق قريب.

ثالثاً: الإبادة الجماعية في غزة وتداعياتها العميقة على المشروع الوطني الفلسطيني

منذ السابع من أكتوبر من عام 2023 وحتى اليوم، ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة جرائم إبادة جماعية مكتملة الأركان، حيث تم تدمير أكثر من سبعين في المئة من الوحدات السكنية، وتدمير كامل للبنية التحتية من مدارس ومشافي ومحطات تحلية مياه وشبكات كهرباء، وممارسة التجويع كسلاح حرب عبر منع دخول الغذاء والدواء والماء عن أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في مساحة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً. هذه الجرائم التي وثقتها بعثات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية لم تقتصر على الجانب الإنساني المأساوي فحسب، بل أحدثت تحولاً جذرياً في البنية النفسية والاجتماعية للشعب الفلسطيني وفي مكانته الدولية. فمن جهة، وحّدت الإبادة الجماعية الفلسطينيين في الضفة والقطاع والشتات كما لم يفعل أي حدث آخر منذ النكبة، وأعادت تعريف القضية ليس كقضية حدود أو مستوطنات، بل كقضية وجود وحياة وكيان، حيث بات الحديث عن "حق العودة" و"الكرامة الوطنية" يتصدر كل النقاشات بدلاً من الحديث عن تصاريح السفر أو تحسين الأوضاع الاقتصادية.

ومن جهة أخرى، كشفت الإبادة الوجه الحقيقي للفكر الصهيوني المتطرف الذي لم يعد يخفي نواياه في تهجير الفلسطينيين قسراً لخارج فلسطين؛أو تصفية قضيتهم، وهو ما دفع العديد من الدول الأوروبية (مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج) إلى الاعتراف بدولة فلسطين رسمياً، ودفع جنوب أفريقيا إلى رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية. لكن المقابل الأعمق هو أن الإبادة أنتجت جيلاً جديداً من الفلسطينيين والمتعاطفين حول العالم لا يؤمن بأي حل سياسي مع الكيان الصهيوني، ويتبنى بديلاً أكثر راديكالية مفاده أنه لا يمكن الوثوق بمن يمارس القتل الجماعي تحت غطاء الدفاع عن النفس، وبالتالي فإن أي مفاوضات مستقبلية ستواجه عقبة نفسية هائلة تتمثل في انعدام الثقة التام، وهذا هو أخطر ما خلفته (حرب الإبادة)على صعيد إمكانية إعادة بناء عملية سياسية مستقبلية.

رابعاً: خيار الدولتين بين الشرعية الدولية وإسرائيل والواقع الاستيطاني.

يحظى حل الدولتين بتوافق دولي شبه كامل، فهو يمثل أساس قرارات الشرعية الدولية مثل القرارين 242 و338، وتحديدا القرار رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 الذي ينص على إقامة دولتين؛هو المخرج السياسي الذي تبنته كل المبادرات الدولية من مبادرة جنيف إلى خارطة الطريق إلى المبادرة العربية للسلام التي قدمتها السعودية عام 2002 والتي جددها العرب أكثر من مرة. يقوم هذا الحل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة ومتواصلة جغرافيا على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مع حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194، مقابل تطبيع كامل للعلاقات بين دولة الاحتلال الاسرائيلي،والدول العربية وضمانات أمنية متبادلة.

لكن الأمر يبدو اليوم وكأنه خيال علمي بالنسبة للكيان الإسرائيلي، فالتوسع الاستيطاني الهائل في الضفة الغربية والقدس الشرقية جعل من المستحيل إخلاء مئات الآلاف من المستوطنين دون حرب أهلية إسرائيلية داخلية، كما أن التعديلات الديموغرافية التي قامت بها إسرائيل في القدس المحتلة جعلت تقسيمها بين عاصمتين شبه مستحيل، بالإضافة إلى أن حركة حماس التي باتت تمثل ركيزة أساسية في النضال الفلسطيني لا تعترف بإسرائيل ولا تقبل بحل الدولتين بالشكل التقليدي، وهذا الانقسام الفلسطيني العميق يجعل أي حكومة فلسطينية موحدة قادرة على الالتزام بأي اتفاق طموحاً بعيد المنال.

حتى لو افترضنا جدلاً العودة إلى طاولة المفاوضات بناءً على هذا الحل، فإن اليمين الإسرائيلي الحالي والمعارضة الوسطية على حد سواء يرفضون تماماً فكرة تفكيك المستوطنات الكبرى، مما يجعل تطبيق هذا الحل مرهوناً بضغوط دولية غير مسبوقة لم نشهدها منذ تأسيس الكيان الاسرائيلي، وهي ضغوط لا يبدو أن الولايات المتحدة التي تقدم دعمها المطلق عسكرياً وسياسياً لدولة الاحتلال الإسرائيلي على استعداد لتقديمها، وهذا يجعل مبدأ (حل الدولتين)، للأسف الشديد، مجرد شعار ترفعه الدبلوماسية الغربية في المحافل الدولية دون أي آلية حقيقية لتطبيقه على الأرض.

خامساً: حل الدولة الواحدة كبديل جذري بين العدالة المطلقة واستحالة التطبيق الذاتي.

في مواجهة استحالة حل الدولتين برز في العقود الأخيرة خطاب يدعو إلى (حل الدولة الواحدة)، العلمانية الديمقراطية، التي تمتد من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وتضم كل السكان الحاليين على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين، مع إلغاء قوانين مثل قانون العودة التي تمنح كل يهودي في العالم جنسية الدولة بينما تحرم اللاجئ الفلسطيني من العودة إلى وطنه.

هذا الحل من الناحية الأخلاقية والقانونية يعتبر الأكثر إنصافاً وعدالة، لأنه يلغي جذور الصراع القائمة على التقسيم العرقي للوطن، ويحول الكيان من "دولة يهودية" إلى "دولة للمواطنين" كما هو الحال في كل الديمقراطيات الغربية الحديثة؛ لكن هذا الحل يصطدم بجدارين منيعين لا يمكن اختراقهما بسهولة هما:
-الأول ،هو الجدار الأيديولوجي الصهيوني العميق الذي يعتبر الدولة اليهودية جوهر المشروع الصهيوني وخلاصة تاريخية لليهود بعد قرون من الاضطهاد، ولذلك حتى أقصى اليسار الإسرائيلي يرفض هذا الخيار لأنه ينهي الطابع اليهودي للدولة من الناحية الديموغرافية خلال عقدين، خاصة إذا تم تطبيق حق العودة الفلسطيني الكامل.

- الثاني، هو الجدار الواقعي المتمثل في جروح الماضي والحاضر، فكيف يمكن (للمجتمع الاسرائيلي) وقادة اسرائيل الذين ارتكبوا إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في غزة وجرائم اخرى عديدة، أن يقبل بالعيش معه في نفس الدولة كشركاء متساوين؛ وكيف يمكن للناجين الفلسطينيين من هذه الإبادة أن يجلسوا في برلمان واحد مع قادة الكيان الاسرائيلي الذي نفذها بحقهم وبحق عائلاتهم وأطفالهم ؛ هذا الحل وإن كان نظرياً جميلاً، إلا أنه يحتاج إلى عقود طويلة من المصالحات النفسية والمجتمعية تشبه ما حدث في جنوب أفريقيا.

لكن دولة جنوب أفريقيا لم تشهد ما شهدته فلسطين من تهجير وهدم وتجويع على مدار ثماني عقود متتالية منذ عام 1948، كما أن جنوب أفريقيا كان لديها قيادة استثنائية مثل القائد التاريخي/نيلسون مانديلا ؛وديزموند توتو، حيث استطاعت قيادة المصالحة ببراعة بين جميع الأطراف، في حين أن الجانبين الفلسطيني- والإسرائيلي يفتقدان اليوم إلى مثل هذه القيادات القادرة على تجاوز الماضي ورسم مستقبل جديد معاً. لذلك، يظل حل "الدولة الواحدة"، حلم (العدالة النظرية) التي يصعب ترجمتها إلى واقع عملي في الأفق القريب أو المتوسط، ولا يمكن أن يأتي إلا من خلال جهد دولي ضخم لإعادة بناء الثقة من الصفر، وهذا لا يبدو متاحاً في ظل استمرار الإبادة الجماعية نفسها في قطاع غزة واستمرار جرائم القتل والاعتقال والقمع في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

سادساً: نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) كواقع راهن ومسارات التطور المستقبلية الممكنة في فلسطين المحتلة.

الحقيقة الأكثر إيلاماً والتي يتجاهلها السياسيون الغربيون هي أن ما يُطبق فعلياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم هو نظام فصل عنصري بامتياز هو ( أبارتايد ممنهج ضد الفلسطينيين)، يؤكده تقرير كل من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنظمات إسرائيلية مثل منظمة "بتسيلم الحقوقية"، حيث يوجد نظامان قانونيان مختلفان تماماً في الضفة الغربية؛ النظام الأول للمستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في مستوطنات راقية بطرق معبدة وخدمات حكومية وطنية شاملة، والنظام الثاني للفلسطينيين الذين يخضعون لقوانين عسكرية استثنائية تسمح بالاعتقال الإداري دون محاكمة لأشهر طويلة، وهدم المنازل الفلسطينية دون إشعار مسبق، ومصادرة الأراضي بحجج أمنية واهية، كما أنهم محرومون من حق التصويت للكنيست الإسرائيلي (يشبه البرلمان ) الذي يقرر مصيرهم بينما هم لا يملكون أي تمثيل سياسي حقيقي.

في قطاع غزة، يتجاوز الواقع الأبارتهايد إلى حصار شامل يمنع حتى حرية التنقل والعلاج والغذاء، وهو حصار يُوصف من قبل الأمم المتحدة بأنه عقاب جماعي محظور دولياً؛ هذا النظام الذي يذكّر بجنوب أفريقيا العنصرية، ورغم الحملات الدولية ضده، إلا أنه يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً للاستمرار في حال بقيت الأمور على حالها، خاصة مع نية أي حكومة إسرائيلية بديلة أن تستمر في "إدارة الصراع" دون حله.

لكن الاستمرار في هذا النظام يحمل في طياته مخاطر وجودية على دولة الكيان الاسرائيلي ، فهو يعزز عزلة دولة الاحتلال الاسرائيلي على الصعيد الدولي؛ ويجعلها دولة احتلال منبوذة في الجامعات والمؤسسات الغربية، كما أن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS) تكتسب زخماً هائلاً بين الشباب الأوروبي والأمريكي، وقد تؤدي مستقبلاً إلى ضغوط اقتصادية وسياسية لا تطاق، تماماً كما حدث مع جنوب أفريقيا التي انهار نظام الأبارتهايد فيها تحت وطأة الضغوط الدولية والمقاومة الداخلية، ويبقى السؤال المعلق، (هل ستنتظر إسرائيل حتى تصل إلى نفس النقطة التي وصلت إليها بريتوريا، أم أنها ستختار تغيير مسارها قبل فوات الأوان).

-الاقتراحات العملية لإنهاء هذا الجمود التاريخي وتجاوز المأزق الراهن.

1. الدعوة الفورية لعقد مؤتمر دولي شامل تحت مظلة الأمم المتحدة يشارك فيه كل من جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والولايات المتحدة، بالإضافة إلى جميع الأطراف الفلسطينية دون استثناء (فتح، حماس، الجهاد الإسلامي، وغيرهم) والأطراف الإسرائيلية المعتدلة المؤمنة بالسلام، بحيث لا يكون هذا المؤتمر مجرد جلسة صورية للتداول، بل مؤتمراً ملزماً بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ومقررات محكمة العدل الدولية، مع تحديد آلية عقابية دولية واضحة لأي طرف يخرق بنود الاتفاقيات التي سيتم التوقيع عليها، وهذا الأسلوب الجماعي هو الوحيد القادر على كسر الاحتكار الأمريكي للعملية التفاوضية الذي ظل لصالح إسرائيل طيلة سبعة عقود.

2. تشكيل هيئة دولية مؤقتة وذات صلاحيات تنفيذية لإدارة قطاع غزة وإعادة إعماره بالكامل، على أن تستمر ولايتها لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، وتضم في عضويتها ممثلين عن الأمم المتحدة والجامعة العربية وروسيا والصين، ويكون هدفها الأساسي بناء مؤسسات مدنية قوية ومستقلة، تدعم توحيد وإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية المنقسمة، مع توفير أموال الإعمار من الصناديق العربية والدولية بشكل مباشر لهذه الهيئة يكون الفلسطيني مسؤولا عن نفسه، وبعد انتهاء هذه الفترة، تجرى انتخابات ديمقراطية تشمل كل من غزة والضفة والقدس لانتخاب قيادة فلسطينية جديدة تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني بكامل أطيافه.

3. تجميد جميع الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية بشكل كامل وفوري وغير مشروط، على أن يتم وضع هذا التجميد تحت مراقبة بعثة أممية دائمة تزور المستوطنات بشكل مفاجئ وترفع تقاريرها بصورة شهرية إلى مجلس الأمن، وأن يكون أي خرق لهذا التجميد، حتى لو كان صغيراً أو على شكل توسيع لحدود مستوطنة قائمة، محفوفاً بعقوبات اقتصادية دولية فورية كوقف المساعدات الاقتصادية أو تجميد الأصول أو حظر السفر للمسؤولين المتورطين، لأن تجميد الاستيطان ليس مجرد خطوة رمزية بل هو المفتاح الأساسي لإعادة إحياء إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المترابطة جغرافيا، وبدونه تبقى كل الحلول حبراً على ورق.

4. تحديث المبادرة العربية للسلام بما يتناسب مع المتغيرات الجذرية على الأرض، بحيث لا تكتفي بعرض التطبيع مقابل الانسحاب، بل تتبنى آليات ضمانات أمريكية - أوروبية - روسية مشتركة لحماية الدولة الفلسطينية الناشئة من أي عدوان مستقبلي.

-الخاتمة:

في ختام هذا التحليل المتواضع للدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، نجد أنفسنا أمام واقع فلسطيني- إسرائيلي بالغ التعقيد، حيث لا يوجد حل سحري أو مخرج سهل، بل توجد خيارات كل منها يحمل أعباءه الثقيلة وأثمانه الباهظة. ما يحدث اليوم في غزة ليس مجرد فصل في كتاب الصراع، بل هو لحظة تاريخية فارقة قد تعيد تشكيل المنطقة برمتها، فإما أن يجد المجتمع الدولي الشجاعة الكافية لفرض حل عادل ومتوازن يقوم على أسس القانون الدولي وحقوق الإنسان، وإما أن نستمر جميعاً في هذه الدوامة من (نزف شلال الدماء)،التي لا نهاية لها، والتي ستخلق في النهاية واقعاً أكثر تطرفاً وعنفاً من كل ما سبقه. إن رحيل حكومة المجرم/ نتنياهو، مهما كان ضرورياً، ليس نهاية المطاف بل بداية مرحلة جديدة تتطلب إرادات استثنائية من كل الأطراف، فلسطينية كانت أم إسرائيلية أم دولية، لإعادة بناء الثقة من الصفر والاعتراف بالأخطاء التاريخية التي ارتكبها الجميع، والانطلاق نحو رؤية مستقبلية لا تقوم على فرض السيطرة أو إلغاء الآخر، بل على العيش المشترك في كنف السلام والكرامة المتساوية، وهو الخيار الوحيد الذي يضمن البقاء لأبناء هذه الأرض المقدسة التي تستحق أن تكون وطناً لكل من يؤمن بأن الحياة أغلى من الموت، والعدالة أبقى من الانتقام.

اخيراً،هل آن الأوان لتجاوز أحلام النصر الوهمية التي يتغني بها قادة التطرف في دولة الاحتلال الاسرائيلي، والإقرار بأنه لا غالب ولا مغلوب في هذا الصراع، بل هناك طرفان استنزفا أنفسهما لدرجة أن الاستمرار في الحرب أصبح انتحاراً جماعياً، وحان وقت السلام ليعم في المنطقة وإن تأخر بسبب قادة التطرف والأبارتايد في الحكومات المتعاقبة لدولة الاحتلال الاسرائيلي.

-المراجع:

· محكمة العدل الدولية، الفتوى الاستشارية بشأن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لاهاي، يوليو 2024.
· تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2025 بعنوان "إسرائيل والأراضي المحتلة: واقع الأبارتهايد في القرن الحادي والعشرين".
· تقرير هيومن رايتس ووتش، "آفاق التجميد: الاستيطان الإسرائيلي في الضفة والقدس"، صادر في مارس 2026.
· بتسيلم، المركز الإسرائيلي لمعلومات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، سلسلة تقارير حول أوضاع الفلسطينيين في المنطقة ج، 2025.
· قرارات مجلس الأمن ذات الصلة: القرار 242، القرار 338، القرار 1515، والقرار 2334.
· المبادرة العربية للسلام، النص الكامل المعدل في القمة العربية بالرياض، عام 2002 والتحديثات اللاحقة.
· وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، التقارير الإحصائية الشهرية للضحايا من أكتوبر 2023 حتى مايو 2026.
· مركز "الزهرة" للدراسات الاستراتيجية، دراسات حول مستقبل حل الدولتين في ظل حكومة الطوارئ الإسرائيلية، العدد 42، رام الله، 2025.
· كتاب "أوسلو: ثلاثون عاماً من الخداع" للكاتب الفلسطيني وليد الخالدي، الطبعة الثالثة، بيروت، 2024.
· تقارير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حول الوضع الإنساني في قطاع غزة، تقارير ربع سنوية من 2024 حتى 2026.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد نتنياهو-هل تختار إسرائيل الدولة الواحدة أم حل الدولتي ...
- -هولوكوست غزة- التي هزت تل أبيب- أزمة لوكاشينكو الدبلوماسية ...
- من كازينوهات القمار إلى شراء السياسة الأمريكية لدعم الإبادة ...
- التكيف مع التغيرات المناخية كخيار وجودي لحوكمة المياه
- تقنيات البلوك تشين لتوثيق الإبادة في غزة
- خزعبلات إيلون ماسك وزراعة شرائح في أدمغة البشر وتناقضات الضم ...
- استراتيجية العدالة التصالحية- عندما يتحول الخزي الاجتماعي إل ...
- آليات الحكامة المؤسسية وحماية الحقوق في فلسطين في ظل الاحتلا ...
- رسالة إلى حماس-إجماع منظمات حقوق الإنسان على إدانة الإعدامات ...
- الذكاء الاصطناعي -الببغائي- يموت.. والذكاء -التوليفي- يولد م ...
- التضليل الإعلامي والإحباط الأخلاقي – غزة بين الأكاذيب وإعادة ...
- مواجهة عصر -القتل الخوارزمي- وتجارة الموت الرقمية وتورط الشر ...
- كتاب المافيا اليهودية في الأرجنتين-مؤلفه اليهودي فابيان سبول ...
- غزة بعد الإبادة- آليات تعويض غير تقليدية- وحجز أموال الشركات ...
- مقارنة بين -الشرعية الغربية- و-الشرعية العالمية--معنى العدال ...
- جزيرة سازان هي عنق الزجاجة الأوروبي للسيطرة على مضيق أوترانت ...
- ألمانيا تفشل دبلوماسيا وتخسر مقعدها في مجلس الأمن بسبب سوء ت ...
- التجسس الإسرائيلي على البنتاغون تسبب بإعلان المستوى الحرج بي ...
- غزة تهزم ألمانيا دبلوماسيا وتحرمها عضوية مجلس الأمن في الأمم ...
- تأمين الحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية في القانون الدو ...


المزيد.....




- الولايات المتحدة تعلّق عقوباتها على النفط الإيراني حتى 21 أغ ...
- تقييم يكشف حجم الدمار في جنوب لبنان: أكثر من 11 ألف مبنى دُم ...
- هل ينقلب رهان إسرائيل في غزة عليها؟.. تقرير يرصد مخاوف من تس ...
- رفع العقوبات الأمريكية عن النفط الإيراني وتراجع الأسعار أكثر ...
- قوة عسكرية إسرائيلية تتوغل في حوض اليرموك في ريف درعا وتستجو ...
- مندوب سوريا: إسرائيل المعرقل الأساسي للاستقرار في سوريا وندع ...
- مقتل خمسة أشخاص في هجوم صاروخي أوكراني على فورونيج
- قاليباف وعراقجي يتوجهان إلى سلطنة عمان لبحث ترتيبات إدارة مض ...
- وارسو: زيلينسكي رفض مرتين مكالمة ولقاء مع نافروتسكي لحل أزمة ...
- إعلام: إسرائيل أرسلت 50 عسكريا إلى -أرض الصومال- بعد اعترافه ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد في فلسطين