|
|
شيطنة قطر عبر نشر التقارير الاسرائيلية
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 14:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة
في مشهد الشرق الأوسط المتشابك بالتناقضات والتحالفات المتقلبة، تبرز دولة قطر كلاعب محوري يحاول التوفيق بين أدوار متضاربة، (وسيط إقليمي، حليف غربي، وممول للفصائل، وشريك تجاري لإيران) ؛لكن وثيقة استخباراتية سرية، نشرتها هيئة البث الإسرائيلية "كان" مؤخراً بتاريخ 24-6-2026، ترسم صورة مختلفة تماماً. إذ تكشف الوثيقة، التي أعدتها جهة استخبارات أجنبية، عن دور قطري متنامٍ في دعم إيران اقتصادياً وتجارياً وعسكرياً، بما يمكنها من الالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليها منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018. وتتزامن هذه الكشوفات مع تصعيد عسكري غير مسبوق تمثل في الغارة الإسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر 2025، في هجوم هو الأول من نوعه لإسرائيل على دولة خليجية، مما يطرح أسئلة مصيرية حول طبيعة العلاقة بين الدوحة وطهران، وحول الحدود التي تفصل بين الوساطة والتواطؤ، وبين الحياد والانحياز في صراعات المنطقة.
سؤال إشكالي
هل يمكن لدولة قطر؛ أن تكون في آن واحد وسيطاً محايداً بين الولايات المتحدة وإيران، وشريكاً استراتيجياً في تعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية للنظام الإيراني، وممولاً رئيسياً لحركات المقاومة حماس، وحليفاً أمنياً للغرب؛وإذا كانت الوثيقة الاستخباراتية التي نشرتها "كان العبرية" صحيحة، فكيف يمكن تفسير الدور القطري في الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، وتزويد إيران بمواد ثنائية الاستخدام تدخل في برامجها العسكرية، في الوقت الذي تلعب فيه الدوحة دور الوسيط بين طهران وواشنطن؛ وهل كان الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر 2025 مجرد عملية عسكرية محدودة الهدف؛ أم أنه رسالة واضحة بأن إسرائيل لم تعد مستعدة للتغاضي عن الدور القطري في تمكين خصومها في الشرق الأوسط.
أولاً: الوثيقة الاستخباراتية – ملامح التهمة
كشفت وثيقة استخباراتية أعدتها جهة استخبارات أجنبية ولكنها تحمل بصمات وتوجيهات اسرائيلية، ونشرتها هيئة البث الإسرائيلية "كان" بتاريخ 24-6-2026، عن ما وصفته بدور قطري متنامٍ في دعم إيران اقتصاديًا وتجاريًا وعسكريًا. وبحسب تقرير للصحافيين من دولة الاحتلال الاسرائيلي؛إليئور ليفي وروعي كايس في "كان نيوز"، فإن الوثيقة ترصد بالتفصيل كيف تحولت قطر إلى أحد أبرز مسارات التعزيز الاقتصادي والعسكري للنظام الإيراني، ليس فقط منذ إلغاء الاتفاق النووي، بل أيضًا بعد هجوم طوفان الأقصى في7/10/ 2023.
وتشير الوثيقة إلى أن التعاون بين الدوحة وطهران شهد توسعًا ملحوظًا منذ عام 2018، لا سيما بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران، حيث ارتفعت وتيرة التبادل التجاري بين البلدين عبر مسارات بحرية متنامية. وتوضح الوثيقة أن الدوحة عملت على توسيع خطوط التجارة البحرية مع إيران، ما أدى إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين بعشرات النسب المئوية خلال السنوات الأخيرة.
وتكمن خطورة هذه الوثيقة في أنها لا تتهم قطر بتجاوز العقوبات فحسب، بل ترسم صورة لمنظومة متكاملة من الدعم المالي واللوجستي والعسكري، يجعل من الدوحة بوابة إيران إلى العالم رغم العقوبات الدولية. ويأتي نشر هذه المعطيات في ظل تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني وشبكات الدعم المالي واللوجستي التي تسعى طهران إلى توظيفها للحفاظ على نفوذها وقدراتها العسكرية في المنطقة.
ثانياً: الأموال الإيرانية المجمدة 6 مليارات دولار في قطر.
تبرز الوثيقة الاستخباراتية ،الدور القطري في ملف الأموال الإيرانية المجمدة، معتبرة أن قطر تشكل "دولة محورية" في جهود الإفراج عن هذه الأموال. ووفقًا للوثيقة، فإن أول دفعة مالية كان من المفترض أن تحصل عليها إيران ضمن مسار التفاوض مع الولايات المتحدة تبلغ 6 مليارات دولار مودعة في قطر.
وتفيد المعطيات بأن تفاهمات بين محافظي المصرفين المركزيين في البلدين بشأن الإفراج عن هذه الأموال كانت قد أُنجزت في تشرين الأول 2024، إلا أن الولايات المتحدة حالت دون تنفيذ الخطوة في ذلك الوقت. وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك بالقول إن هذه الأموال مخصصة لـ"تمويل الإرهاب" وليس لتحقيق ازدهار اقتصادي داخل إيران.
وكانت الولايات المتحدة وإيران قد توصلتا في أغسطس 2023 إلى اتفاق بوساطة قطرية، يقضي بالإفراج عن 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة. وتحتفظ قطر بنحو 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية التي أفرج عنها في إطار صفقة تبادل سجناء. وتعمل الولايات المتحدة بالتنسيق مع قطر على خطة تتيح لإيران الوصول إلى هذه الأموال كخطوة أولى ضمن الاتفاق.
وتطرح هذه المعطيات إشكالية جوهرية، (كيف يمكن لدولة دورها الحياد والوساطة، أن تكون في الوقت نفسه حارساً لأصول النظام الإيراني ووسيطاً للإفراج عنها) ؛وإذا كانت هذه الأموال، كما تزعم الوثيقة التي تحمل بصمات اسرائيل، انها مخصصة لتمويل الأنشطة التي تصنفها الدول الغربية بالإرهابية، فما هو موقف الدوحة من هذه التهمة؛ ولماذا لم تضع قطر آليات واضحة لضمان استخدام هذه الأموال في الأغراض الإنسانية فقط، كما كان مقرراً في الاتفاق الأصلي.
ثالثاً: التعاون في قطاع الطاقة – تبادل الكهرباء ومشاريع مشتركة
لا يقتصر الدور القطري على المجال المالي فحسب، بل يتعداه إلى قطاع الطاقة الحيوي. ففي قطاع الطاقة، تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى توسع كبير في التعاون بين الجانبين، من خلال مشاريع واتفاقات متعددة، من بينها اتفاق لتصدير الكهرباء من إيران إلى قطر.
وهذا التعاون في مجال الطاقة يحمل دلالات استراتيجية عميقة. ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى عزل إيران اقتصادياً وطاقوياً، تفتح قطر نافذة "للتعاون المشروع" مع طهران في مجال حيوي كالطاقة. وهذا التعاون، وإن كان قد يبدو تجارياً بحتاً، إلا أنه في سياق العقوبات الشاملة يصبح بمثابة شريان حياة للنظام الإيراني، ووسيلة للتخفيف من وطأة العزلة الدولية.
وتتساءل الأوساط الاستخباراتية الغربية بتوجيهات شيطنة من اسرائيل، كيف يمكن التوفيق بين هذا التعاون الطاقوي المتنامي، وبين الموقف القطري الرسمي الداعم للعقوبات الدولية؛ وهل يمكن فصل التعاون الاقتصادي في مجال الطاقة عن الدعم السياسي والعسكري للنظام الإيراني، أم أن الأمر يشكل منظومة متكاملة من العلاقات التي تصب في مصلحة طهران.
رابعاً: المواد ثنائية الاستخدام – الدعم العسكري الخفي لإيران.
في الجانب العسكري، تزعم الوثيقة التي تحمل بصمات اسرائيلية،أن قطر لا تقتصر على تقديم الدعم الاقتصادي، بل تساهم أيضًا في تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية. وتستند في ذلك إلى بيانات رسمية صادرة عن المجلس الوطني للتخطيط في قطر، تُظهر تزويد إيران بشكل منتظم بمواد ذات استخدام مزدوج مدني وعسكري.
ومن بين المواد المذكورة في الوثيقة، (زيوت معدنية بيتومينية يمكن استخدامها في إنتاج وقود الصواريخ والمتفجرات وتشغيل السفن، إضافة إلى كميات كبيرة من الهيدروجين الذي يمكن توظيفه في صناعة وقود الصواريخ والطائرات المسيّرة). كما تتحدث الوثيقة الشبه اسرائيلية عن تزويد إيران بقضبان ومقاطع من الألمنيوم تُستخدم في تصنيع هياكل الطائرات المسيّرة، إلى جانب محركات احتراق داخلي تُعتبر مكونات قابلة للاستخدام المباشر في إنتاج المسيّرات الإيرانية.
وبحسب ما ورد في الوثيقة، فإن هذه المواد لا تُستخدم فقط لأغراض مدنية، بل تدخل أيضًا في برامج ومشاريع ذات طابع عسكري. وهذا الاتهام الشبه اسرائيلي، يحمل تداعيات خطيرة على المكانة الدولية لقطر، ويضعها في موقف حرج مع حلفائها الغربيين، خصوصاً الولايات المتحدة التي تفرض عقوبات صارمة على أي كيان يساهم في تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية.
وتخلص الوثيقة الاستخباراتية الشبه اسرائيلية إلى أن النشاط القطري، وفق توصيفها، يلحق ضررًا مباشرًا بالمصالح الأمنية للولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول العربية، داعية إلى اتخاذ خطوات عملية ومباشرة لمواجهة هذا الدور والحد من تأثيره.
خامساً: قطر وسيطاً بين واشنطن وطهران هو تناقض أم استراتيجية تكتيكية.
تلعب قطر دور الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران في الملف النووي وملف الأموال المجمدة؛ وتضطلع قطر بدور محوري في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن، لا سيما في القضايا المعقدة، ومن بينها ملف الأموال الإيرانية المجمدة.
وهذا الدور الوسيط، الذي تحظى به قطر بموافقة ضمنية من واشنطن، يثير تساؤلات عميقة لدي قادة دولة الاحتلال الاسرائيلي،حول مدى علم الإدارة الأمريكية بحجم التعاون الاقتصادي والعسكري بين الدوحة وطهران؛ فكيف يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بوساطة دولة تُتهم، وفق وثائق استخباراتية شبه اسرائيلية، بتزويد إيران بمواد تدخل في برامجها العسكرية، والمساعدة على الالتفاف على العقوبات التي تفرضها واشنطن نفسها.
وقد أشارت تقارير إلى أن الولايات المتحدة انتقدت نهج بعض الدول تجاه إيران، وضغطت عليها لقطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، مهددة إياها بـ "العقوبات والقصف عسكرياً"؛ ومع ذلك، تستمر قطر في لعب دور الوسيط، وكأن هناك فهمًا ضمنيًا بأن دورها كوسيط يتطلب نوعاً من العلاقة الخاصة مع إيران، حتى لو تجاوزت حدود الوساطة إلى التعاون الاستراتيجي بين الطرفين وهذا حق سيادي تقرره قطر وليس اسرائيل.
سادساً: الهجوم الإسرائيلي على الدوحة – الرسالة التي هزت الخليج العربي.
في 9 سبتمبر 2025، شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي غارة جوية على العاصمة القطرية الدوحة، استهدفت منطقة كتارا التي يقع فيها المقر الذي يقيم فيه أعضاء وفد حركة حماس المفاوض؛ وأطلقت إسرائيل على العملية اسم "عملية قمة النار".
ويُعدّ الهجوم الإسرائيلي هو الأول لإسرائيل في دولة عربية في الخليج العربي، وهو أول هجوم مباشر على دولة من دول مجلس التعاون الخليجي. واستهدف الهجوم الاسرائيلي أربعة من كبار قادة حماس في قطر هم، خليل الحية، زاهر جبارين، محمد إسماعيل درويش، وخالد مشعل، الذين كانوا يشاركون في مفاوضات لوقف إطلاق النار في غزة واتمام تبادل الأسرى بين الطرفين.
ووفقاً للتقديرات، فشلت العملية في اغتيال القادة المستهدفين، لكنها أسفرت عن سقوط قتلى بينهم رجل أمن قطري؛ وأثار الهجوم العدواني موجة إدانة دولية، حيث دانت الأمم المتحدة الهجوم الصارخ على سيادة قطر وسلامة أراضيها، واعتبرته ألمانيا "غير مقبول".
وترتبط هذه الغارة ارتباطاً وثيقاً بموضوع الوثيقة الاستخباراتية. فإسرائيل، التي كانت تتابع عن كثب الدور القطري في دعم إيران وحماس، ربما رأت في استضافة الدوحة لقيادة حماس وتسهيلها لتحويل الأموال إلى الحركة، بالإضافة إلى دعمها الاقتصادي والعسكري لإيران، مبرراً كافياً لتوجيه ضربة مباشرة إلى قلب الدوحة لتحقيق نصر زائف لرئيس وزراء حكومة الاحتلال الاسرائيلي نتنياهو ، والرسالة كانت واضحة لكافة دول الخليج،(إسرائيل لم تعد مستعدة للتغاضي عن الدور القطري في تمكين أعدائها، سواء في طهران أو غزة)؛ ولكن سرعان ما أصبح العدوان الاسرائيلي على قطر كابوسا على اسرائيل ،بعد ادانة اغلب دول العالم له وعلى رأسهم واشنطن التي شجبت واستنكرت القصف رغم علمها المسبق به .
سابعاً: التداعيات الإقليمية – كيف تغير ميزان القوى في الخليج.
تُحدث هذه التطورات وفق الوثيقة الاستخباراتية التي تحمل افكار وبصمات اسرائيل ،وكذلك العدوان الإسرائيلي على قطر؛ زلزالاً في المشهد السياسي والأمني الخليجي. فلدول الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات، مواقف متباينة من إيران، تتراوح بين التقارب الحذر والعداء المعلن؛ أما قطر، فكانت دائماً الاستثناء في هذه المعادلة، بعلاقاتها المتميزة مع طهران والتي تعود إلى عقود من الزمن.
لكن الكشف عن حجم التعاون الاقتصادي والعسكري بين الدوحة وطهران، والذي يتجاوز بكثير حدود العلاقات الدبلوماسية الطبيعية، يضع الدول الخليجية الأخرى في موقف حرج. فهل كانت هذه الدول على علم بهذا التعاون؛وإذا كانت على علم، فلماذا لم تتحرك لمواجهته؛ وإذا لم تكن على علم، فكيف يمكن تفسير هذا الغياب للمعلومات الاستخباراتية عن جار خليجي ؛تم فرض عليه عقوبات وقطع العلاقات الدبلوماسية معه من طرف اربع دول عربية منهم مصر ؛ حيث تم فرض العقوبات وقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر من قبل السعودية، الإمارات، البحرين، ومصر في يوم 5 يونيو 2017 وربما هذا هو السبب الرئيسي لانفتاح قطر على ايران بعد هذه القطيعة.
كما أن العدوان الإسرائيلي على الدوحة بزعم محاولة اغتيال قادة حماس هناك، يفتح باباً جديداً للتدخل العسكري الإسرائيلي في قلب منطقة الخليج بشكل عام، وهو سابقة قد تغير قواعد اللعبة الأمنية برمتها. فإذا كانت إسرائيل مستعدة لقصف عاصمة دولة خليجية، فما الذي يمنعها من استهداف أهداف أخرى في المنطقة؛ وكيف سترد دول الخليج على هذه السابقة الخطيرة.
-اقتراحات:
1. تشكيل لجنة تحقيق خليجية مستقلة لرصد الأنشطة الإسرائيلية.
في ظل التصعيد الإسرائيلي الخطير واستهداف أمن المنطقة، تقترح هذه الدراسة تشكيل لجنة تحقيق خليجية مستقلة، تضم خبراء قانونيين وعسكريين واستخباراتيين، لتقصي حقائق النشاطات الإسرائيلية التخريبية والعدوانية في المنطقة، وتقييم المخاطر التي تشكلها على الأمن الجماعي لدول الخليج، والخروج بتوصيات لمواجهتها، بعيداً عن الاتهامات المسيسة التي تخدم الأجندة الإسرائيلية.
2. إعادة توجيه السياسة الخليجية نحو التعاون الاستراتيجي مع إيران.
تدعو هذه الدراسة إلى مراجعة شاملة للسياسات الخليجية تجاه إيران، تقوم على مبدأ التقارب وبناء الثقة، والانتقال من سياسة المقاطعة والابتعاد إلى فتح قنوات قوية للتعاون المشترك. يُعد التعاون مع إيران ركيزة أساسية لمواجهة المشاريع التوسعية الإسرائيلية في المنطقة، على أن تُصان سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويُمنع أي تدخل خارجي، سواء كان إسرائيلياً أو غيره، في الشؤون الداخلية لدول المجلس.
3. الشفافية في الملفات المالية بعيداً عن الضغوط الخارجية.
فيما يخص الملفات المالية الإيرانية، تؤكد هذه الدراسة على حق قطر السيادي في إدارة أموالها، مع اقتراح وضع آليات إشرافية طوعية وشفافة، تضمن استخدام هذه الأموال للأغراض الإنسانية والتنموية، بما يقطع الطريق على أي ذرائع للضغط أو الابتزاز من قبل الكيانات المعادية، ويمنع تحويل هذه القضية إلى أداة للمساومة تخدم الأجندة الإسرائيلية في المنطقة.
4. تطوير التنسيق الأمني الخليجي للتصدي للعدوان الإسرائيلي.
يفرض تزايد الاعتداءات الإسرائيلية على المنطقة (كاستهداف قطر وإيران) ضرورة التطوير العاجل لآليات التنسيق الأمني والدفاعي بين دول مجلس التعاون. ويشمل ذلك إنشاء نظام إنذار مبكر عربي مشترك لا تتحكم فيه واشنطن؛ لرصد الأنشطة الإسرائيلية المعادية، وتنسيق استخباراتي فعال لمواجهة الاختراقات، ووضع خطط دفاعية موحدة للتصدي لأي عدوان خارجي، مع مراجعة تداعيات فتح كيانات إسرائيلية في بعض الدول (كالإمارات والبحرين) والتي أسهمت في توسع النفوذ الإسرائيلي تحت مبررات التطبيع.
5. فتح حوار إقليمي شامل لإنهاء المقاطعة ومواجهة التطبيع.
بدلاً من استمرار سياسات العزل والمقاطعة، تقترح هذه الدراسة الدعوة إلى حوار إقليمي شامل، يُعقد بمشاركة دول الخليج وإيران، بالإضافة إلى الأطراف الدولية الفاعلة مثل باكستان وروسيا والصين، لمناقشة مستقبل العلاقات الخليجية-الإيرانية على أسس الاحترام المتبادل. يهدف هذا الحوار إلى وضع إطار جديد يُلغي المقاطعة ويُعزز التعاون الاقتصادي والأمني، ويُسلط الضوء على مخاطر التوسع الإسرائيلي في المنطقة الناتج عن سياسات التطبيع، ويضمن الحفاظ على المصالح المشروعة لدول الخليج دون وصاية أو إملاءات.
6. استخلاص الدروس من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران الذي حدث في 28-2-2026 واستمر مدة 40 يوماً وثم الهدنة الهشة؛وتعزيز التضامن الخليجي-الإيراني؛ حيث تشكّل التجربة المريرة للعدوان الثنائي(الأمريكي-الإسرائيلي) على إيران محطة فارقة تستوجب الوقوف عندها بجدية، حيث أثبتت أن التهديد الحقيقي لأمن المنطقة ينبع من التدخلات الخارجية، وليس من الجوار الإيراني.
لذا، تدعو هذه الدراسة إلى الاستفادة القصوى من هذه التجربة، والعمل على ترجمتها إلى تعاون خليجي-إيراني أوثق في المجالات الأمنية والاقتصادية، بما يُحبط المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تعميق الشرخ بين الطرفين وتمرير أجندتها التوسعية في المنطقة.
كما تنبّه الدراسة إلى أن السياسات الأمريكية التي تسعى لتوظيف هذه الأزمات كورقة ضغط لترويج (مبيعات الأسلحة للخليج)،تحت ذريعة "الحماية" إنما تهدف إلى تعزيز التبعية العسكرية واستنزاف الموارد، في حين أن الأمن الحقيقي والدائم لا يتحقق إلا عبر بناء جبهة إقليمية متماسكة قادرة على التصدي لأي اعتداء خارجي وحماية السيادة الوطنية بعيداً عن الإملاءات الأجنبية وبناء علاقات وثيقة مع ايران ودول الخليج العربي.
ختاماً،تُثير الوثيقة الاستخباراتية التي بثتها هيئة "كان" الإسرائيلية تساؤلات جوهرية، ليس حول الدور القطري بقدر ما حول توقيتها المشبوه ومصدرها الواضح الذي يحمل بصمات الأجندة الإسرائيلية. فهذه الوثيقة، التي ظهرت في خضم تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق ضد المنطقة، تبدو أداةً ممنهجة (لشيطنة قطر)؛ وتجيير الرأي العام الخليجي والعالمي ضدها، في محاولة مكشوفة لخلق شرخٍ داخل البيت الخليجي وإضعاف أي توجه نحو التقارب مع إيران، وهو ما يخدم المشروع الإسرائيلي التوسعي في المقام الأول بالشرق الأوسط.
إن قراءة هذه الوثيقة بنظرة ناقدة تكشف أنها تُختزل تعقيدات السياسة الإقليمية في إطار اتهامي أحادي، وتتجاهل حقيقة أن دولة الاحتلال الاسرائيلي هي الطرف المعتدي والمزعزع للأمن في المنطقة، سواء عبر استهدافها المتكرر لإيران، أو توسع نفوذها في بعض العواصم الخليجية تحت غطاء التطبيع، أو عدوانها الصارخ على الدوحة. ومن هنا، فإن الانسياق خلف هذه الرواية الإسرائيلية ليس فقط مُضللاً، بل يُهدد المصالح الخليجية العليا، ويُفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية التي تهدف إلى بيع الأسلحة وفرض الوصاية، لا إلى حماية السيادة.
وفي المقابل، يبرز اليوم خيارٌ استراتيجيٌ أكثر حكمةً وأعمق أثراً ؛يكمن في ضرورة تعزيز العلاقات الخليجية – الإيرانية على أسس من الاحترام المتبادل والتعاون المشترك. فهذا المسار يُشكّل ركيزةً للأمن الإقليمي المستدام، ويُحبط المخططات الإسرائيلية التي تسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة من الفرقة والصراع. كما أنه يُحرّر القرار الخليجي من التبعية للضغوط الغربية والإسرائيلية، ويُحوّل المنطقة من ساحةٍ للتناحر بالوكالة إلى فضاءٍ للتكامل الاقتصادي والدفاعي المشترك.
اخيراً،تبقى الحقيقة الراسخة أن أمن الخليج العربي، لا يُبنى على أوهام وثائق مسرَّبة تقف خلفها اسرائيل واللوبي الصهيوني، ولا على تحالفات خارجية ثبت فشلها في تحقيق الاستقرار، بل يُبنى على جوارٍ حقيقي وفاعل، يجمع إيران ودول الخليج في مواجهة تحديات مشتركة، وفي مقدمتها وقف العدوان الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية في المنطقة. فالمستقبل، إذن، لمن يختار التعاون الإقليمي بديلاً عن الاستقطاب، ولمن يقرأ التاريخ بعيداً عن التشويه، مدركاً أن أقصر طريقٍ إلى الأمن هو بناء جبهة خليجية – إيرانية صلبة، لا الانصياع لرواياتٍ تُكتب في غرف التخطيط الإسرائيلية،فاللهم احفظ قطر وشعبها وأميرها.
المراجع
1. i24NEWS، "وثيقة استخباراتية: قطر بوابة إيران للالتفاف على العقوبات ودعم اقتصادي وعسكري متصاعد"، i24news.tv 2. ليبانون ديبايت، "6 مليارات دولار ومواد ثنائية الاستخدام ... وثيقة تكشف تفاصيل الدعم القطري لإيران"، lebanondebate.com 3. Wikipedia، "Israeli attack on Doha"، en.wikipedia.org 4. ويكيبيديا العربية، "الغارة الإسرائيلية على الدوحة"، ar.wikipedia.org 5. الجزيرة نت، "نائب وزير الخارجية الإيراني: نتشاور مع قطر بشأن الأصول المجمدة"، aljazeera.net 6. الجزيرة نت، "قطر تدعو إلى تجاوب فاعل مع الوساطات لإنهاء حرب إيران"، aljazeera.net 7. Iran International، "طهران تشترط الإفراج عن 12 مليار دولار من أموالها المجمدة في قطر"، iranintl.com 8. DW، "دول الخليج وإيران.. مفاوضات سرية رغم العداء العلني؟"، dw.com 9. BBC Arabic، "انفجارات الدوحة: حماس تؤكد إخفاق إسرائيل في اغتيال قادتها"، bbc.com 10. Al Jazeera، "الهجوم الإسرائيلي على قطر.. استهداف للمفاوضات والوسيط"، aljazeera.net
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تركيا هي -إيران القادمة- في أجندة التوسع الإسرائيلي وفق المخ
...
-
مصر بين مطرقة التوسع الإسرائيلي وسندان الأمن القومي- هل تكون
...
-
القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضم
...
-
حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد
...
-
ما بعد نتنياهو-هل تختار إسرائيل الدولة الواحدة أم حل الدولتي
...
-
-هولوكوست غزة- التي هزت تل أبيب- أزمة لوكاشينكو الدبلوماسية
...
-
من كازينوهات القمار إلى شراء السياسة الأمريكية لدعم الإبادة
...
-
التكيف مع التغيرات المناخية كخيار وجودي لحوكمة المياه
-
تقنيات البلوك تشين لتوثيق الإبادة في غزة
-
خزعبلات إيلون ماسك وزراعة شرائح في أدمغة البشر وتناقضات الضم
...
-
استراتيجية العدالة التصالحية- عندما يتحول الخزي الاجتماعي إل
...
-
آليات الحكامة المؤسسية وحماية الحقوق في فلسطين في ظل الاحتلا
...
-
رسالة إلى حماس-إجماع منظمات حقوق الإنسان على إدانة الإعدامات
...
-
الذكاء الاصطناعي -الببغائي- يموت.. والذكاء -التوليفي- يولد م
...
-
التضليل الإعلامي والإحباط الأخلاقي – غزة بين الأكاذيب وإعادة
...
-
مواجهة عصر -القتل الخوارزمي- وتجارة الموت الرقمية وتورط الشر
...
-
كتاب المافيا اليهودية في الأرجنتين-مؤلفه اليهودي فابيان سبول
...
-
غزة بعد الإبادة- آليات تعويض غير تقليدية- وحجز أموال الشركات
...
-
مقارنة بين -الشرعية الغربية- و-الشرعية العالمية--معنى العدال
...
-
جزيرة سازان هي عنق الزجاجة الأوروبي للسيطرة على مضيق أوترانت
...
المزيد.....
-
شبه جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الروسية تتعرض لضربة قوية من
...
-
استطلاع يكشف أرقاما مفاجئة: ما رأي 3 من بين كل 4 أمريكيين بو
...
-
كواليس 70 دقيقة من التوتر في الكابيتول.. مواجهة غاضبة بين تر
...
-
من البحرين.. روبيو يوجه رسالة للحلفاء الخليجيين ويؤكد: مضيق
...
-
تقرير: بيروت وتل أبيب توافقان على -مناطق نموذجية- ومعلومات ع
...
-
هل ترغب في الشعور بسعادة أكبر في العمل؟ إليك السر
-
روبيو في البحرين: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الخليج ولا
...
-
الحرس الثوري الإيراني يحذّر السفن في مضيق هرمز من استخدام مس
...
-
تجريم زبائن الدعارة في ألمانيا: تحرك نحو النموذج الإسكندنافي
...
-
شركة إسرائيلية تخطط للاستحواذ على أصول نفطية في مصر
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|