أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضمير العالم الغائب















المزيد.....


القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضمير العالم الغائب


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 18:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة

في مشهد مهني لم يشهد التاريخ الحديث له نظيراً، تحولت غزة خلال عامين من حرب الإبادة الجماعية إلى مقبرة جماعية للصحفيين. فمنذ حرب الابادة في غزة في السابع من أكتوبر 2023 وحتى العاشر أكتوبر 2025، أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على قتل أكثر من 255 صحفياً فلسطينياً، في حملة منهجية وصفها المراقبون الدوليون؛ بأنها "الأكثر دموية للصحفيين في تاريخ النزاعات المسلحة في العالم". لقد تجاوز عدد الصحفيين الشهداء في غزة مجموع من قُتلوا من الصحفيين في الحروب الكبرى مجتمعة، بما في ذلك الحرب الأهلية الأميركية والحربين العالميتين الأولى والثانية وحرب كوريا وفيتنام ويوغسلافيا وأفغانستان وحتى في أوكرانيا مؤخراً.
لم يعد التحدي الذي يواجه الصحافة اليوم مقتصراً على إنتاج الخبر في أصعب الظروف في فلسطين وتحديدا في غزة، بل أصبح مرتبطاً بشكل جوهري بالدفاع عن القيم المؤسسة للمهنة باعتبارها ممارسة معرفية وأخلاقية تسهم في بناء المجال العمومي وصيانة الحق في نشر الحقيقة والدفاع عنها. ففي غزة، أصبح القلم والكاميرا في مواجهة مباشرة مع الرصاص، وأصبح الصحفيون، كما وصفهم أحد المراقبين، "شهوداً على الجريمة، وحراساً لذاكرة الشعوب، وحملة لواء الحقيقة في وجه آلة الدعاية الحربية".

-سؤال إشكالي:

كيف يمكن للصحافة الفلسطينية أن تؤدي رسالتها المعرفية والأخلاقية في زمن يُستهدف فيه الصحفيون بشكل ممنهج ويُقتلون بأعداد تفوق أي صراع مسلح في التاريخ؛ ولماذا تظل قوانين الحماية الدولية حبراً على ورق في مواجهة آلة إسرائيلية تقتل شهود الحقيقة، بينما يغيب ضمير العالم ويتحول صمته إلى شراكة في الجريمة؛ وما الذي يمنع المحكمة الجنائية الدولية والمنظومة القانونية الدولية من محاسبة قتلة الصحفيين، في وقت يصف فيه الأمين العام للأمم المتحدة غزة بأنها "المكان الأكثر دموية وخطورة على حياة الصحفيين".

أولاً: المأساة بالأرقام – جريمة ضد الحقيقة بأبعاد تاريخية في قطاع غزة.

الأرقام التي وثقتها المنظمات الدولية ترسم صورة مرعبة لحجم المأساة غير المسبوقة. ففي تقرير صادر في فبراير 2026، أوضحت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) أن عدداً قياسياً بلغ 129 صحفياً وعاملاً في مجال الإعلام قُتل (حول العالم) في عام 2025، وهو رقم يفوق أي عام آخر منذ بدأت اللجنة في جمع البيانات عام 1992 ؛ولكن الأكثر صدمة أن دولة الاحتلال الاسرائيلي تتحمل مسؤولية ثلثي هذا العدد الإجمالي، إذ ارتكبت قواتها عمليات قتل مستهدفة وممنهجة للصحفيين الفلسطينيين تفوق ما ارتكبته أي قوة عسكرية حكومية أخرى على الإطلاق دولياً.

ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بلغ عدد الصحفيين الشهداء 257 شهيداً بحلول ديسمبر 2025، ثم ارتفع إلى 275 شهيداً بنهاية العام ذاته عام 2025. وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن إسرائيل قتلت خلال عامي الإبادة الجماعية في قطاع غزة 254 صحفياً فلسطينياً، إلى جانب 31 صحفياً يمنياً و6 في لبنان و3 في إيران؛ ووصفت منظمة "مراسلون بلا حدود" إسرائيل بأنها "أسوأ عدو للصحفيين" في العالم، مؤكدة أن ما يقرب من نصف الصحفيين (43%) الذين قتلوا خلال عام 2025 قضوا على يد الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة عبر الاستهداف الممنهج والمخطط له بدقة للقضاء عليهم.

ولم تقتصر الجريمة على القتل المباشر، بل شملت اعتقال 153 صحفياً، وإصابة 255 آخرين، وتدمير أكثر من 150 مؤسسة إعلامية في حملة منهجية وصفت بأنها "تستهدف تفكيك البنية التحتية الإعلامية الفلسطينية، وإعاقة إيصال الحقيقة من الميدان". وسجل التقرير ارتفاعاً لافتاً في استخدام (الطائرات المسيرة الإسرائيلية)،في استهداف الصحفيين في غزة، إذ رُصدت 39 حالة قتل عبر هذا الأسلوب، منها 28 حالة نفذها الجيش الإسرائيلي.

ثانياً: الحماية القانونية للصحفيين – نصوص دولية تصطدم بواقع الإفلات من العقاب

في نظر القانون الدولي الإنساني، يتمتع الصحفيون بحماية واضحة ومحددة. فقد أسقطت اتفاقيات القانون الدولي الإنساني وصف المدني على الصحفيين، والأعيان المدنية على المرافق الصحفية، ليكونوا مشمولين بالحماية العامة التي يتمتع بها المدنيون في ظل النزاعات المسلحة، وذلك في إطار المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المختصة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب والنزاعات المسلحة.

وشهدت المنظومة القانونية تطوراً ملحوظاً لتوفير حماية خاصة للصحفيين، تُوج بإقرار المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977)، التي تنص على أن الصحفيين الذين يمارسون مهامهم المهنية في مناطق النزاع المسلح "يُعتبرون مدنيين ويتمتعون بالحماية المقررة للمدنيين، شريطة ألّا يقوموا بعمل يسيء إلى وضعهم". وتؤكد القاعدة 34 من القانون الدولي الإنساني العرفي أنه، "يجب احترام وحماية الصحفيين المدنيين العاملين في مهام مهنية في مناطق نزاع مسلح ما داموا لا يقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية".

كما أن استهداف الصحفيين بشكل متعمد يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وجريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ سيما وأن "القتل العمد للصحفيين الفلسطينيين في غزة يعد جريمة حرب تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وفقاً للمادة 8 من نظام روما الأساسي".

ورغم هذه النصوص القانونية الراسخة، فإنها (تظل حبراً على ورق)، في غياب آليات رادعة لمحاسبة المتهمين من قادة الاحتلال الاسرائيلي؛ فالصحفيون الفلسطينيون، حتى وهم يرتدون سترات تحمل علامة "PRESS" بوضوح، يظلون هدفاً مشروعاً لرصاص الاحتلال. وقد رفعت منظمة "مراسلون بلا حدود" خمس شكاوى متتالية أمام المحكمة الجنائية الدولية منذ أكتوبر 2023، محيلة أدلة جديدة على جرائم حرب ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد صحفيين فلسطينيين في قطاع غزة، مؤكدة أن تحليل بعض الحالات الأخيرة يكشف عن استهداف متعمد للفاعلين الإعلاميين.

ثالثاً: استهداف ممنهج – الصحفيون في مرمى جريمة الإبادة الجماعية

ما ترتكبه دولة الاحتلال الاسرائيلي بحق الصحفيين في غزة ليس مجرد حوادث عرضية أو "أخطاء غير مقصودة" كما تدعي، بل هو استهداف ممنهج ومنظم يندرج في سياق أوسع من جريمة الإبادة الجماعية في غزة؛ وقد خلصت تقارير حقوقية إلى أن "قتل الصحفيين الفلسطينيين في غزة لم يكن عرضياً، بل جزءاً من جريمة الإبادة الجماعية نفسها للقضاء على الصحفين وعائلاتهم في غزة،وعدم فضح الجرائم ونقلها للعالم، وبهدف إسكات الحقيقة والتعتيم على الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني واضعاف السردية الفلسطينية على الصعيد الدولي".

ويتجلى هذا الاستهداف الممنهج في عدة ممارسات متكاملة منها:

1-الاغتيالات المباشرة. فمنذ الأيام الأولى لحرب الابادة في غزة، تعرض الصحفيون للقصف المباشر من الطائرات والمسيرات، كما حدث مع الصحفيين الستة الذين استشهدوا في مجمع ناصر الطبي في خان يونس، بينهم مصور الجزيرة محمد سلامة؛ وقد رفضت مستشارة مجلس إدارة المعهد الدولي للصحافة خديجة باتيل محاولات الاحتلال الاسرائيلي لتبرير جرائمه في غزة، مشددة على أن "تكرار الجريمة يعني تعمدها، وبذلك لا يمكن تصديق مزاعم الاحتلال بأن الأمر خطأ غير مقصود".

2-استهداف خيام النازحين والمرافق الإعلامية. في مشهد يعكس وحشية الاستهداف الاسرائيلي للصحافيين في غزة، قصفت إسرائيل خيمة للصحفيين بمحيط مستشفى الشفاء في مدينة غزة بشكل ممنهج ومخطط له جيداً ، مما أدى إلى استشهاد عدد من الصحفيين بينهم مراسلون ومصورون من قناة الجزيرة.

3-منع دخول الصحفيين الأجانب. سعت دولة الاحتلال الاسرائيلي طوال حرب الإبادة في غزة من اكتوبر 2023 إلى اكتوبر2025, إلى السيطرة على الرواية المتعلقة بغزة عبر مجموعة من الإجراءات غير المسبوقة، مثل اغتيالات الصحفيين الفلسطينيين؛ والهجمات على مرافق وسائل الإعلام في غزة، وحظرها في غزة والضفة والقدس وإغلاق مكاتبها، بالإضافة إلى منع دخول الصحفيين الأجانب للقطاع. وهكذا تكتمل حلقة الجريمة؛ يُقتل شهود الحقيقة من الصحفيين بشكل ممنهج من جيش الاحتلال الاسرائيلي، ثم يُمنع شهود جدد من الدخول لغزة، ثم يُصمت العالم على جرائم قتل الصحفيين في غزة.

رابعاً: إفلات إسرائيل من العقاب – كيف يتحول القانون إلى مجرد نصوص.

السؤال الأكثر إيلاماً الذي يطرحه هذا المشهد المأساوي بعد قتل الصحفيين في غزة هو، لماذا تفلت إسرائيل من العقاب رغم وضوح الجرائم وتواترها؛ لقد أكدت الرئيسة التنفيذية للجنة حماية الصحفيين، جودي جينسبيرغ، أن الاعتداءات على الصحافة هي "مؤشر رئيسي على اعتداءات أوسع على الحريات"، وأن غياب المحاسبة "يعرّض الجميع للخطر".

يمكن رصد أسباب هذا الإفلات من العقاب في عدة عوامل مترابطة منها:

1- الإفلات الممنهج تاريخياً. فمنذ اغتيال الصحفية الفلسطينية/شيرين أبو عاقلة ،في مايو 2022، لم تُقدَم أي جهة إسرائيلية للمساءلة. وهذا الإفلات من العقاب، كما تؤكد لجنة حماية الصحفيين، "يمهّد الطريق لمزيد من عمليات القتل". وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن 9 من كل 10 جرائم قتل صحفيين في العالم لا تزال دون حل، مما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.

2-الغطاء السياسي والدعم العسكري. تواصل الدول الغربية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، تقديم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، مما يُفقد أي إدانة دولية فعاليتها ويُضعف قدرة المحاكم الدولية على التحرك. وقد اتهمت خديجة باتيل، مستشارة مجلس إدارة المعهد الدولي للصحافة، المجتمع الدولي بالمشاركة في قتل الصحفيين الفلسطينيين بقطاع غزة، وذلك بفعل (صمت الدول) على الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الاسرائيلي في غزة.

3- بطء مساطر المحاكم الدولية. ورغم رفع خمس شكاوى متتالية من قبل منظمة "مراسلون بلا حدود" أمام المحكمة الجنائية الدولية، فإن بطء الإجراءات القضائية الدولية وغياب آليات التنفيذ يجعلان من العدالة الدولية مجرد أمل بعيد المنال. ويتساءل الباحثون؛ هل السبب بطء مساطر وإجراءات المحاكم الدولية؛ أم بسبب فشل العدالة في محاسبة الجناة.

4-تجاهل إعلامي وتبرير دبلوماسي. هذا الصمت له أشكال متعددة، (تجاهل إعلامي، وتبرير دبلوماسي، وعدم تفعيل للمحاسبة الدولية، واستمرار أروبي غربي في الدعم العسكري واللوجيستي لقوات جيش الاحتلال الاسرائيلي التي تقتل الصحفيين الفلسطينيين في غزة).

خامساً: لماذا لا يهتم العالم بهذه الجريمة النكراء وقتل للصحفيين بدم بارد.

في قلب هذه المأساة يقف سؤال وجودي؛ لماذا يصمت العالم على جريمة هي، في جوهرها، جريمة ضد الحقيقة نفسها.

لقد تحولت قضية الصحفيين في غزة إلى جزء من صراع سياسي أوسع، مما جعل العديد من الحكومات تتجنب إدانة واضحة خوفاً من تبعيات سياسية تغضب دولة الاحتلال الاسرائيلي، أو احيانا تكتفي هذه الدول بإدانات شكلية دون متابعة عملية او فرض عقوبات اقتصادية او ضغوط دبلوماسية. وهذا الصمت، كما وصفه محللون، "له أشكال متعددة،(تجاهل إعلامي، وتبرير دبلوماسي، وعدم تفعيل للمحاسبة الدولية لاسرائيل)، واستمرار في الدعم العسكري واللوجيستي للقوات التي تقتل الفلسطينيون في غزة ".

كما أن التغطية الإعلامية الغربية (لبعض الحكومات) الحليفة والشريكة والمتعاونة مع اسرائيل والداعمة لها، تعتمد بشكل كبير على نشر الرواية الإسرائيلية وتجاهل الرواية والسردية الفلسطينية، وتساهم "حكومات هذه الدول" عمدا، في تغييب المعاناة الفلسطينية وتبرير الجرائم الإسرائيلية. ورغم التنديد العالمي بالقتل الممنهج للصحفيين في غزة، لم تُتخذ (هذه الحكومات) أي إجراءات عملية عقابية ضد إسرائيل.

وهنا يكمن التناقض الأخلاقي الأعمق، فبينما تحتفي المجتمعات الغربية بحرية الصحافة كقيمة مقدسة وفرض عقوبات متعددة على روسيا بسبب حربها مع أوكرانيا، يظل صمت هذه (الحكومات) مطبقاً تجاه مذبحة الصحفيين الفلسطينيين في غزة. وكما عبرت خديجة باتيل، فإن "الصحفيين في غزة يدفعون الثمن الأغلى لكشف الحقيقة، بينما يتفرج العالم على قتلهم بدم بارد".

سادساً: الصحافة بين المهنية والأخلاقيات – مهنة تحت النار.

في خضم هذه الإبادة المنهجية للصحفيين في غزة، تواجه الصحافة اليوم تحدياً وجودياً يتجاوز حدود المهنة إلى جوهر رسالتها الإنسانية. فالصحفي، في جوهر مهمته، "ليس مجرد ناقل خبر، بل هو شاهد على الجريمة، وحارس لذاكرة الشعوب، وحامل لواء الحقيقة في وجه آلة الدعاية الحربية الاسرائيلية التي نفذت أبشع الجرائم ضد الأنسانية وجرائم الحرب والابادة في غزة".

إن استهداف الصحفيين في غزة ليس مجرد جرائم حرب، بل هو جريمة ضد الحقيقة نفسها، ومحاولة لطمس الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني؛ وهذا الاستهداف، كما يصفه عالم السلام النرويجي (يوهان غالتونغ)، يدخل في إطار "العنف البنيوي"؛ أي استخدام القوة المنهجية لتدمير الهياكل التي تحمي الحقوق الأساسية. هذا العنف لا يستهدف الأفراد فحسب، بل يسعى لتفكيك البنية المعرفية التي تجعل من الصحافة مهنة، ومن الحقيقة قيمة، ومن الشاهد ضميراً حياً.

ورغم كل هذه الجرائم الاسرائيلية بقتل الأبرياء المدنيين من الأطفال والنساء في غزة، تبقى الحقيقة عصية على الموت. فكما يقول الكاتب النرويجي يوهان؛ "الحقيقة، حين تتجذر في الوعي الجمعي، تتجاوز الأجساد الفانية لتصير فكرة عابرة للحدود وعصية على الفناء. تتجلى هذه الحقيقة الخالدة في كل صورة تُهرَّب من غزة المحاصرة، وكل شهادة تُنقل عبر الأثير رغم القصف الاسرائيلي، وكل تقرير يصل إلى العالم رغم استهداف كاتبه".

-اقتراحات:

1. تفعيل آليات المحاسبة الدولية.

يجب على المجتمع الدولي تجاوز مرحلة الإدانة الشكلية والبيانات الفارغة، والانتقال إلى تفعيل آليات المحاسبة الفعلية، من خلال الضغط على المحكمة الجنائية الدولية للإسراع في النظر في الشكاوى المرفوعة ضد إسرائيل، وفرض عقوبات دولية رادعة على الدول التي توفر الغطاء السياسي والعسكري لمرتكبي هذه الجرائم. كما ينبغي إنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في جرائم قتل الصحفيين في غزة، على غرار الآليات التي أنشئت للتحقيق في جرائم الحرب في مناطق النزاع الأخرى.

2. كسر الحصار الإعلامي على غزة.

يجب على المنظمات الصحفية الدولية والاتحادات المهنية العمل على كسر الحصار الإعلامي الذي تفرضه دولة الاحتلال الإسرائيلي على غزة، من خلال التنسيق لإدخال صحفيين دوليين إلى قطاع غزة، وتوفير الحماية اللازمة لهم، وتوثيق الجرائم بشكل مستقل. كما ينبغي إنشاء شبكات تواصل بديلة تنقل الرواية من الميدان مباشرة إلى العالم، متجاوزة آليات التعتيم الإسرائيلية وحلفاؤها من المتواطئين.

3. تعزيز الحماية القانونية للصحفيين الفلسطينيين.
يجب العمل على إدراج حماية الصحفيين كأولوية في جميع المحافل الدولية، وتطوير آليات حماية ميدانية فعالة، بما في ذلك توفير معدات الحماية الشخصية، وتدريب الصحفيين على مهارات السلامة في مناطق النزاع، وإنشاء صندوق دولي لدعم أسر الصحفيين الذي تم قتلهم بشكل ممنهج من اسرائيل، وكذلك دعم الجرحى منهم.

4. مقاطعة المؤسسات الإعلامية المتواطئة.

ينبغي على النقابات والاتحادات الصحفية العربية والدولية وضع آليات لمقاطعة المؤسسات الإعلامية التي تشارك في التغطية المنحازة أو التي تتواطأ مع رواية الاحتلال الاسرائيلي، والعمل على كشف التضليل الإعلامي مرفوع الاحر بملايين الدولارات الذي يمارسه الاحتلال الاسرائيلي لتبرير جرائمه في فلسطين.

5. توثيق الجرائم رقمياً وقانونياً.

يجب على المنظمات الحقوقية والصحفية تكثيف جهود التوثيق الرقمي للجرائم المرتكبة ضد الصحفيين الفلسطينيين، باستخدام تقنيات التحقق والذكاء الاصطناعي، وإعداد ملفات قانونية متكاملة يمكن استخدامها في المحاكم الدولية ضد اسرائيل، مع الاستفادة من شهادات الناجين والصور والفيديوهات الموثقة لتلك الجرائم الخطيرة.

6. إحياء الضمير المهني العالمي.

نناشد المؤسسات الصحفية الدولية والنقابات المهنية إطلاق حملات تضامن عالمية مع الصحفيين الفلسطينيين في كل فلسطين، وتنظيم وقفات احتجاجية في عواصم العالم، وإنتاج محتوى إعلامي يفضح جرائم الاحتلال الاسرائيلي بحق الصحفيين الفلسطينيين ، والعمل على إدراج قضية الصحفيين في غزة ضمن أولويات الأجندة الإعلامية الدولية.

ختاما،في خضم هذه المأساة الإنسانية غير المسبوقة، تبقى الصحافة في غزة شاهداً على الجريمة وصوتاً للحقيقة رغم كل محاولات الإسكات. إن استهداف الصحفيين الفلسطينيين ليس مجرد اعتداء على أفراد، بل هو اعتداء على الحق الإنساني الأسمى في المعرفة والحقيقة؛ والدفاع عن الصحفيين اليوم هو دفاع عن مستقبل الإنسانية جمعاء، لأن الصحافة، في جوهرها، ليست مجرد مهنة، بل هي الضمانة الأخيرة لحق الإنسان في معرفة الحقيقة. وإن غياب محاسبة دولة الاحتلال الاسرائيلي على هذه الجرائم البشعة الخطيرة، كما قالت جودي جينسبيرغ، "يعرّض الجميع للخطر"، لأن الاعتداءات على الصحافة هي "مؤشر رئيسي على اعتداءات أوسع على الحريات".

اخيراً،يبقى السؤال المفتوح على جرح غزة النازف هو، (متى يتحرك ضمير العالم)؛ ومتى تنتقل كلمات الإدانة إلى أفعال تحمي شهود الحقيقة وتُحاسب قتلتهم؛ فالصحافة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تواجه سؤال المهنية وتحدي الأخلاقيات في آن واحد، في معركة وجودية لا تدافع فيها عن نفسها فقط، بل عن الحق الإنساني الأسمى في المعرفة والحقيقة. وكما يقول المثل، "الحقيقة قد تُقتل، لكنها لا تموت أبداً". وفي غزة، يكتب الصحفيون بأرواحهم فصولاً من تاريخ لن يمحيه النسيان، شهادةً على أن الكلمة، مهما قُتل حاملوها، تبقى عصية على الموت؛ الصحفي الفلسطيني يصور شهيد.
ثم يصبح الصحفي ناقل الخبر شهيد؛ تجسد هذه المقولة الواقع المأساوي للصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وتقتبس من رائعة الشاعر الفلسطيني/محمود درويش يقول فيها: "بها شهيد، يسعفه شهيد، ويصوره شهيد، ويودعه شهيد، ويصلي عليه شهيد".
‎تلخص هذه الكلمات رحلة نقل الحقيقة الت تحولت فيها عدسات الصحفيين من مجرد ناقلٍ للحدث إلى جزءٍ منه، حيث وثق الصحفيون في غزة الإبادة الجماعية خلال عامين من اكتوبر3023 إلى أكتوبر 2025، ليلتحقوا بدورهم بقوافل الشهداء الفلسطينيين ، في دائرة مستمرة من التضحية ونقل الشهاد


-المراجع:

1. لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، "رقم قياسي لعدد الصحفيين الذين قُتلوا في عام 2025، إسرائيل مسؤولة عن ثلثي الوفيات"، 25 فبراير 2026.
2. الجزيرة نت، "إسرائيل قتلت 60 صحفياً في غزة خلال 2025"، 17 ديسمبر 2025.
3. الجزيرة نت، "إسرائيل مسؤولة عن قتل ثلثيهم.. تقرير يوثق أكثر الأعوام دموية باستهداف الصحفيين"، 25 فبراير 2026.
4. الجزيرة نت، "ارتفاع عدد الشهداء الصحفيين في غزة إلى 238"، 11 أغسطس 2025.
5. مراسلون بلا حدود، "غزة: مراسلون بلا حدود ترفع شكوى خامسة أمام المحكمة الجنائية الدولية"، 30 سبتمبر 2025.
6. الجزيرة نت، "مسؤولة بالمعهد الدولي للصحافة: المجتمع الدولي شريك في قتل الصحفيين بغزة"، 25 أغسطس 2025.
7. الجزيرة نت، "غوتيريش: 90% من جرائم قتل الصحفيين لم تُحل وغزة المكان الأكثر دموية"، 25 أكتوبر 2025.
8. الجزيرة نت، "قتل الصحفيين في غزة جريمة ضد الحقيقة!"، 2 سبتمبر 2025.
9. معهد الجزيرة للإعلام، "قتل واستهداف الصحفيين.. لماذا تفلت إسرائيل من العقاب؟"، 16 فبراير 2025.
10. الجزيرة نت، "قتل الصحفيين في غزة جريمة ضد الحقيقة!" (تحليل الصمت الدولي)، 2 سبتمبر 2025.
11. مركز حقوق الإنسان في غزة (PCHR)، "استهداف الصحفيين جزء لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية"، 16 ديسمبر 2024.
12. وكالة الأناضول، "الأمم المتحدة: قتل الصحفيين بغزة يجب أن يقود إلى المساءلة"، 25 أغسطس 2025.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد ...
- ما بعد نتنياهو-هل تختار إسرائيل الدولة الواحدة أم حل الدولتي ...
- -هولوكوست غزة- التي هزت تل أبيب- أزمة لوكاشينكو الدبلوماسية ...
- من كازينوهات القمار إلى شراء السياسة الأمريكية لدعم الإبادة ...
- التكيف مع التغيرات المناخية كخيار وجودي لحوكمة المياه
- تقنيات البلوك تشين لتوثيق الإبادة في غزة
- خزعبلات إيلون ماسك وزراعة شرائح في أدمغة البشر وتناقضات الضم ...
- استراتيجية العدالة التصالحية- عندما يتحول الخزي الاجتماعي إل ...
- آليات الحكامة المؤسسية وحماية الحقوق في فلسطين في ظل الاحتلا ...
- رسالة إلى حماس-إجماع منظمات حقوق الإنسان على إدانة الإعدامات ...
- الذكاء الاصطناعي -الببغائي- يموت.. والذكاء -التوليفي- يولد م ...
- التضليل الإعلامي والإحباط الأخلاقي – غزة بين الأكاذيب وإعادة ...
- مواجهة عصر -القتل الخوارزمي- وتجارة الموت الرقمية وتورط الشر ...
- كتاب المافيا اليهودية في الأرجنتين-مؤلفه اليهودي فابيان سبول ...
- غزة بعد الإبادة- آليات تعويض غير تقليدية- وحجز أموال الشركات ...
- مقارنة بين -الشرعية الغربية- و-الشرعية العالمية--معنى العدال ...
- جزيرة سازان هي عنق الزجاجة الأوروبي للسيطرة على مضيق أوترانت ...
- ألمانيا تفشل دبلوماسيا وتخسر مقعدها في مجلس الأمن بسبب سوء ت ...
- التجسس الإسرائيلي على البنتاغون تسبب بإعلان المستوى الحرج بي ...
- غزة تهزم ألمانيا دبلوماسيا وتحرمها عضوية مجلس الأمن في الأمم ...


المزيد.....




- فرنسا تقيّد شرب الكحول في الأماكن العامة بظل معاناة أوروبا م ...
- تركي آل الشيخ يشكر وزير الداخلية المصري على دعم مسلسل -الأمي ...
- لغز -قنديل البحر- في سماء إيران.. طيار أمريكي يروي ما رآه قب ...
- كيف تمكّنت إيران من الصمود في وجه الولايات المتحدة؟
- لماذا تعجز الولايات المتحدة وإيران عن إرساء سلام دائم؟
- أوروبا تستعد لحرب جديدة مع روسيا
- لماذا يحتاج زيلينسكي إلى مهاجمة بيلاروس؟
- وزير الخارجية اللبناني: نطالب بدعم عربي لاستقلالية مسارنا ال ...
- المينا الهندي: الطائر -الرومانسي الشرير- الذي يهدّد البيئة و ...
- -10 سنوات على بريكست، والوعود لم تتحقق- – ديلي إكسبريس


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضمير العالم الغائب