عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 13:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
مقدمة
في خضم التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الشرق الأوسط، حيث تتسع رقعة الصراع لتطال إيران ولبنان وغزة واحتلال أراضي جديدة في سوريا اضافة للجولان السوري المحتل منذ زمن، يبرز سؤال مصيري حول مستقبل الدور المصري في المعادلة الإقليمية، فمصر التي كانت دائماً حجر الزاوية في أي ترتيب أمني إقليمي، تجد نفسها اليوم في قلب عاصفة من التوترات مع إسرائيل، غير المسبوقة منذ توقيع معاهدة السلام قبل أكثر من أربعة عقود(اتفاقية كامب ديفيد عام-1979 )، فالتعزيزات العسكرية المصرية الضخمة في سيناء، وتطوير القدرات القتالية للجيش المصري بتقنيات متطورة، والتحول في الخطاب السياسي المصري الذي وصف إسرائيل بـ"العدو" لأول مرة منذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي، السلطة, كلها مؤشرات ترسم ملامح مرحلة جديدة من المواجهة الصامتة، تطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت مصر قد أصبحت في مرمى الاستراتيجية الإسرائيلية التوسعية لدولة الاحتلال الاسرائيلي وحلم اسرائيل الكبرى، وكيف يمكن للقاهرة أن توازن بين الحفاظ على اتفاقية السلام وردع الطموحات الإسرائيلية التي تتجاوز حدود فلسطين ولبنان وسوريا لتطال عروبة مصر وأمنها القومي.
سؤال إشكالي
هل تمثل التعزيزات العسكرية المصرية في صحراء سيناء؛ وتطوير ترسانتها القتالية مجرد حق سيادي في مواجهة التهديدات الإرهابية؛ أم أنها تعكس استعداداً لمواجهة مفتوحة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين؛ في ظل تصاعد المخاوف من مخططات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء والتوسع الإسرائيلي نحو "إسرائيل الكبرى" ؛وإلى أي مدى يمكن أن تتحمل معاهدة السلام هذا المستوى من التوتر في ظل الضغوط الإسرائيلية-الأمريكية على القاهرة لتقليص وجودها العسكري في سيناء؛ وهل ستنجح مصر في بناء تحالف عربي-إسلامي قادر على ردع الأطماع الإسرائيلية قبل فوات الأوان.
أولاً: سيناء بؤرة التوتر الجديدة بين مصر ودولة الاحتلال الاسرائيلي.
تتحول شبه جزيرة سيناء في المدة الأخيرة إلى نقطة التقاء بين نارين، (نقطة اشتعال مزدوجة)؛ متطلبات الأمن الحدودي المصري بعد حرب الابادة في غزة؛نفذتها اسرائيل على مدار عامين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر2025، وقلق إسرائيلي متنامٍ من تغير معادلات القوة في منطقة الشرق الأوسط؛ والانتشار العسكري المصري في شبه الجزيرة. فمنذ اندلاع حرب الابادة الاسرائيلية على غزة، عززت مصر وجودها العسكري في سيناء بشكل لافت، حيث يشمل الانتشار المصري اليوم أكثر من 88 كتيبة عسكرية مصرية؛ تتضمن 42 ألف جندي، و3 فرق عسكرية كاملة، و1500 دبابة ومدرعة، بالإضافة إلى مشاريع تطوير وتوسيع مدارج المطارات العسكرية، وتعزيز شبكات الدفاع الجوي والأرصفة البحرية.
في المقابل، تسمح اتفاقية السلام بين الجانبين، الموقعة عام 1978 والتي دخلت حيد التنفيذ عام 1979، بوجود 50 كتيبة مصرية فقط، بما يتضمن 22 ألف جندي مصري فقط؛هذا الفارق الكبير في حجم الانتشار دفع إسرائيل إلى التحرك دبلوماسياً وكذلك محاولة شيطنة مصر من حلفاء اسرائيل في الكونغرس الأمريكي وبضغط ودعم من منظمة ايباك ورجال الأعمال اليهود الصهاينة مثل المليارديره/مريم ايدلسون، حيث كشف موقع أكسيوس الأمريكي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من إدارة الرئيس ترامب ممارسة الضغط على القاهرة لتقليص وجودها العسكري في سيناء.
كما تزعم دولة الاحتلال الإسرائيلي، وفقاً للمصادر نفسها، أن القاهرة قامت بتوسيع مدارج بعض القواعد الجوية في سيناء بما يسمح باستخدامها من قبل الطائرات المقاتلة، كما أنشأت منشآت تحت الأرض تعتقد الاستخبارات الإسرائيلية أنها قد تُستخدم لتخزين الصواريخ؛ لكن اللافت أن المصادر الإسرائيلية أقرت بأنه "لا يوجد دليل على أن المصريين يخزنون فعلياً صواريخ في تلك المنشآت"، مما يشير إلى أن القلق الإسرائيلي يتجاوز الوقائع الملموسة ليطال النوايا والقدرات المستقبلية، وهو ما يتسق مع المنظور الواقعي البنيوي في العلاقات الدولية الذي يرى أن الدول تميل إلى التركيز على القدرات العسكرية الملموسة، وليس على التصريحات أو النوايا المعلنة.
ثانياً: القلق الإسرائيلي من التطور العسكري المصري-الأسباب الحقيقية.
لا يقتصر القلق الإسرائيلي على حجم الانتشار المصري في سيناء فقط، بل يمتد ليشمل التطور النوعي للقدرات العسكرية المصرية على جميع الأصعدة. فمصر تمتلك اليوم 12 فرقة نظامية، معظمها مدرعة مبنية على دبابات "أبرامز" الأمريكية، وقوة جوية كبيرة تضم مروحيات هجومية متطورة، وقوة بحرية كبيرة. والأكثر إثارة للقلق في تل أبيب هو برنامج تطوير دبابات "أبرامز" المصرية، حيث تعمل مصر مع الولايات المتحدة على تعزيز قواتها المدرعة من خلال إدخال ترقيات تكنولوجية ومواصفات قتالية حديثة لعدد كبير من دبابات M1A1 Abrams، في مشروع تبلغ كلفته حوالي 4.69 مليار دولار.
وتشمل الترقيات تركيب مدفع عيار أعلى لزيادة مدى الإطلاق إلى 105 ملم، وترقية أنظمة التصويب والتوجيه باستخدام الليزر، وتعزيز الدروع ضد القتال المتلاحق والأسلحة المضادة للدبابات، وتركيب محرك عالي القوة لتعزيز السرعة والقدرة على المناورة. وهذه القدرات تجعل سلاح المدرعات المصري واحداً من أكثر الجيوش تقدماً وقدرة قتالية في المنطقة، وهو ما يشكل سبباً مباشراً للقلق في تل أبيب.
كما أن تنويع مصر لمصادر تسليحها بعيداً عن الاعتماد الحصري على السلاح الأميركي، من خلال صفقات مع روسيا وفرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية، يثير تساؤلات داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل حول التوازن العسكري الإقليمي. ففي يوليو 2025، وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة سلاح ضخمة للقاهرة بقيمة 4.67 مليار دولار، تشمل منظومة صواريخ أرض-جو متطورة، وهي خطوة تعكس استمرار متانة العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن والقاهرة رغم المخاوف الإسرائيلية. ويخلص تقرير لمركز الدراسات الإسرائيلي JISS إلى أن "قدرات الجيش الإسرائيلي يجب أن تأخذ في الحسبان، على المدى الطويل، القوة المصرية براً وبحراً وجواً كعامل خطر، وإن لم تكن تهديداً بعد، حتى في غياب نية عدوانية حالية"، مما يعكس (نظرة استراتيجية إسرائيلية)، ترى في مصر تهديداً محتملاً يجب الاستعداد له.
ثالثاً: مناورة "بدر 2026" رسالة ردع أم استفزاز.
في التاسع والعشرين من أبريل 2026، اختتم الجيش المصري المرحلة الرئيسية من "مناورة بدر 2026" بالذخيرة الحية، بمشاركة وحدات من الجيش الثالث الميداني، متضمنة دبابات وطائرات ومروحيات هجومية. وقد أثارت هذه المناورة جدلاً واسعاً داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث حذّرت رسائل وجهها جيش الدفاع الإسرائيلي للمجتمعات القريبة من الحدود المصرية من أن إطلاق النار الحي قد يقترب حتى مسافة 100 متر من سياج الحدود. واعتبر عضو الكنيست الإسرائيلي المتطرف/ عميت هاليفي ،من حزب "الليكود" أن هذه التدريبات "ليست إلا عرضاً لصورة أوسع وأكثر إثارة للقلق"، وزعم أن مصر تنتهك اتفاقية السلام بشكل "ممنهج" عبر إنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء وتشييد جيش ضخم وحديث.
غير أن المناورة حملت دلالات أعمق مما قد يوحي به الظاهر، فاسم "بدر" هو نفسه اسم الهجوم العسكري المصري لعبور قناة السويس في حرب 1973 مع إسرائيل، وهو ما يمنح المناورة رمزية تاريخية لا يمكن تجاهلها. وقد فسر مراقبون المناورة على أنها عرض قوة ورسالة ردع موجهة لإسرائيل، حيث قال مسؤولون عسكريون مصريون إن التدريبات تهدف إلى إيصال رسالة ردع لأي شخص يفكر في إلحاق الضرر بمصر، وأن القوات المصرية مستعدة لمواجهة أي تهديد في ظل التحديات الإقليمية. كما أشاد الصحفيون المصريون بقوة الجيش المصري، مؤكدين أنها تؤسس لمعادلة جديدة للقوة والردع. هذا التصعيد الرمزي يأتي في وقت تتصاعد فيه المخاوف المصرية من مخططات إسرائيلية لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وهو ما اعتبرته القاهرة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه أو السماح به.
رابعاً: التحول في الخطاب السياسي المصري من "السلام" إلى وصف "اسرائيل بالعدو".
ربما يكون التحول الأكثر دراماتيكية في العلاقات المصرية-الإسرائيلية هو ما شهده الخطاب السياسي المصري، حيث وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي إسرائيل بأنها "العدو" لأول مرة منذ توليه السلطة في 2014. جاء ذلك خلال القمة الطارئة للدول العربية والإسلامية في الدوحة في 15 سبتمبر 2025، التي عُقدت رداً على الهجوم الإسرائيلي على قادة حماس في قطر. وحذّر السيسي الناخبين الإسرائيليين من أن سياسات حكومتهم "تتآكل فرص أي اتفاقيات سلام جديدة بل وتلغي اتفاقيات السلام القائمة". كما أعرب عن قلقه من التهجير القسري للفلسطينيين، متحدثاً ضد "اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم".
هذا التحول في الخطاب يعكس شعوراً مصرياً عميقاً بالتهديد، والذي أعاد تشكيله بالكامل الهجوم الإسرائيلي على الدوحة ومحاولة اغتيال قادة حماس هناك بتاريخ 9-11-2025؛ والتحذيرات الإسرائيلية اللاحقة بضرب حماس في أي مكان، بما في ذلك مصر؛ ورغم معاهدة السلام بين البلدين، فإن مصر تأخذ على محمل الجد احتمال استهداف إسرائيل لقادة حماس في القاهرة. كما أن مصر قلقة، في ضوء الهجوم العسكري الموسع على قطاع غزة، من أن إسرائيل تخطط للتهجير القسري للسكان عبر دفع الفلسطينيين للخروج من غزة قسراً بسبب القتل والقصف والابادة وهندسة التجويع هناك نحو منطقة سيناء المجاورة لغزة باعتبارها مكان أمن. ولكن سرعان ما حذرت مصر، عبر الولايات المتحدة، إسرائيل من أن استهداف قادة حماس على الأراضي المصرية سيكون له "عواقب وخيمة"، مما يشير إلى أن القاهرة لم تعد مستعدة للتغاضي عن التجاوزات الإسرائيلية، وأن صبرها قد نفد بعد سنوات من الانتهاكات المتكررة لاتفاقية السلام بين الطرفين.
خامساً: التداعيات الإقليمية-هل تتجه المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
إن تصاعد التوتر بين مصر وإسرائيل لا يقتصر على البلدين فقط، بل يحمل تداعيات إقليمية واسعة قد تعيد تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. فمصر، التي كانت دائماً صوت الاعتدال والوساطة، بدأت ترسل رسائل بأنها تسعى إلى إيجاد حلفاء وبناء تحالفات جديدة، حيث كثفت اتصالاتها الدبلوماسية مع إيران والسعودية وقطر للتصدي للعدوان الإسرائيلي. كما قد تسعى مصر إلى إحياء رؤيتها لتحالف عربي شبيه بحلف الناتو تحت قيادتها، مستفيدة من تحولات perceptions دول الخليج تجاه إسرائيل؛ غير أن أي جهد من هذا القبيل سيواجه تحديات كبيرة، منها اختلاف أولويات الأمن لدى بعض الجيران العرب مثل الإمارات والبحرين والأردن وغيرهما، وتدخل المصالح الأميركية في المنطقة.
وتشير تقديرات مراكز الأبحاث إلى أن استمرار هذا التصعيد قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية محتملة رغم وجود معاهدة سلام بين الطرفين، خاصة في ظل إعلان إسرائيل مناطق حدودية مع مصر مناطق عسكرية مغلقة، واتهامها لمصر بأنها تشكل "تهديداً إرهابياً". وفي المقابل، تصر القاهرة على أن وجودها العسكري في سيناء يهدف إلى "تأمين الحدود ضد جميع المخاطر"، وأنها لم تخرق معاهدة أو اتفاقاً طوال تاريخها. لكن المحللين يرون أن مصر، في حال تعرضت لأي هجوم إسرائيلي، ستكون مضطرة للدفاع عن نفسها، مما قد يجر المنطقة إلى حرب واسعة النطاق لن تقتصر على جبهة واحدة، بل ستمتد لتشمل جبهات متعددة، خاصة إذا ما استغلت الفصائل الفلسطينية والمقاومة في لبنان هذه الفرصة لفتح جبهات جديدة ضد إسرائيل.
سادساً: المعادلة الأمريكية بين دعم إسرائيل وتحالفها مع مصر
تقف الولايات المتحدة في قلب هذه الأزمة، في موقف بالغ الحساسية، فمن جهة، تعتبر إسرائيل حليفها الأوثق في المنطقة، ومن جهة أخرى، تُعد مصر حليفاً رئيسياً من خارج حلف الناتو، ولها أهمية جيوسياسية كبرى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهذا ما يفسر التناقض الظاهر في السياسة الأميركية، فالولايات المتحدة توافق على صفقات سلاح ضخمة لمصر، بينما تنظر إدارة ترامب في طلب نتنياهو للضغط على القاهرة لتقليص وجودها العسكري في سيناء. ويبدو أن واشنطن تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الحليفين، لكن هذا التوازن يصبح أكثر صعوبة مع كل خطوة تصعيدية من أي من الطرفين.
ويشير تقرير لمعهد Chatham House إلى أن الضربة الإسرائيلية على قطر؛(تقود الدول العربية)، إلى استنتاج أن دولة الاحتلال الإسرائيلي هي التهديد الرئيسي والأساسي لهم في المنطقة وأنها دولة مارقة لا عهد لها، وهو ما قد يدفع مصر إلى إعادة تقييم علاقاتها مع واشنطن والبحث عن بدائل استراتيجية. وفي هذا السياق، يبدو أن الإدارة الأميركية تواجه اختباراً حقيقياً لقدرتها على كبح جماح حليفتها إسرائيل ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة، خاصة في ظل النفوذ الطاغي إلى اللوبي الصهيوني-الإسرائيلي في واشنطن، والذي يحد من قدرة أي إدارة أميركية على اتخاذ مواقف مستقلة تجاه إسرائيل. ومصر، التي تدرك هذه المعادلة جيداً، تحاول تعزيز قدراتها الذاتية وتنويع شراكاتها الدولية لتقليل اعتمادها على واشنطن، وهو ما تجلى في صفقاتها العسكرية مع روسيا والصين وفرنسا, وفي سعيها لتعزيز التصنيع العسكري المحلي، حيث أصبحت تصنع 90% من مكونات دبابات "أبرامز" محلياً.
-اقتراحات:
1. على مصر أن تستمر في تعزيز قدراتها العسكرية وتحديث ترسانتها، ليس بهدف العدوان، بل لردع أي طموحات إسرائيلية للتوسع على حساب الأمن القومي المصري، مع الإبقاء على قنوات الاتصال الدبلوماسية والعسكرية مع إسرائيل مفتوحة لتجنب سوء التقدير والانزلاق نحو مواجهة غير محسوبة، والاستمرار في التأكيد على أن الوجود العسكري المصري في سيناء هو حق سيادي يهدف إلى مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وليس خرقاً لاتفاقية السلام كما تزعم إسرائيل.
2. على جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي أن تتحركا بشكل عاجل لدعم مصر في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، وإصدار بيانات رسمية تندد بالمزاعم الإسرائيلية حول "التهديد المصري"، وتؤكد حق مصر في تعزيز أمنها القومي، والعمل على تشكيل تحالف عربي-إسلامي للردع الجماعي، خاصة في ظل تصاعد الحديث الإسرائيلي عن "إسرائيل الكبرى" الممتدة من النيل إلى الفرات، وهو ما يمس بشكل مباشر السيادة المصرية والعربية.
3. على المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، أن يتحمل مسؤولياته في الحفاظ على استقرار المنطقة، وذلك بالضغط على إسرائيل للكف عن سياساتها التوسعية والاستفزازية التي تهدد معاهدة السلام مع مصر، وعدم الانحياز بشكل أعمى للرواية الإسرائيلية حول "التهديد المصري"، بل إجراء تقييم موضوعي للوضع على الأرض، وإدراك أن استقرار مصر هو ركيزة أساسية لأمن المنطقة بأكملها، وأي زعزعة لهذا الاستقرار ستنعكس تداعياتها على المصالح الأميركية والأوروبية.
4. على الإعلام العربي والغربي أن يقوم بدور توازني في تغطية التوتر المصري-الإسرائيلي، بعيداً عن التهويل الإعلامي الإسرائيلي الذي يسعى لتقديم مصر كـ"تهديد وجودي" لإسرائيل، ونشر تقارير موضوعية تشرح الأبعاد الحقيقية للأزمة، وتكشف أن التعزيزات العسكرية المصرية جاءت رداً على تهديدات حقيقية تمثلها الحرب على غزة ومخططات التهجير، وليست عدواناً استباقياً من جانب القاهرة، مع إفساح المجال أمام الخبراء والمحللين المستقلين لتقديم قراءات متوازنة للأحداث.
5. على مصر أن تواصل تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع القوى الكبرى، خاصة روسيا والصين، كخيارات بديلة لتوازن العلاقة مع واشنطن، مع الاستمرار في تنويع مصادر السلاح وتوطين الصناعات العسكرية، بما يضمن تحقيق أقصى درجات الاكتفاء الذاتي ويقلل من تأثير الضغوط الأميركية والإسرائيلية على القرار المصري، كما ينبغي للقاهرة أن تستثمر في الدبلوماسية الشعبية لنشر روايتها في الغرب، عبر منصات الإعلام الجديد والمؤسسات الفكرية، لكشف زيف الحملات الإسرائيلية التي تسعى لـ"شيطنة" مصر وتقديمها كدولة معتدية.
ختاماً، يبدو أن العلاقات المصرية-الإسرائيلية تمر بمرحلة هي الأكثر توتراً منذ توقيع معاهدة السلام(كامب ديفيد1978-ودخولها حيذ التنفيذ عام 1979 ) قبل أكثر من أربعة عقود، فالتعزيزات العسكرية المصرية في سيناء، وتطوير القدرات القتالية للجيش المصري، والتحول في الخطاب السياسي المصري الذي وصف إسرائيل بـ"العدو"، كلها مؤشرات على أن القاهرة لم تعد مستعدة للتغاضي عن التجاوزات الإسرائيلية الخطيرة في غزة وقطر وسوريا ولبنان والعراق واليمن الخ، وأنها تسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة.
غير أن هذا التوتر يحمل في طياته مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، خاصة إذا ما انزلقت الأطراف إلى مواجهة مفتوحة لا تحمد عقباها. ولذلك، تبقى الدبلوماسية الحكيمة والهدوء الاستراتيجي هما السبيل لتجاوز هذه الأزمات في المنطقة وتحتاج إلى ادارة تلك الأزمات بحكمة واقتدار، مع الحفاظ على الردع العسكري كضمانة أخيرة لحماية الأمن القومي المصري.
اخيراً يمكن القول، ان مصر التي كانت وما زالت ركيزة الأمن العربي، لن تقبل بأن تكون هدفاً لأي مشروع توسعي، كما لن تسمح لأحد بأن يمس سيادتها أو أمنها القومي، وهي تملك من القوة والإرادة ما يمكنها من حماية مصالحها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الحرب ليست الخيار الأفضل بل اسواء اختيار هو الذهاب للحرب، وأن السلام العادل والشامل هو الطريق الوحيد لاستقرار المنطقة، شرط أن يكون هذا السلام قائماً على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بعيداً عن منطق القوة والتوسع الذي تتبناه إسرائيل وفق مخططها الصهيوني؛ والله وحده يعلم ما تخبئه الأيام القادمة، لكن اليقين أن مصر التي صنعت الحضارة على ضفاف النيل، ستظل عصية على أي مشروع هيمنة اسرائيلي أو أمريكي أو غيرهما، وستبقى درعاً للعروبة وسيفاً لها في وجه كل طامع؛فاللهم احفظ مصر واهلها.
-مراجع:
· بيان الهيئة العامة للاستعلامات المصرية بشأن التواجد العسكري في سيناء، سبتمبر 2025.
· تقرير موقع "أكسيوس" الأمريكي حول طلب نتنياهو من إدارة ترامب الضغط على مصر، سبتمبر 2025.
· تقرير شبكة الجزيرة "سيناء والمواجهة الصامتة بين مصر وإسرائيل"، 24 سبتمبر 2025.
· تقرير شبكة الجزيرة "لهذه الأسباب تقلق إسرائيل من الوجود العسكري المصري في سيناء"، 2 أبريل 2025.
· تقرير شبكة الجزيرة "إسرائيل تتحدث عن تنسيق مع القاهرة بشأن القوات المصرية في سيناء"، 25 أغسطس 2025.
· دراسة مركز "المسار" للدراسات "التخوف الإسرائيلي من تطور القدرات العسكرية المصرية"، مايو 2025.
· تقرير وكالة الأناضول "بدر 2026.. مناورة مصرية بالذخيرة الحية وقلق إسرائيلي"، 29 أبريل 2026.
· تقرير موقع "ميدل إيست أونلاين" حول صفقة السلاح الأميركية لمصر، 25 يوليو 2025.
· تقرير موقع "بارس توداي" حول التصعيد المصري-الإسرائيلي، 3 أكتوبر 2025.
· تقرير معهد "تشاتام هاوس" "مصر ترى الآن في إسرائيل تهديداً وشيكاً"، 17 سبتمبر 2025.
· تقرير معهد "MEMRI" حول مناورة "بدر 2026"، 1 يونيو 2026.
· تقرير صحيفة "الشرق الأوسط" حول برنامج تطوير دبابات "أبرامز" المصرية، 17 يونيو 2026.
· تقرير مركز الدراسات الإسرائيلي JISS حول العلاقات المصرية-الإسرائيلية، 31 مايو 2026.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟