أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عبدالحكيم سليمان وادي - عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي















المزيد.....



عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 18:14
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقدمة

يمثل الاختصاص القضائي تجسيداً لسيادة الدولة، وهو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الجنائي في أي مجتمع منظم، ذلك أن ممارسة الدولة لاختصاصها القضائي على الجرائم التي تقع في إقليمها أو التي يرتكبها مواطنوها تعتبر من أبرز مظاهر السيادة الوطنية. غير أن الجرائم الدولية، بحكم طبيعتها العابرة للحدود وتعدد عناصرها الأجنبية، تثير إشكالات قانونية معقدة تتعلق بتحديد (السلطة القضائية المختصة)؛ بنظرها ومحاكمة مرتكبيها، إذ تعترف الجماعة الدولية بحق الدول في ممارسة اختصاصها القضائي الجنائي في متابعة ومعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية على أساس مبادئ تقليدية معروفة، مثل مبدأ إقليمية القوانين، ومبدأ الاختصاص الشخصي الإيجابي والسلبي، ومبدأ الاختصاص العيني، فضلاً عن مبدأ الاختصاص العالمي الذي برز كآلية فعالة لحماية المصلحة المشتركة للجماعة الدولية من خلال السماح لأي دولة بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة أينما وقعت وبغض النظر عن جنسية مرتكبها أو ضحيتها.

رغم هذه الآليات المتعددة، تظل هناك حالات لا تستطيع فيها أي دولة أو محكمة دولية ممارسة اختصاصها على جريمة دولية معينة، مما يخلق ما يعرف اصطلاحاً بـ "الاختصاص السلبي" أو "النزاع السلبي للاختصاص" (Negative Conflict of Jurisdiction)، وهو الفراغ القضائي الذي لا يعلن فيه أي اختصاص قضائي صلاحيته للنظر في جرائم تتصل عادة بعدة دول، تاركاً مرتكبي الجرائم في منأى عن الملاحقة والمساءلة ومحيلاً ضحايا هذه الجرائم إلى شعور مرير باليأس والإحباط إزاء قدرة المجتمع الدولي على تحقيق العدالة.

-سؤال إشكالي:

كيف يمكن للقانون الجنائي الدولي، في ظل تعدد أنظمته القضائية وتجزؤ آلياته، أن يواجه معضلة الاختصاص السلبي التي تخلق فراغات قضائية خطيرة تسمح بافلات مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة من العقاب؛ وما هي الأسباب العميقة الكامنة وراء نشوء هذه الحالات، من محدودية مبدأ الإقليمية، وضعف الإرادة السياسية للدول؛ إلى محدودية اختصاص المحكمة الجنائية الدولية القائم على المبدأ التكميلي ؛وعدم انضمام العديد من الدول الكبرى لنظام روما الأساسي؛ وكيف تجلت هذه الإشكالية المعقدة في أبرز القضايا الدولية المعاصرة، كقضية الرئيس التشادي السابق حسين حبري التي استغرقت أكثر من خمسة وعشرين عاماً قبل أن تتحقق فيها عدالة ناقصة، وقضية إقليم دارفور التي لا تزال مذكرات الاعتقال الصادرة بحق رئيسها السابق حبراً على ورق، وقضية سيف الإسلام القذافي التي أثارت إشكاليات عميقة حول المبدأ التكميلي؛ ومدى كفاية المحاكمات الوطنية غير العادلة؛ وقضية كينيا التي أبرزت صعوبات التنسيق بين الاختصاص الوطني والدولي، فضلاً عن التحديات غير المسبوقة التي تطرحها الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود على منظومة الاختصاص القضائي التقليدية؛ وهل ثمة آليات قانونية ومؤسسية كفيلة بسد هذه الثغرات وضمان عدم إفلات أي مرتكب لجريمة دولية خطيرة من العقاب، مهما كان موقعه أو مركزه أو جنسيته.

أولاً: تحديد مفهوم الاختصاص السلبي وتمييزه عن الاختصاص الإيجابي في القانون الجنائي الدولي.

إن الإشكالية الأساسية التي تواجه القانون الجنائي الدولي تتعلق بتحديد السلطة القضائية المختصة بنظر الجرائم الدولية الخطيرة التي تمس بحالة السلم والأمن الدوليين، فكل دولة تقرر من جانب واحد المعايير التي تحدد اختصاصها القضائي، وهذه المعايير ليست منسقة على الصعيد الدولي، بل تطبقها كل دولة بشكل مستقل وفقاً لمصالحها ودون وجود آليات دولية ملزمة لحل المشاكل الناشئة إما عن تداخل الاختصاصات أو عن تقاعسها عن العمل، وقد تبلورت هذه الإشكالية في نوعين أساسيين من تنازع الاختصاص، أولهما (التنازع الإيجابي)؛ الذي ينشأ عندما تدعي دولتان أو أكثر، وفقاً لقوانينها الوطنية، اختصاصها في نظر المحاكمة على وقائع الجريمة ذاتها، وقد يكون مصدر هذا النزاع هو توزع الجريمة على عدة أقاليم بحيث تعتبر كل دولة أن الجريمة قد ارتكبت في جزء من إقليمها، ومن أمثلة ذلك الجرائم التي ترتكب على متن سفينة تحمل علم دولة معينة في المياه الإقليمية لدولة أخرى، أو الجرائم الإلكترونية التي يكون مرتكبها في دولة والضحية في دولة أخرى والنتيجة الضارة في دولة ثالثة، غير أن خطورة التنازع الإيجابي وإن كانت واضحة في احتمال ازدواجية المحاكمة وتعارض الأحكام، فإنها تظل أقل ضرراً من التنازع السلبي للاختصاص الذي ينشأ عندما لا تعلن أي جهة قضائية اختصاصها بالنظر في جرائم تتصل عادة بعدة دول، وهذه الحالة أخطر بكثير لأنها تؤدي مباشرة إلى إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، وتخلق "فراغاً قضائياً"، لا تستطيع معه العدالة أن تتحقق، وقد يكون هذا الفراغ ناتجاً عن عدم رغبة الدول في ممارسة اختصاصها لأسباب سياسية أو دبلوماسية، أو عن عدم قدرتها القانونية أو المؤسسية على ذلك، أو عن غياب أي صلة قانونية بين الجريمة وأي دولة تمكنها من إقامة اختصاصها، وقد أشار الفقه إلى أن التنازع السلبي للاختصاص هو الوجه الآخر لعملة الإفلات من العقاب، لأنه يترك الجناة دون رادع قانوني ويحول دون تحقيق العدالة للضحايا، وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الظاهرة تنم عن عجز الهيكل التقليدي للقانون الجنائي الدولي القائم على السيادة الوطنية عن ملاحقة الجرائم التي تتجاوز الحدود الإقليمية أو التي ترتكب في دول تعاني من انهيار مؤسساتها القضائية، مما يستدعي فهماً عميقاً للأسباب الكامنة خلف هذا العجز قبل الشروع في اقتراح الحلول الممكنة.

ثانياً: الأسباب الجذرية لنشوء حالات الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي.

تتعدد الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى نشوء حالات الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي، وتتداخل فيما بينها تداخلاً معقداً يجعل من الصعب في كثير من الأحيان تحديد سبب بعينه كعامل حاسم في أي قضية معينة، ومن أبرز هذه الأسباب (محدودية مبدأ الإقليمية)، ذلك أن القانون الجنائي في معظم الدول يقوم على أساس إقليمية القوانين، أي أن اختصاص المحاكم يقتصر على الجرائم التي ترتكب داخل إقليم الدولة، غير أن الجرائم الدولية الخطيرة، كالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، غالباً ما تتجاوز الحدود الإقليمية وقد ترتكب في دولة لا تمتلك القدرة المؤسسية أو القضائية على محاكمة مرتكبيها؛ إما بسبب الحرب أو الاضطرابات الداخلية أو ضعف النظام القضائي، وفي هذه الحالة لا تستطيع دولة الجريمة ممارسة اختصاصها، ولا تستطيع الدول الأخرى ممارسة اختصاصها لانعدام الصلة الإقليمية، وإلى جانب ذلك يبرز غياب التجريم الداخلي للجرائم الدولية كسبب رئيسي آخر، إذ تعتبر الجرائم الدولية من قبيل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من أشد الجرائم خطورة التي تمس بحالة السلم والأمن الدوليين، غير أن العديد من الدول لم تُدرج هذه الجرائم في تشريعاتها الداخلية، وقد ظهرت هذه الإشكالية بوضوح في قضية الرئيس التشادي السابق/ حسين حبري، حيث رفضت محكمة الاستئناف في داكار اختصاصها بمحاكمته؛ بدعوى أن القانون السنغالي الداخلي لا يعرف جريمة الجرائم ضد الإنسانية، مما يعني أنه حتى لو كانت الدولة راغبة في ممارسة الاختصاص؛ فإنها تفتقر إلى الأساس القانوني لذلك، ويلعب ضعف الإرادة السياسية دوراً محورياً في تفاقم هذه الظاهرة، إذ تمثل ممارسة الاختصاص القضائي على الجرائم الدولية فعلاً سيادياً يتطلب إرادة سياسية قد تتخلف عن الإرادة القانونية لأسباب عدة، كالخوف من التوتر مع دول أخرى، أو الضغوط الدبلوماسية، أو عدم الرغبة في التدخل في شؤون دول أخرى، أو خشية كشف انتهاكات مماثلة ارتكبتها الدولة المعنية أو حلفاؤها، وقد لوحظ أن الدوافع السياسية والضغوطات الدبلوماسية تشكل عائقاً كبيراً في تحريك مثل هذه القضايا أو الامتناع عنها، مما يكرس ظاهرة الإفلات من العقاب ويحول دون قيام الدول بواجباتها القانونية والأخلاقية.

كما أن محدودية اختصاص المحكمة الجنائية الدولية القائم على المبدأ التكميلي تشكل سبباً هيكلياً مهماً، إذ تقوم المحكمة على أساس أن اختصاصها لا يعد بديلاً عن الاختصاص القضائي الوطني بل هو مكمل له، وهذا يعني أن المحكمة لا يمكنها التدخل إلا عندما تكون الدولة ذات الاختصاص "غير راغبة أو غير قادرة" فعلاً على إجراء التحقيق أو المحاكمة، غير أن اختصاص المحكمة مقيد أيضاً بشرط أن تكون الدولة التي وقعت فيها الجريمة أو دولة جنسية المتهم من الأطراف في نظام روما الأساسي، أو أن يحيل مجلس الأمن الحالة إليها، وهذا يخلق ثغرات كبيرة في التغطية القضائية، إذ إن العديد من الدول الكبرى ليست أطرافاً في النظام الأساسي.

أيضا مجلس الأمن قد لا يحيل بعض الحالات لأسباب سياسية تتعلق بمواقف أعضائه الدائمين، ويضاف إلى ذلك غياب التنسيق الدولي المنهجي، إذ إن نظام العدالة الجنائية الدولية يتسم بالتجزؤ وعدم التنسيق بين المحاكم الوطنية والمحكمة الجنائية الدولية والمحاكم المختلطة والمحاكم الدولية الخاصة، وكل منها يعمل في إطار ولايته المحددة دون وجود آلية مركزية لتنسيق الاختصاصات أو لسد الثغرات القضائية.

أخيراً فإن خصوصية الجرائم المستجدة، وفي مقدمتها الجرائم الإلكترونية، تُعقد الإشكالية بشكل غير مسبوق، إذ إن هذه الجرائم عابرة للحدود بطبيعتها، وقد يكون الجاني في دولة والمجني عليه في دولة أخرى ومحل الجريمة في دولة ثالثة، بينما تظل التشريعات العقابية قائمة على مبدأ إقليمية القانون الجنائي، مما يجعل المجرم الإلكتروني قادراً على الإفلات من العقاب في غياب قواعد واضحة لتحديد الاختصاص، وبتعبير أدق، فإن هذه الأسباب الستة لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تتفاعل فيما بينها لتنتج فجوات قضائية يصعب سدها بآليات تقليدية، وهو ما تؤكده النماذج العملية التي سنعرضها لاحقاً.

ثالثاً: النماذج التطبيقية للاختصاص السلبي في القضايا الدولية المعاصرة.

لقد تجسدت إشكالية الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي بوضوح في عدد من القضايا البارزة التي هزت الضمير الإنساني وكشفت عن العيوب البنيوية في نظام العدالة الجنائية الدولية، ولعل قضية الرئيس التشادي السابق/ حسين حبري ،تمثل النموذج الأبرز والأكثر تعليماً في هذا السياق، إذ حكم حبري تشاد خلال الفترة من 1982 إلى 1990، وهي فترة اتسمت بارتكاب فظائع جماعية بحق المعارضين السياسيين، حيث أعدم أربعون ألف شخص بإجراءات موجزة؛ وعانى من التعذيب ما يقرب من مائتي ألف شخص، وبعد خلعه من الحكم على يد رئيس أركانه (إدريس ديبي)، في ديسمبر 1990، فر إلى السنغال على متن الطائرة الرئاسية.

بدأت رحلة قانونية استمرت أكثر من خمسة وعشرين عاماً تجسدت فيها كل مظاهر الاختصاص السلبي، ففي تشاد دولة الجريمة لم يكن النظام القضائي قادراً على محاكمته بسبب ضعف المؤسسات، وعدم الاستقرار السياسي، وفي السنغال دولة اللجوء رفعت الدعوى ضده أمام محكمة الاستئناف في داكار، لكنها رفضت اختصاصها بدعوى أن القانون السنغالي لا يعرف جريمة الجرائم ضد الإنسانية ،وأن قانون العقوبات السنغالي لا يسمح بمحاكمة الجرائم المرتكبة في الخارج، وفي بلجيكا رفع الضحايا دعوى بموجب قانون الاختصاص العالمي وأصدر قاضي التحقيق البلجيكي مذكرة توقيف دولية بحق حبري عام 2005 وطلب تسليمه من السنغال، إلا أن السنغال رفضت التسليم.

أما المحكمة الجنائية الدولية فلم تستطع التدخل لأن الجرائم وقعت قبل إنشاء المحكمة، وهكذا وجدت القضية نفسها في فراغ قضائي تام لا دولة الجريمة قادرة؛ ولا دولة اللجوء راغبة أو قادرة قانونياً ؛ولا دولة ثالثة قادرة على تنفيذ اختصاصها بسبب رفض التسليم؛ ولا محكمة دولية مختصة، ولم يتم كسر هذا الجمود إلا بعد ضغوط دولية وإفريقية مستمرة أدت إلى إنشاء "الغرف الإفريقية غير العادية" في السنغال عام 2013، وهي محكمة مختلطة جمعت بين قضاة سنغاليين وقضاة من دول إفريقية أخرى، وأصدرت في 30 مايو 2016 حكماً بالسجن المؤبد على حبري بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؛ وجرائم اغتصاب وخطف وإعدام وتعذيب، ورغم أن هذه المحاكمة مثلت انتصاراً للعدالة، إلا أنها استغرقت أكثر من خمسة وعشرين عاماً منذ بداية تشكل القضية، مما يظهر حجم المعاناة التي يسببها الاختصاص السلبي للضحايا الذين انتظروا عقوداً طوالاً لتحقيق حد أدنى من الإنصاف.

من جانب آخر،وفي سياق متصل، تبرز قضية إقليم دارفور في السودان كنموذج آخر للإشكاليات المتعلقة بالاختصاص، حيث شهد الإقليم منذ عام 2003 نزاعاً مسلحاً واسع النطاق ارتكبت خلاله انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان شملت القتل الجماعي والاغتصاب والتهجير القسري، وصنفها المراقبون الدوليون على أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، ورغم أن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، مما يعني أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك اختصاصاً تلقائياً على الجرائم المرتكبة في أراضيه، فقد لجأ المجتمع الدولي إلى مجلس الأمن الذي أصدر في 31 مارس 2005 القرار رقم 1593 محيلاً حالة دارفور إلى المحكمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

غير أن هذه الإحالة واجهت إشكاليات جوهرية تتعلق بالاختصاص أثارها دفاع المتهمين حول مشروعية قرار مجلس الأمن بإحالة دولة غير طرف، وفي عامي 2009 و2010 أصدرت المحكمة مذكرتي اعتقال بحق الرئيس السوداني/ عمر حسن أحمد البشير ،بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، في سابقة هي الأولى من نوعها بحق رئيس دولة في منصبه، غير أن عدم تعاون السودان ورفض العديد من الدول تنفيذ مذكرات الاعتقال حال دون تحقيق العدالة، وبقي البشير طليقاً حتى الإطاحة به عام 2019، متجسداً بذلك الاختصاص السلبي في فجوة واضحة بين اختصاص المحكمة القانوني وعجزها التنفيذي بسبب غياب آليات الإجبار الدولية، فالدولة التي وقعت فيها الجريمة غير قادرة وغير راغبة في المحاكمة، والمحكمة الدولية تملك الاختصاص لكنها تفتقر إلى وسائل التنفيذ الفعالة بسبب عدم تعاون الدولة والعديد من الدول الأخرى.

أما في الحالة الليبية وقضية سيف الإسلام القذافي، فقد تجلى الاختصاص السلبي في صيغة أكثر تعقيداً، حيث أحال مجلس الأمن الحالة في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1970 في 26 فبراير 2011، وأصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق معمر القذافي ونجله سيف الإسلام ورئيس المخابرات آنذاك عبد الله السنوسي، وبعد سقوط النظام أبدت السلطات الليبية الجديدة رغبتها في محاكمة سيف الإسلام أمام القضاء الليبي وطعنت في اختصاص المحكمة استناداً إلى مبدأ التكميلية المنصوص عليه في المادة 17 من نظام روما الأساسي، غير أن المحكمة واجهت معضلة حقيقية في تقييم ما إذا كانت الدولة "راغبة وقادرة" فعلاً على إجراء المحاكمة في ظل أوضاع عدم الاستقرار، وأصدرت الدائرة التمهيدية قرارين متباينين، ففي قضية سيف الإسلام قضت بأن الدفع الليبي بعدم القبول غير مقبول على أساس أن ليبيا لم تثبت أنها غير قادرة على محاكمته، بينما قبلت الدفع في قضية السنوسي معتبرة أن ليبيا تجري تحقيقاً فعلياً، وهذا التباين أثار تساؤلات حول مدى موضوعية واتساق تطبيق المبدأ التكميلي، والأكثر إشكالاً أن المحاكمة التي أجريت لسيف الإسلام أمام القضاء الليبي تعرضت لانتقادات واسعة من قبل المنظمات الحقوقية التي اعتبرتها غير عادلة ولا تتوافق مع المعايير الدولية، مما حول القضية من اختصاص سلبي (حيث لا تريد ليبيا تسليم المتهم ولا تستطيع المحكمة فرض اختصاصها) إلى اختصاص وطني غير كافٍ من حيث الضمانات القضائية، وهو ما يطرح سؤالاً أعم حول ما إذا كان يكفي أن تكون الدولة راغبة في المحاكمة حتى لو كانت المحاكمة غير عادلة.

من جهة أخرى ،قضية كينيا فتمثل نموذجاً آخر لتجليات الاختصاص السلبي، حيث باشر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في عام 2010 تحقيقاً مستقلاً في أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الكينية في ديسمبر 2007 وأسفرت عن مقتل حوالي 1200 شخص وتشريد أكثر من 300 ألف آخرين، وكانت هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها المدعي العام سلطته في التحقيق من تلقاء نفسه، غير أن كينيا، وهي دولة طرف في نظام روما الأساسي، طعنت في اختصاص المحكمة مدعية أنها تجري تحقيقات وطنية في القضية، لكن المحكمة رفضت الدفع الكيني معتبرة أن التحقيقات الوطنية لا تتعلق "بنفس الأشخاص ونفس السلوكيات" التي تحقق فيها المحكمة، واضعة بذلك معياراً صارماً لقبول الدفع بعدم القبول يجعل من الصعب على الدول إثبات جدية تحقيقاتها، لكن القضية انتهت في عام 2015 بإسقاط التهم بحق المتهمين بسبب ضعف الأدلة وتراجع الشهود، مما أثار إشكالية جديدة حول ما إذا كان يمكن اعتبار ذلك شكلاً من أشكال الاختصاص السلبي، حيث لا المحكمة الدولية قادرة على إثبات التهم ولا الدولة قادرة على إجراء محاكمة عادلة، تاركة الضحايا دون إنصاف.

ولم تقف الإشكالية عند الجرائم التقليدية، بل امتدت لتشمل الجرائم الإلكترونية التي باتت تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه نظام الاختصاص القضائي الدولي في العصر الرقمي، إذ تكمن الإشكالية الأساسية في أن التشريعات العقابية قائمة على مبدأ إقليمية القانون الجنائي، وأن القاضي الجنائي لا يستطيع تطبيق قانونه خارج حدود دولته، وقد يكون الجاني في دولة لا تجرم الفعل، والضحية في دولة لا تستطيع الوصول إلى الجاني، والخوادم في دولة ثالثة لا تعتبر نفسها مختصة، فتسقط القضية برمتها في فراغ قضائي تام، وهو ما دفع بعض الفقهاء إلى الدعوة إلى اعتماد "مبدأ الإقليم الرقمي" الذي يسمح للقاضي بتوقيع العقاب على المجرم الإلكتروني عن طريق مد الإقليم المادي للدولة محل وقوع الجريمة، غير أن هذه الحلول تظل غير كافية لضمان توقيع العقاب، ويبقى الاختصاص السلبي أحد أبرز التحديات التي تواجه مكافحة الجريمة الإلكترونية على الصعيد الدولي، مما يستدعي وقفة جادة أمام الآثار الكارثية لهذه الظاهرة على العدالة الجنائية الدولية.

رابعاً: الآثار المترتبة على الاختصاص السلبي في النظام القضائي الجنائي الدولي.

إن للاختصاص السلبي آثاراً بالغة الخطورة تمتد إلى صميم فعالية القانون الجنائي الدولي ومصداقيته، ويأتي في مقدمتها إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، وهي النتيجة المباشرة والأخطر التي تترتب على هذا الفراغ القضائي، إذ عندما لا تتمكن أي دولة أو محكمة دولية من ممارسة اختصاصها يظل مرتكبو الجرائم الدولية الخطيرة في مأمن من المساءلة، مما يشجع على استمرار ارتكاب هذه الجرائم ويحول دون تحقيق الردع الخاص والعام الذي يعتبر من أهداف العقاب الأساسية، بل إن استمرار هذه الحالة يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب التي تزيد من جرأة المجرمين وتشجعهم على ارتكاب المزيد من الانتهاكات دون خوف من المحاسبة، وإلى جانب ذلك يؤدي الاختصاص السلبي إلى حرمان الضحايا من العدالة، فالضحايا الذين عانوا من ويلات الجرائم الدولية يجدون أنفسهم محرومين من حقهم الأساسي في العدالة، مما يزيد من معاناتهم النفسية ويخلق لديهم شعوراً بالمرارة والإحباط تجاه المجتمع الدولي الذي يفشل في حمايتهم أو إنصافهم، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن حرمان الضحايا من العدالة يطيل أمد معاناتهم ويعيق عملية التعافي النفسي والاجتماعي.

كما أن الاختصاص السلبي يؤدي إلى تقويض مصداقية القانون الدولي برمته، فحين تظل الجرائم الدولية الخطيرة دون عقاب يصبح القانون الدولي مجرد نصوص نظرية دون فعالية عملية، وتفقد القواعد الدولية قدرتها على الردع وتأثيرها المعياري، مما يغذي الخطاب الذي ينظر إلى القانون الدولي باعتباره أداة انتقائية تخدم مصالح القوى الكبرى، وهذا التقويض للمصداقية له تداعيات بعيدة المدى على التعاون الدولي في مجالات أخرى، وإضافة إلى ذلك قد يؤدي الاختصاص السلبي إلى إطالة أمد النزاعات المسلحة وتغذيتها، إذ يدرك أطراف النزاع أنهم لن يحاسبوا على جرائمهم مما يقلل من حافزهم لوقف الأعمال العدائية أو للتفاوض على حلول سلمية، بل قد يدفعهم إلى تصعيد الانتهاكات ظناً منهم أنهم سيبقون بمنأى عن المحاسبة.

كما أن عجز المجتمع الدولي عن تحقيق العدالة في الحالات التي تشهد اختصاصاً سلبياً يقوض ثقة الشعوب في المؤسسات الدولية، ويزيد من مشاعر الإحباط إزاء قدرة المجتمع الدولي على حماية حقوق الإنسان، ويغذي مشاعر العزلة والرفض للتدخل الدولي، مما قد يدفع بعض المجتمعات إلى البحث عن حلول خارج إطار الشرعية الدولية أو إلى اللجوء إلى العدالة غير الرسمية أو الانتقامية التي تزيد من دائرة العنف، وفضلاً عن ذلك، فإن استمرار الاختصاص السلبي يضعف الحوافز التي تدفع الدول إلى تطوير أنظمتها القضائية، فطالما أن هناك ثغرات يمكن للمجرمين أن يفلتوا من خلالها، فإن الدول لا تجد دافعاً كافياً لإصلاح تشريعاتها وتطوير قدراتها القضائية في مجال مكافحة الجرائم الدولية، وهكذا يتشكل حلقة مفرغة تكرس ضعف العدالة الجنائية الدولية وتجعل من الصعب الخروج من دائرة الإفلات من العقاب.

خامساً: مقترحات لمعالجة إشكالية الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي.

في ضوء الأسباب الجذرية والنماذج التطبيقية والآثار المترتبة التي عرضناها، يمكن وضع مجموعة من المقترحات العملية والقانونية الرامية إلى معالجة إشكالية الاختصاص السلبي والحد من تفاقمها في المستقبل، وذلك عبر مقاربة شاملة تستهدف كلاً من التشريعات الوطنية وآليات التعاون الدولي وهياكل العدالة الجنائية الدولية كما يلي:

1. تعزيز مبدأ الاختصاص العالمي في التشريعات الوطنية وضمان تنفيذها الفعلي:

ينبغي للدول أن تُدرج في تشريعاتها الداخلية الأحكام اللازمة لممارسة الاختصاص العالمي على الجرائم الدولية الخطيرة كالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وألا يقتصر ذلك على النصوص النظرية بل يجب أن يُعزز بتخصيص الموارد البشرية والمادية اللازمة للنيابات العامة والمحاكم لمتابعة هذه القضايا، وقد أثبتت قضية الرئيس التشادي/حبري ،أن غياب النص القانوني الداخلي يشكل عقبة رئيسية أمام ممارسة الاختصاص، ولكنها أثبتت أيضاً أن وجود النص وحده لا يكفي دون وجود إرادة سياسية ومؤسسية لتطبيقه، ولذلك ينبغي إلزام الدول بتذليل الصعوبات العملية المرتبطة بتطبيق هذا المبدأ، كصعوبات جمع الأدلة في الخارج وتحريك الدعاوى العمومية في غياب الضحية أو المتهم، وذلك من خلال سن قوانين إجرائية خاصة تسهل الإثبات في قضايا الجرائم الدولية.

2. توسيع دائرة الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية:

إن انضمام المزيد من الدول إلى نظام روما الأساسي من شأنه أن يوسع نطاق الاختصاص القضائي الدولي ويقلل من الثغرات التي تسمح بظهور (الاختصاص السلبي)، ولا تزال العديد من الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة والصين وروسيا غير أطراف في النظام، مما يخلق فجوات كبيرة في التغطية القضائية، ويتطلب ذلك حملات دبلوماسية مكثفة وتوعية قانونية تبرز أهمية الانضمام للمحكمة ليس فقط من منظور المساءلة الجنائية؛ بل أيضاً من منظور تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، كما ينبغي دراسة إمكانية تعديل نظام روما الأساسي لتخفيف بعض القيود التي تردع الدول عن الانضمام، كتلك المتعلقة باختصاص المحكمة في الجرائم العدوانية أو العلاقة مع مجلس الأمن الدولي.

3. تفعيل دور مجلس الأمن في إحالة الحالات إلى المحكمة الجنائية الدولية بشكل موضوعي ومنتظم:

ينبغي لمجلس الأمن أن يضطلع بدور أكثر فاعلية ومنتظماً في إحالة حالات الجرائم الدولية الخطيرة إلى المحكمة الجنائية الدولية، خاصة عندما تكون الدولة المعنية غير طرف في نظام روما الأساسي أو غير قادرة على محاكمة مرتكبي الجرائم، مع ضرورة أن تتم هذه الإحالات وفق معايير موضوعية واضحة بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو المصالح الوطنية الضيقة لأعضاء المجلس الدائمين، ويمكن التفكير في إنشاء آلية مستقلة داخل الأمم المتحدة لتقييم الحالات التي تستوجب الإحالة وتقديم توصيات ملزمة لمجلس الأمن، وذلك لكسر الجمود الذي يصيب المجلس في كثير من الأحيان بسبب استخدام حق النقض (الفيتو).

4. إنشاء آليات قضائية مؤقتة أو مختلطة لملء الفراغ القضائي في الحالات المستعصية:

في الحالات التي يكون فيها الاختصاص السلبي وشيكاً أو واقعاً بالفعل، يمكن اللجوء إلى إنشاء آليات قضائية مؤقتة أو مختلطة على غرار الغرف الإفريقية غير العادية التي أنشئت لمحاكمة حبري، أو المحاكم المختلطة كالمحكمة الخاصة بسيراليون، وقد أثبتت هذه الآليات فعاليتها في سد الثغرات القضائية حين تعجز الآليات الوطنية والدائمة عن القيام بواجبها، غير أنها تتطلب إرادة سياسية وموارد مالية كبيرة، كما ينبغي وضع معايير واضحة لإنشائها بحيث لا تكون انتقائية أو مرتبطة بمصالح الدول الكبرى، وأن تضمن تمثيلاً قضائياً دولياً ومحلياً يحقق التوازن بين الخبرة الدولية والمعرفة بالسياق المحلي.

5. تطوير آليات التعاون القضائي الدولي وتسهيل نقل الإجراءات الجنائية:

ينبغي تعزيز التعاون القضائي بين الدول من خلال اتفاقيات التسليم والمساعدة القانونية المتبادلة، وتسهيل نقل الإجراءات الجنائية من دولة إلى أخرى وفق ضوابط قانونية تحفظ حقوق الدفاع والمتهمين، كما يمكن الاستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي في تنسيق التشريعات الجنائية وآليات التعاون القضائي لإنشاء نموذج مماثل على المستوى العالمي أو الإقليمي، مع وضع قواعد واضحة لتحديد الدولة الأكثر اتصالاً بالجريمة والأكثر قدرة على إجراء محاكمة عادلة، وتجنب النزاعات السلبية أو الإيجابية للاختصاص.

6. وضع قواعد دولية موحدة لتحديد الاختصاص في الجرائم الإلكترونية والمستجدة:

نظراً للطبيعة العابرة للحدود للجرائم الإلكترونية، ينبغي للمجتمع الدولي أن يعمل على عقد اتفاقية دولية شاملة تحدد معايير واضحة وموحدة لتحديد الاختصاص القضائي في هذا النوع من الجرائم، بحيث تراعي معايير الإقليم المادي والإقليم الرقمي والجنسية وموطن الضحية، وتضمن عدم إفلات المجرمين الإلكترونيين من العقاب، ويمكن أن تستلهم هذه الاتفاقية من مبادئ اتفاقية بودابست لمكافحة الجريمة الإلكترونية مع توسيع نطاقها لتشمل الدول غير الأوروبية، وتضمينها آليات فعالة للتعاون العابر للحدود في جمع الأدلة الرقمية التي تبقى من أبرز العقبات العملية أمام محاكمة هذه الجرائم.

7. تفعيل دور المنظمات الإقليمية في سد الفجوات القضائية:

يمكن للمنظمات الإقليمية كالاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة الدول الأمريكية أن تضطلع بدور مهم في ملء الفراغات القضائية من خلال إنشاء آليات قضائية إقليمية أو غرف عدالة إقليمية مختصة بالجرائم الدولية، أو من خلال تنسيق مواقف دولها الأعضاء وتوحيد تشريعاتها الجنائية في مجال مكافحة الجرائم الدولية الخطيرة، وقد أثبتت التجربة الإفريقية في قضية حبري أن العمل الإقليمي يمكن أن يكون أكثر فاعلية من العمل الدولي الجامد في بعض السياقات، خاصة عندما تتداخل الاعتبارات السياسية مع عمل مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية الدولية.

في ختام هذا التحليل المتواضع للدكتور عبدالحكيم سليمان وادي؛لإشكالية الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي، يتبين لنا أن هذه الظاهرة ليست مجرد عيب تقني أو ثغرة قانونية يمكن تداركها بتعديل نص أو وضع قاعدة جديدة، بل هي انعكاس جوهري للتوتر المستمر بين سيادة الدول كوحدات سياسية مستقلة؛ وضرورة تحقيق العدالة الدولية كقيمة إنسانية عليا، وقد كشفت النماذج التطبيقية التي عرضناها، من قضية حبري التي استغرقت ربع قرن من الجمود القضائي، إلى قضية دارفور التي جعلت من مذكرات الاعتقال الدولية حبراً على ورق، إلى قضية (سيف القذافي) التي أظهرت مفارقات مبدأ التكامل، إلى قضية كينيا التي عكست صعوبات التنسيق بين القضاء الوطني والدولي، إلى الجرائم الإلكترونية التي تعيد تشكيل مفاهيم الإقليم والاختصاص برمتها، كشفت كل هذه النماذج أن معضلة الاختصاص السلبي ليست مجرد تحد تقني يمكن حله بآليات بيروقراطية، بل هي اختبار حقيقي لإرادة المجتمع الدولي في وضع العدالة فوق المصالح الضيقة، ومرآة تعكس مدى استعداد الدول للتضحية ببعض سيادتها من أجل نظام دولي أكثر إنصافاً وأقل عرضة للإفلات من العقاب.

لن تتحقق العدالة الجنائية الدولية حقاً ما لم يتم سد الثغرات القضائية التي تسمح بظهور الاختصاص السلبي، وما لم يتضافر جهد المجتمع الدولي بأكمله، ممثلاً في دوله ومنظماته الإقليمية والدولية ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، لضمان عدم إفلات أي مرتكب لجريمة دولية خطيرة من العقاب مهما كان موقعه أو مركزه أو جنسيته، فإن إفلات المجرمين من العقاب ليس مجرد إخفاق قانوني أو ثغرة في نظام قضائي، بل هو إهانة لكرامة الضحايا وإنسانية الإنسانية جمعاء، وهو رسالة مفادها أن حياة بعض البشر أقل قيمة من حياة الآخرين، وأن العدالة الدولية تظل حكراً على من يملكون القوة أو الحلفاء، ولذلك فإن معالجة "الاختصاص السلبي"، ليست هدفاً قانونياً ضيقاً، بل هي ضرورة أخلاقية وإنسانية وإستراتيجية لبناء عالم يسوده القانون بدلاً من الفوضى، وتتحقق فيه المساءلة بدلاً من الإفلات، وتنال فيه الضحايا الإنصاف بدلاً من النسيان.

-المراجع:

1. عفيري، عقيلة. "أسس اختصاص المحاكم الجنائية الوطنية". مجلة الاجتهاد القضائي، المجلد 12، العدد 4، 2020، الصفحات 979-994.
2. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 1، الديباجة.
3. مسعودي، الشريف. "مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي في مواجهة الإفلات من العقاب بين النظرية وإشكالات التطبيق على ضوء محاكمة الرئيس التشادي السابق حسين حبري". حوليات جامعة الجزائر، المجلد 35، العدد 5، 2021، الصفحات 73-95.
4. مولود، ولد يوسف. "الاختصاص التكميلي للمحكمة الجنائية الدولية: التوفيق بين الحفاظ على سيادة الدولة، وعدم إفلات المجرمين من الملاحقة والمسائلة". مجلة صوت القانون، المجلد 2، العدد 2، 2015، الصفحات 154-169.
‏5. Morán Martínez, Rosa Ana. "Conflicts of Jurisdiction, Ne Bis in Idem and Transfer of Proceedings". European Judicial Training Network, 2010.
6. بارة، محمد الأمين. "الدفع بعدم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على حالة دارفور". مجلة الباحث للدراسات القانونية، 2023.
7. بن زعيم، مريم. "شرعية محاكمة سيف الإسلام القذافي أمام المحكمة الجنائية الدولية". مجلة المفكر، المجلد 9، العدد 1، 2014، الصفحات 265-278.
8. الشهواني، خميس جمعة. "إشكالية تحديد الاختصاص القضائي في الجرائم الإلكترونية". مجلة الشرق الأوسط للدراسات القانونية والفقهية، المجلد 6، العدد 1، 2026، الصفحات 151-175.
9. خليفي، محمد. "إشكالية الاختصاص القضائي الدولي في مكافحة الجريمة المعلوماتية". مجلة الميزان، العدد 1، 2016، الصفحات 253-260.
10. الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان. "محاكمة حسين حبري في السنغال: استقلال القضاء على قدم وساق في أفريقيا". تقرير صادر في 20 يوليو 2015.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرة واشنطن تحول سكان غزة لرهائن وكانتونات معزولة لخدمة إسر ...
- رنة في جيبك تسبق الموت بثواني-هواتف تنقذ 11 مليون شخص
- كذبة باع الفلسطينيون أرضهم -فيلم “إكسدس” الصهيوني شوه الحقائ ...
- كعب أخيل في مجلس سلام غزة الفاشل
- تفسير وتصحيح الأخطاء في المقررات الجنائية في نظام روما الأسا ...
- شيطنة قطر عبر نشر التقارير الاسرائيلية
- تركيا هي -إيران القادمة- في أجندة التوسع الإسرائيلي وفق المخ ...
- مصر بين مطرقة التوسع الإسرائيلي وسندان الأمن القومي- هل تكون ...
- القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضم ...
- حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد ...
- ما بعد نتنياهو-هل تختار إسرائيل الدولة الواحدة أم حل الدولتي ...
- -هولوكوست غزة- التي هزت تل أبيب- أزمة لوكاشينكو الدبلوماسية ...
- من كازينوهات القمار إلى شراء السياسة الأمريكية لدعم الإبادة ...
- التكيف مع التغيرات المناخية كخيار وجودي لحوكمة المياه
- تقنيات البلوك تشين لتوثيق الإبادة في غزة
- خزعبلات إيلون ماسك وزراعة شرائح في أدمغة البشر وتناقضات الضم ...
- استراتيجية العدالة التصالحية- عندما يتحول الخزي الاجتماعي إل ...
- آليات الحكامة المؤسسية وحماية الحقوق في فلسطين في ظل الاحتلا ...
- رسالة إلى حماس-إجماع منظمات حقوق الإنسان على إدانة الإعدامات ...
- الذكاء الاصطناعي -الببغائي- يموت.. والذكاء -التوليفي- يولد م ...


المزيد.....




- الاحتلال يطلق النار بشكل كثيف تجاه خيام النازحين بمواصي رفح ...
- مفوض حقوق الإنسان في خيرسون: استهداف مستشفى إيفانوفكا جريمة ...
- تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو ...
- الداخلية السورية: تفكيك خلايا تابعة لتنظيم داعش واعتقال قياد ...
- العفو الدولية: غارات إسرائيلية في لبنان ترقى إلى -جرائم حرب- ...
- منظمة حقوقية تعتزم تقديم شكوى ضد إنفانتينو بتهمة انتهاك الحي ...
- المدى تكشف أسباب اعتقال مدير توزيع المنتجات النفطية
- اعتقال المعارضة أريكناز مانوكيان في أرمينيا
- أبادت عائلات بأكملها.. العفو الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب جر ...
- العفو الدولية: الاستهدافات التي أبادت عائلات بأكملها طالت من ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عبدالحكيم سليمان وادي - عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي