أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين رغم بطش الاحتلال الإسرائيلي















المزيد.....

تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين رغم بطش الاحتلال الإسرائيلي


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 02:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية و العلوم السياسية

المقدمة

تواجه فلسطين اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث يتقاطع واقع الاحتلال الإسرائيلي المتواصل مع أزمات تنموية وإنسانية غير مسبوقة، لتتشكل أمام الشعب الفلسطيني ومؤسساته معادلة صعبة، "كيف يمكن تدبير المخاطر المتعددة والمتداخلة، وفي مقدمتها مخاطر الاحتلال نفسه"، في الوقت الذي تتطلب فيه التنمية المستدامة استقراراً واستقلال، وموارد وإرادة سياسية، وهي جميعها عناصر يفتقدها المشهد الفلسطيني الراهن؛حيث تخضع لسيطرة دولة الاحتلال الاسرائيلي؛فمنذ السابع من /أكتوبر 2023، دخلت الأراضي الفلسطينية المحتلة في منعطف خطير، تمثل في عدوان إسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، خلّف دماراً هائلاً في البنى التحتية والمنشآت الحيوية، وأدى إلى نزوح مئات الآلاف، وسقوط أكثر من 73 ألف شهيد وأكثر من 173 الف جريح في قطاع غزة اثر حرب الابادة التي نفذتها اسرائيل على مدار عامين من اكتوبر/2023 إلى اكتوبر2025. هذا الواقع يطرح بقوة إشكالية العلاقة الجدلية بين تدبير المخاطر من جهة، ورهانات التنمية من جهة أخرى، في سياق يمتاز بعدم التماثل في ميزان القوى بين طرفي النزاع، ويهيمن عليه الاحتلال الاسرائيلي بكل أدواته العسكرية والسياسية والاقتصادية وبدعم كبير ومتواصل من واشنطن ودول أوروبية أخرى على رأسها المانيا وحكومتها العنصرية.

-سؤال إشكالي:

كيف يمكن للشعب الفلسطيني ومؤسساته تدبير المخاطر الوجودية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي؛ من هدم وتوسيع الاستيطان؛وحصار وعنف ممنهج ؛وفي الوقت نفسه التفكير الفلسطيني بالمضي قدماً في مشاريع التنمية المستدامة التي تستوجب حداً أدنى من الاستقرار والسيطرة على الموارد والقرارات؛ وهل يمكن لفلسطين أن تبني نموذجاً تنموياً قابلاً للحياة في ظل احتلال اسرائيلي قذر يسيطر على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية وكذلك القدس المحتلة، ويستأثر بأكثر من 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية، ويحتجز أكثر من ثلثي الإيرادات الضريبية الفلسطينية؛ وإلى أي مدى يمكن للتدخل الدولي والإغاثي أن يعوض عن غياب السيادة الوطنية ويوفر بيئة مواتية للتنمية، أم أن الأمر يتطلب مقاربة جديدة تعيد تعريف التنمية ذاتها في سياق الاحتلال.

أولاً: طبيعة المخاطر التي تواجه المشروع التنموي الفلسطيني.

تتنوع المخاطر التي تهدد التنمية في فلسطين وتتداخل فيما بينها، لتشكل شبكة معقدة من التحديات التي تتجاوز بكثير ما تعرفه أغلب دول العالم. فالمخاطر ليست طبيعية أو اقتصادية بحتة، بل هي في جوهرها مخاطر سياسية وعسكرية يفرضها واقع الاحتلال الاسرائيلي فوق أرض فلسطين؛ وتشير تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عام 2025 شهد 23 ألفاً و827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون الجدد من (المستوطنين اليهود) بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال الاسرائيلي من "إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان". هذه الاعتداءات توزعت بين 16 ألفاً و664 اعتداءً استهدفت الأفراد من المواطنين الفلسطينيين، و5 آلاف و398 اعتداءً طالت الممتلكات الفلسطينية، و1382 اعتداءً استهدفت الأراضي والمزروعات الفلسطينية. وهذا الكم الهائل من الانتهاكات الاسرائيلية الجسيمة يكشف عن نمط من العنف المنهجي الذي لا يقتصر على الردع أو العقاب، بل يستهدف تفكيك مقومات الحياة الفلسطينية ذاتها، ويحول دون أي محاولة جادة لبناء تنمية مستدامة.

وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة الهدم والاستيطان، حيث نفذ خلال النصف الأول من العام 2025 ما مجموعه 380 عملية هدم استهدفت منشآت فلسطينية، بينما بلغ إجمالي عمليات الهدم خلال العام بأكمله 538 عملية طالت 1400 منشأة، منها 304 منازل مسكونة. وفي قطاع غزة، وصلت وتيرة التدمير إلى مستويات كارثية، حيث دمر الاحتلال أكثر من 102 ألف مبنى بشكل كلي، وتضرر بشكل كبير حوالي 193 ألف مبنى آخر، وتقدر أعداد الوحدات السكنية التي تم تدميرها كلياً أو جزئياً بما لا يقل عن 330 ألفاً و500 وحدة سكنية. هذا التدمير الممنهج للبنية التحتية السكنية والاقتصادية والخدماتية يمثل في جوهره أكبر عقبة أمام أي مشروع تنموي، إذ يضطر الفلسطينيون إلى إعادة البناء مراراً وتكراراً، في (دورة مفرغة) من البناء الفلسطيني ؛والهدم الاسرائيلي الذي يستنزف الموارد وتقوض الأمل في مستقبل مستقر للشعب الفلسطيني.

ثانياً: الانهيار الاقتصادي كأحد أخطر مخرجات سياسات الاحتلال الاسرائيلي.

لم يقتصر تأثير دولة الاحتلال الاسرائيلي على الجانب المادي المباشر للفلسطينيين، بل امتد ليشمل النسيج الاقتصادي بأكمله، حيث يشير تقرير للأونكتاد (UNCTAD) صدر في نوفمبر/ 2025 إلى أن العمليات العسكرية المطولة والقيود الطويلة الأمد قادت اقتصاد الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أشد انكماش مسجل على الإطلاق، مما محى عقوداً من المكاسب التنموية. ويؤكد التقرير أن سنتين من العمليات العسكرية الاسرائيلية والقيود؛أطلقتا انهياراً غير مسبوق على الاقتصاد الفلسطيني، وأن الأزمة الاقتصادية الناتجة هي من بين أسوأ عشر أزمات عالمياً منذ عام 1960، بينما يُعد الوضع في غزة أسوأ أزمة اقتصادية مسجلة على الإطلاق بسبب حجم الدمار والابادة الجماعية.

تجدر الإشارة،ان قطاع غزة، بلغت فيه حدة الانهيار مستويات لا توصف، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي للقطاع بنسبة 83% في عام 2024 مقارنة بعام 2023، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 161 دولاراً سنوياً، أي أقل من 50 سنتاً في اليوم، وهو من بين أدنى المستويات عالمياً. ويشير التقرير إلى أن اقتصاد غزة الآن لا يمثل سوى 13% من حجمه في عام 2022، وأن البطالة تجاوزت 80% في القطاع، بينما يغرق الفقر متعدد الأبعاد جميع سكان غزة. أما في الضفة الغربية والقدس المحتلة ، فهي تشهد أشد انكماش مسجل على الإطلاق، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 17% في عام 2024، وانخفض دخل الفرد الفلسطيني بنسبة 19%.

والأكثر إثارة للقلق هو ما خلصت إليه تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي من أن إعادة بناء غزة ستتطلب أكثر من 70 مليار دولار، وأن التعافي إلى مستويات ما قبل السابع من أكتوبر/ 2023 قد يستغرق عقوداً. فحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، ومع وصول المساعدات الدولية بسخاء، لن تتمكن غزة من استعادة مستوى النشاط الاقتصادي الذي كانت عليه قبل الحرب إلا بعد عقود. وهذه الأرقام وحدها كافية لإدراك حجم التحدي الذي يواجه أي مشروع تنموي في فلسطين، إذ إن إعادة البناء في ظل استمرار الاحتلال أشبه ببناء على رمال متحركة.

ثالثاً: تدبير المخاطر بين الإطار المؤسسي والواقع القسري في فلسطين المحتلة.

على الرغم من هذه التحديات الجسام، تحاول المؤسسات الفلسطينية بناء إطار مؤسسي لتدبير المخاطر، وإن كان ذلك في سياق يحد من فعالية أي جهد وطني. فقد شاركت فلسطين في المنتدى العالمي للحد من مخاطر الكوارث في جنيف عام 2025، الذي نظمه مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNDRR)، وركز على تعزيز التمويل القائم على المخاطر، ومراجعة التقدم في تنفيذ إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015–2030. واستعرض الوفد الفلسطيني واقع الحد من مخاطر الكوارث في فلسطين في ظل ما وصفه بأكبر كارثة إنسانية تمر على الشعب الفلسطيني، والمتمثلة في العدوان الإسرائيلي المستمر. وشدد الوفد على أن الاحتلال والعدوان الاسرائيلي المتواصل يمثلان عائقاً جوهرياً أمام تنفيذ أي استراتيجية وطنية فاعلة للحد من المخاطر، ما يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لحماية المدنيين الفلسطينيين وتعزيز قدرة المؤسسات الفلسطينية على الصمود.

أما في القطاع المصرفي، برزت مبادرات نوعية، حيث أعلن بنك فلسطين عن البدء في تطبيق سياسات الحوكمة وإدارة المخاطر، ليكون بذلك أول مؤسسة فلسطينية تطبق الممارسات الفضلى في إدارة المخاطر. وتهدف هذه السياسات إلى تحديد وقياس وإدارة ومراقبة المخاطر التي تواجه البنك بفاعلية. كما تشير الأبحاث الأكاديمية إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في فلسطين تواجه تحديات كبيرة في إدارة المخاطر، حيث تلعب ثقافة السلامة وتخفيف المخاطر دوراً حاسماً في الأداء. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل محدودة النطاق وغير قادرة على معالجة المخاطر النظامية التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي، والتي تتجاوز قدرات أي إطار مؤسسي فلسطيني .

رابعاً: رهانات التنمية في ظل الاحتلال الاسرائيلي- نموذج "تنمية بالرغم من الاحتلال"

في مواجهة هذه المعادلة المستعصية، برز مفهوم "تنمية بالرغم من الاحتلال الاسرائيلي" كإطار نظري وعملي يحاول التوفيق بين ضرورة الاستمرار في مسار التنمية وواقع الاحتلال القاهر. ويؤكد المتحاورون في هذا السياق أن الاقتصاد الفلسطيني، على الرغم من سياسات الاحتلال، يمتلك مقومات الصمود والنمو. وهذا النهج يقوم على فكرة أن التنمية لا يجب أن تتوقف رهناً بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي، بل يمكن أن تكون أداة لتعزيز الصمود للشعب الفلسطيني ؛وبناء القدرات التي تمكن الفلسطينيين من مواجهة تحديات الاحتلال بشكل أفضل.

وتتضمن هذه الرؤية التركيز على القطاعات التي يمكن تطويرها رغم القيود، كالتعليم والصحة والزراعة في المناطق المصنفة (أ) و(ب) في الضفة الغربية، إضافة إلى تعزيز الاعتماد على الذات في مجالات الطاقة والمياه من خلال مشاريع صغيرة ومتوسطة لا تتطلب تراخيص إسرائيلية معقدة.

كما تولي الخطة الوطنية التنموية المكانية الشاملة "رؤية فلسطين نحو المستقبل 2050" أهمية كبيرة للتخطيط المكاني كأداة لمقاومة سياسات الاحتلال الاسرائيلي التوسعية، من خلال تنظيم عمراني يحافظ على التجمعات السكانية ويمنع عزلها أو تفكيكها. غير أن هذا النهج يصطدم بحقيقة أن أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية (المنطقة (ج)) تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، حيث تواجه الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية قيوداً أشد بكثير منها في المناطق (أ) و(ب).

خامساً: الاحتلال كعائق استراتيجي أمام أهداف التنمية المستدامة

لا يمكن الحديث عن التنمية في فلسطين بمعزل عن السياق الدولي لأهداف التنمية المستدامة (SDGs)، التي التزمت بها فلسطين كغيرها من دول العالم. لكن واقع الاحتلال يجعل تحقيق هذه الأهداف أقرب إلى المستحيل. فقد أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى أن الشعب الفلسطيني حُرم من فرص التنمية المستدامة بفعل الاحتلال الإسرائيلي. وتشير دراسة صادرة عن الإسكوا (UNESCWA) إلى أن الاحتلال يفرض قيوداً على الإسكان وتوفير المياه والزراعة والصناعة والمالية والتجارة وحرية التنقل والسفر وحرية التعبير والتنظيم السياسي، فضلاً عن حق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني.

ويؤكد تقرير صادر عن ائتلاف أمان حول تنفيذ فلسطين للهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة (المتعلق بالسلام والعدالة والمؤسسات القوية) أن استمرار الاحتلال وممارساته وضعف الإرادة السياسية يشكلان العقبة الأساسية أمام تحقيق هذا الهدف. كما يشير قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي أعاق بشكل خطير الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة بيئياً وتهيئة بيئة اقتصادية سليمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذا يعني أن فلسطين تواجه تحدياً مزدوجاً، فهي لا تعاني فقط من غياب مقومات التنمية الطبيعية، بل إن الاحتلال يعمل بنشاط على تقويض أي جهد تنموي، مما يجعل عملية التنمية ذاتها ساحة صراع مع دولة الاحتلال الاسرائيلي.

سادساً: التدخل الدولي والإغاثي – دعم مؤقت أم حل جذري.

في ظل غياب السيادة الوطنية الفلسطينية ، وتراجع القدرات الذاتية، أصبح التدخل الدولي والإغاثي عنصراً حاسماً في معادلة البقاء والتنمية في فلسطين. وتشير التقديرات إلى أن نحو 3.3 مليون فلسطيني من أصل 5.5 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية، منهم 2.3 مليون في قطاع غزة ؛ ومليون في الضفة الغربية؛ وتعمل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية على تقديم المساعدات الإغاثية والتنموية، لكن هذه المساعدات تواجه تحديات جمة، أبرزها القيود الإسرائيلية على الحركة والوصول، وتحويل المساعدات إلى أداة ضغط سياسي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن وكالة الأونروا، التي تعد العمود الفقري لتقديم الخدمات الأساسية الى اللاجئين الفلسطينيين، تواجه تهديدات وجودية مستمرة، في محاولة لتفكيك هذا الكيان الإنساني الذي يمثل شريان حياة لملايين الفلسطينيين. وفي هذا السياق، حذرت خبيرة أممية من أن محاولات إنهاء عمل الأونروا ستؤدي إلى كارثة إنسانية، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك لحماية حقوق الفلسطينيين. ومع ذلك، يظل السؤال المطروح، "هل يمكن للمساعدات الإنسانية والتنموية أن تشكل بديلاً عن التنمية الوطنية المستقلة؛ أم أنها مجرد مسكنات تؤجل الأزمة دون حلها؛ الواقع يشير إلى أن الاعتماد المتزايد على المساعدات الدولية، رغم ضرورته الإنسانية، يخلق تبعية ويعيق بناء قدرات وطنية فلسطينية مستدامة، خاصة في ظل تراجع التمويل الدولي وإرهاق المانحين.

-الاقتراحات:

1-تعزيز نهج "التنمية المقاومة" عبر التركيز على القطاعات الأقل تأثراً بالقيود الإسرائيلية، مثل التعليم عن بعد، والزراعة المحمية، والطاقة المتجددة الصغيرة، والتحول الرقمي؛فهذه القطاعات توفر مجالاً للنمو رغم القيود، وتساهم في بناء صمود مجتمعي يقلل الاعتماد على الاحتلال في الاحتياجات الأساسية.

2-بناء نظام فلسطيني وطني متكامل لإدارة المخاطر يجمع بين الحد من مخاطر الكوارث الطبيعية وإدارة مخاطر الاحتلال الاسرائيلي، مع التركيز على تعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية ودور المجتمعات المحلية في قيادة جهود الحد من المخاطر. وينبغي أن يشمل هذا النظام آليات للإنذار المبكر، وخططاً للطوارئ، وتدريباً مستمراً للكوادر الوطنية الفلسطينية .

3-تفعيل أدوات التمويل القائمة على المخاطر، وجذب الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية الحيوية من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع وضع آليات واضحة لتقييم وإدارة المخاطر السياسية والعسكرية من دولة الاحتلال الاسرائيلي.

4- تكثيف الضغط الدبلوماسي والقانوني على المستوى الدولي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية وضمان احترام القانون الدولي، بما في ذلك تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية التي أعلنت عدم قانونية استمرار الاحتلال الاسرائيلي فوق الأراضي الفلسطينية.

5-الاستثمار في رأس المال البشري كأولوية تنموية قصوى، خاصة في ظل ما أشارت إليه تقارير الأونكتاد من أن تدمير جميع المدارس والجامعات في غزة بسبب الابادة الجماعية على مدار عامين من اكتوبر2023 إلى اكتوبر2025؛ ترك الأطفال الفلسطينيين دون تعليم لأكثر من عامين، وهي خسارة في رأس المال البشري ستضر المجتمع لأجيال قادمة.

6- تطوير استراتيجية فلسطينية وطنية للصمود الاقتصادي تقوم على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الاقتصاد التابع لدولة الاحتلال الإسرائيلي، مع تعزيز الروابط الاقتصادية مع العالم العربي والإسلامي والأوروبي ، وتقديم حوافز للاستثمار في المناطق الأقل تأثراً بالقيود الإسرائيلية.

ختاما،إن تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين يمثلان وجهين لعملة واحدة، لا يمكن فصلهما في سياق يسوده الاحتلال والقهر. فالمخاطر التي تواجهها فلسطين ليست استثنائية في نوعيتها فحسب، بل إن مصدرها الأساسي هو (وجود الاحتلال الاسرائيلي نفسه وعدم انهائه)، مما يجعل أي جهد تنموي يتقاطع حتماً مع الصراع السياسي والعسكري.

كما أظهرت المعطيات أن عقوداً من المكاسب التنموية محيت في أقل من سنتين في غزة بسبب حرب الابادة، وأن إعادة البناء ستتطلب عقوداً وتريليونات الدولارات، في وقت يستمر فيه الاحتلال الاسرائيلي في توسيع مستوطناته وهدم المنشآت الفلسطينية؛ وتقييد الحركة؛ وعدم الوصول إلى الموارد.

غير أن هذا الواقع القاتم في فلسطين لا يعني الاستسلام أو التخلي عن مشروع التنمية؛ فالشعب الفلسطيني أظهر، عبر عقود من الصمود، قدرة فائقة على التكيف والابتكار في أصعب الظروف؛ وتظل التنمية، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أداة مقاومة بامتياز، تعزز الصمود وتبني البدائل وتصنع الأمل في مستقبل أفضل؛ واخيراً، تظل التنمية المستدامة في فلسطين رهناً بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه ليست مجرد أمنية مستقبلية، بل ضرورة حاضرة وممارسة يومية في صمود شعب لا يريد إلا أن يعيش بحرية وكرامة على أرض آبائه وأجداده في فلسطين.

-المراجع:

· الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بيان صحفي بمناسبة اليوم العالمي للإحصاء، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
· هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تقرير الانتهاكات الاحتلالية السنوي 2025.
· تقرير الجزيرة نت، "غزو استيطاني والتهام واسع لأراضي الضفة خلال 2025"، 5 كانون الثاني/يناير 2026.
· مركز الاتصال الحكومي الفلسطيني، مشاركة فلسطين في المنتدى العالمي للحد من مخاطر الكوارث – جنيف 2025.
‏· UNCTAD, "Developments in the economy of the Occupied Palestinian Territory", Report 2025.
‏· UNCTAD, "Economic costs of the Israeli occupation for the Palestinian people", A/80/356, 29 August 2025.
‏· OHCHR, Joint Statement by UN Experts on First Anniversary of ICJ Ruling, 19 September 2025.
‏· Palestinian Prime Minister s Office, Gaza Recovery and Reconstruction Plan, October 2025.
‏· UNESCWA، "أثر الاحتلال على التنمية البشرية في فلسطين".
· ائتلاف أمان، تقرير الظل حول تنفيذ فلسطين للهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة، 7 مايو/أيار 2025.
· بنك فلسطين، سياسات الحوكمة وإدارة المخاطر.
· المخطط الوطني التنموي المكاني الشامل لدولة فلسطين 2050، وزارة التخطيط والتعاون الدولي.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي
- مذكرة واشنطن تحول سكان غزة لرهائن وكانتونات معزولة لخدمة إسر ...
- رنة في جيبك تسبق الموت بثواني-هواتف تنقذ 11 مليون شخص
- كذبة باع الفلسطينيون أرضهم -فيلم “إكسدس” الصهيوني شوه الحقائ ...
- كعب أخيل في مجلس سلام غزة الفاشل
- تفسير وتصحيح الأخطاء في المقررات الجنائية في نظام روما الأسا ...
- شيطنة قطر عبر نشر التقارير الاسرائيلية
- تركيا هي -إيران القادمة- في أجندة التوسع الإسرائيلي وفق المخ ...
- مصر بين مطرقة التوسع الإسرائيلي وسندان الأمن القومي- هل تكون ...
- القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضم ...
- حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد ...
- ما بعد نتنياهو-هل تختار إسرائيل الدولة الواحدة أم حل الدولتي ...
- -هولوكوست غزة- التي هزت تل أبيب- أزمة لوكاشينكو الدبلوماسية ...
- من كازينوهات القمار إلى شراء السياسة الأمريكية لدعم الإبادة ...
- التكيف مع التغيرات المناخية كخيار وجودي لحوكمة المياه
- تقنيات البلوك تشين لتوثيق الإبادة في غزة
- خزعبلات إيلون ماسك وزراعة شرائح في أدمغة البشر وتناقضات الضم ...
- استراتيجية العدالة التصالحية- عندما يتحول الخزي الاجتماعي إل ...
- آليات الحكامة المؤسسية وحماية الحقوق في فلسطين في ظل الاحتلا ...
- رسالة إلى حماس-إجماع منظمات حقوق الإنسان على إدانة الإعدامات ...


المزيد.....




- أمريكا تتوقع إعلان إيران فتح مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة.. ...
- تحقيق لـCNN: صور أقمار صناعية جديدة تكشف احتمال قيام إيران ب ...
- ترامب يهدد بإبادة إيران بالكامل في حال استهدافه
- الاستخبارات الوطنية الأمريكية تبدأ موجة جديدة من تقليص الوظا ...
- مساعد بوتين: يتزايد دور القوة البحرية في العالم اليوم بوتيرة ...
- قتيل بهجمات أوكرانية على سفن في بحر آزوف
- الدفاع الروسية: استهدفنا بضربات جماعية ليلا مواقع مرتبطة بال ...
- معلقا على العقوبات الأمريكية الأخيرة.. عراقجي: الحل يكمن في ...
- -رويترز-: تصنيع صواريخ -باتريوت- سيتم في ألمانيا وقد ينقل إل ...
- مباشر- ترامب: الولايات المتحدة -ستبيد بالكامل- إيران إذا تم ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين رغم بطش الاحتلال الإسرائيلي