|
|
حاجز ترابي اسرائيلي عملاق في غزة -جيش الاحتلال يعيد رسم الحدود من جديد
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 00:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حاجز ترابي اسرائيلي عملاق في غزة-جيش الاحتلال يعيد رسم الحدود من جديد
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
المقدمة في خضم الجمود الذي يعصف باتفاق وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة بعد عامين من الابادة الجماعية؛الذي تم في 10-اكتوبر2025، كشفت صور الأقمار الصناعية عن مشهد جديد يثير الرعب في نفوس الفلسطينيين، ويعيد إلى الأذهان كابوس "خط بارليف" الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس قبل عقود. فجأة، وبصمت وبوتيرة متسارعة، بدأت الجرافات الإسرائيلية في تشييد ساتر ترابي ضخم يمتد لعشرات الكيلومترات داخل القطاع، ليقسم غزة إلى شطرين ويعيد تشكيل خرائطها الميدانية.
هذا الحاجز الترابي الضخم، الذي تجاوز طوله 23 كيلومتراً أي ما يعادل أكثر من نصف طول قطاع غزة البالغ نحو 40 كيلومتراً، لم يعد مجرد إجراء أمني مؤقت كما تدعي دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل تحول إلى مشروع هندسي-عسكري يهدف إلى ترسيخ واقع جديد على الأرض الفلسطينية المحتلة، وتكريس تقسيم قطاع غزة إلى مناطق نفوذ، وفرض أمر واقع قد يغير حدود غزة إلى الأبد. فما حقيقة هذا الحاجز الترابي؛ وماذا كشفت صور الأقمار الصناعية عن أبعاده وتداعياته؛ ولماذا يخشى الفلسطينيون والعالم من أن يكون هذا الساتر الاسرائيلي الترابي مقدمة لخط بارليف جديد يقضي على أي أمل في وحدة القطاع أو عودة الحياة إلى طبيعتها.
-السؤال الإشكالي:
كيف يمكن لخط وقف إطلاق نار مؤقت، تم الاتفاق عليه كإجراء مرحلي لانسحاب القوات، أن يتحول في غضون أشهر إلى حاجز ترابي عملاق يعيد تشكيل جغرافية قطاع بأكمله؛ وإذا كانت إسرائيل تبرر بناء هذا الساتر بـ"الأغراض الأمنية" و"منع التسلل"، فلماذا يمتد لأكثر من 23 كيلومتراً ويعبر عبر أحياء سكنية فلسطينية مدمرة بالكامل؛ ولماذا تتجاوز الجرافات في بعض المواقع "الخط الأصفر" المتفق عليه، لتصل إلى عمق أحياء كانت مأهولة بالسكان الفلسطينيين؛ وإذا كان هذا الجدار قادراً على تغيير معالم غزة للأبد، فكيف يمكن للمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة المكلفة بمتابعة (اتفاق الهدنة)، أن تظل صامتاً أمام عملية "قضم أراضٍ فلسطينية في غزة" تحت غطاء أمني، تكرس ما يشبه خط بارليف جديداً على أرض فلسطينية؛ والأهم؛ هل نحن أمام مجرد تحصين عسكري مؤقت، أم أمام مشروع استيطاني-استراتيجي يهدف إلى تقسيم غزة إلى كانتونات معزولة، ودفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية خارج الوطن فلسطين.
أولاً: من "الخط الأصفر الوهمي" المؤقت إلى الحاجز الترابي الاسرائيلي الدائم في غزة.
ظهر "الخط الأصفر الوهمي" بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ 2025، كخط مؤقت لاعادة انتشار القوات الإسرائيلية، يحدد المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل (نحو 53% من مساحة قطاع غزة)، تمهيداً لانسحابها تدريجيا فيما من القطاع بعد عامين من الابادة الجماعية التي نفذتها دولة الاحتلال الاسرائيلي في غزة من اكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025 واسفر عنها قتل اكثر من 73 الف اغلبهم من النساء والأطفال؛وجرح اكثر من 173 ألف فلسطيني . لكن ما كان يفترض أن يكون إجراء مرحلياً كخط أصفر مؤقت، سرعان ما تحول إلى أداة لتغيير المعالم على الأرض الفلسطينية في غزة. فوفقاً لصور الأقمار الصناعية التي حللتها وكالات دولية ووسائل إعلام عالمية، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ فبراير/2026 في تشييد ساتر ترابي ضخم بمحاذاة هذا الخط الوهمي. غير أن الصور كشفت أن إسرائيل لم تكتفِ بالبناء داخل الخط الأصفر، بل دفعت به في بعض الأماكن إلى عمق أحياء مدينة غزة، ووضعت كتلاً خرسانية وتحصينات على الجانب الفلسطيني، ثم أعادت تحريكها لاحقاً متوسعة إلى مواقع أكثر تقدماً.
واللافت أن هذا المشروع الضخم جرى تنفيذه "بصمت وبوتيرة متسارعة بموافقة واشنطن ومجلس سلام غزة الفاشل"، حيث قفز طول مقطع من الساتر من نحو 500 متر فقط مطلع يوليو/2026 إلى أكثر من 2.4 كيلومتر خلال أيام. ويمتد الحاجز اليوم لأكثر من 23 كيلومتراً، ويفصل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية عن الكتل السكانية الأخرى. هذا التحول السريع يكشف أن إسرائيل كانت تعد لهذا المشروع منذ شهور، وأن ما يُقدم على أنه "إجراء أمني مرحلي" هو في الحقيقة مشروع هندسي استيطاني-عسكري منظم يهدف إلى ترسيخ واقع جديد على الأرض الفلسطينية، يعيد تشكيل الخريطة الميدانية لقطاع غزة ويُعمق تقسيمه الجغرافي.
ثانياً: صور الأقمار الصناعية ترسم صورة الكارثة
كشفت صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركات متخصصة ونشرتها وكالات دولية، عن حجم المشروع الهائل الذي يقيمه الاحتلال بصمت؛ فالحاجز الترابي لم يعد مجرد ساتر دفاعي على أطراف القطاع، بل أصبح شريطاً ترابياً عملاقاً يقطع مساحات واسعة من داخله. ووفقاً للصور، يمر هذا الساتر عبر مناطق كانت مأهولة سابقاً بالسكان الفلسطينيين الذي تم تهجيرهم قسراً، ويستند إلى مواقع اسرائيلية عسكرية جديدة أقيمت فوق أنقاض بلدات وقرى وأحياء سكنية بعد الابادة، خصوصاً في محيط مدينة رفح ومدينة خان يونس.
وتُظهر الصور أن أعمال البناء لم تتوقف منذ فبراير/2026، مع خطط لربط أجزاء الحاجز بمسار أطول يصل بين خان يونس ومدينة غزة، بما يؤدي إلى إنشاء شريط أمني واسع داخل القطاع. والأكثر إثارة للقلق، أن إسرائيل حددت مناطق محظورة جديدة على الفلسطينيين يمنع الوصول لها او التجول فيها، مما يعني أن الحاجز لا يقتصر على كونه خطاً دفاعياً، بل أصبح أداة للسيطرة على الحركة والتنقل، وتقييد حياة السكان في غزة. كما أظهرت الصور أن إسرائيل وسعت نطاق سيطرتها عبر نقل كتل إسمنتية صفراء ترسم ما يُعرف بالخط الأصفر الوهمي إلى عمق أحياء مأهولة بالفلسطينيين، في تأكيد على أن المشروع يتجاوز بكثير الاتفاقات الموقعة حول الهدنة ويسير باتجاة التهجير القسري لطرد الفلسطينيين من ارضهم في غزة.
ثالثاً: خط بارليف جديد في غزة- تشابه مقلق.
المقارنة التي أطلقها الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي ؛بين هذا الحاجز الترابي الإسرائيلي في غزة و"خط بارليف" الشهير في قناة السويس صحراء سيناء المصرية، ليست مجرد مبالغة إعلامية. فخط بارليف كان عبارة عن سلسلة من التحصينات والساتر الترابي الضخم الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس بعد حرب 1967، بطول 160 كيلومتراً، بهدف منع القوات المصرية من عبور القناة. ورغم الاختلاف في الحجم والامتداد، إلا أن التشابه في الفلسفة والأهداف مقلق،ففي كلتا الحالتين، تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى ترسيخ وجود عسكري دائم عبر حواجز مادية تجعل استعادة الأرض الفلسطينية أمراً بالغ الصعوبة.
وللإشارة ، لا يوجد فارق جوهري في أسلوب الإنشاء وتمركز الاحتلال؛ خط بارليف كان يُقام على أراضٍ محتلة خارج حدود إسرائيل المعترف بها من الأمم المتحدة، أما الحاجز الترابي في غزة فيُقام ايضا داخل أراضي قطاع غزة المحتلة، لكنه يقع على بعد كيلومترات من الحدود الدولية مع الفلسطينيين. وهذا يعني أن إسرائيل لا تكتفي بفرض منطقة عازلة، بل تعيد رسم الحدود الداخلية للقطاع، وتُخضع أكثر من نصف مساحته لسيطرتها الفعلية في خطة احتلال جديدة لغزة. كما أن الحاجز الترابي الجديد يأتي مزوداً بأنظمة مراقبة وتكنولوجيا متطورة، تجعله أشبه بحدود دولية دائمة وليست مجرد ساتر ميداني مؤقت. ومع جمود الهدنة وتمسك المقاومة في غزة برفض نزع سلاحها، تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي تعزيز وجودها العسكري، مما يُعمّق المخاوف الفلسطينية من أن ما يجري هو ترسيم حدود جديدة وعملية احتلال جديدة بالقوة العسكرية، وليس مجرد إجراءات أمنية مرحلية.
رابعاً: تداعيات الحاجز على الحياة اليومية للفلسطينيين في غزة.
النتيجة الأولى للساتر الترابي الاسرائيلي وتوسيع الخط الأصفر الوهمي؛ هي تقليص حركة السكان الفلسطينيين داخل غزة. فمع امتداد الحاجز لعشرات الكيلومترات، أصبح التنقل بين أحياء ومدن مختلفة محفوفاً بالمخاطر، خصوصاً مع استمرار القوات الإسرائيلية في إطلاق النار على أي شخص يقترب من المنطقة التي تسمى منطقة عازلة. وقد كشفت تقارير أن إسرائيل أجبرت نحو مليون فلسطيني على النزوح قسراً أمام آلياتها العسكرية، في مشهد يعيد إلى الأذهان مأساة التهجير القسري التي يتعرض لها الفلسطينيون منذ عقود من طرف الاحتلال الاسرائيلي.
وتعيش العائلات الفلسطينية على أطراف الخط الأصفر الوهمي في خيام مكشوفة، تواجه نيران الاحتلال التي لا تتوقف عن قتل الفلسطينيين ؛كما تواجه وضعاً إنسانياً بلغ مبلغاً لا يمكن تحمله من السوء والمعاناة وهندسة الجوع وعدم توفر مياة الشرب وقلة دخول المساعدات الإنسانية وتوقف تكيات الطعام عن العمل بسبب شح المواد الغذائية التي يمنع دخولها جيش الاحتلال الاسرائيلي لغزة؛في ظل هذا الواقع، يجد سكان غزة أنفسهم محاصرين بين جدار ترابي من جهة، وبحر من جهة أخرى، ومجال جوي وبري تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، مما يحول القطاع إلى سجن كبير مفتوح بمواصفات جديدة وأكثر إحكاماً وعقابا للفلسطينيين في غزة.
خامساً: صمت دولي مريب وتواطؤ أميركي
ربما كان أكثر ما أثار الدهشة في قضية الحاجز الترابي الاسرائيلي الضخم؛هو الصمت المطبق الذي واجهه من الأطراف الدولية المعنية بمتابعة اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. فلم يصدر أي تعليق من القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ولا من مجلس سلام غزة الفاشل؛ الذي يرأسه الرئيس الأميركي ترامب. هذا الصمت، في وقت تكشف فيه صور الأقمار الصناعية عن مشروع عسكري ضخم يعيد تشكيل جغرافية قطاع غزة ويجعل منها سجن كبير مفتوح، يطرح تساؤلات جدية حول دور الولايات المتحدة كراعية للاتفاق، وحول مدى جديتها في إلزام دولة الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ التزاماتها بالانسحاب التدريجي من غزة والعودة للحدود الدولية الطبيعية بين الطرفين.
ويبدو أن الإدارة الأميركية، المنشغلة بملفات إقليمية ودولية أخرى، تختار التغاضي عن هذه الانتهاكات الصارخة عمدا بسبب ضغط اللوبي الصهيوني ومنظمة ايباك، مكتفية بدور المراقب السلبي الذي لا يحرك ساكناً لما يحصل في غزة. وهذا التواطؤ الأميركي، المقصود أو غير المقصود، يمنح إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة مشروعها التوسعي الاحتلالي، ويدفع الفلسطينيين إلى اليأس من أي دور دولي حقيقي في حماية حقوقهم. وكما لاحظ المراقبون، فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي تستغل حالة الجمود السياسي وضعف الإرادة الدولية لترسيخ أمر واقع جديد على الأرض الفلسطينية في غزة، قبل أن تلوح في الأفق أي مبادرات سلام جادة يمكن أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
سادساً: هل غزة في طريقها إلى التقسيم الدائم
مع استمرار أعمال تشييد السواتر الترابية من طرف جيش الاحتلال الاسرائيلي، وتوسع منطقة "الخط الأصفر الوهمي" غرباً بشكل تدريجي في غزة، يبرز سؤال مصيري،"هل غزة في طريقها إلى التقسيم الدائم"؛ وبالطبع كل الإشارات التي تقدمها إسرائيل على الأرض الفلسطينية في غزة تبدو أكثر وضوحاً من أي تصريحات سياسية. فالحواجز الترابية الاسرائيلية لم تعد مجرد خطوط دفاعية مؤقتة، بل أصبحت تمثل فاصلاً مادياً بين شمال القطاع وجنوبه، وبين المناطق الساحلية والداخلية. ويعزز هذا التقسيم حالة من العزلة الجغرافية والسكانية، تجعل من الصعب إعادة توحيد قطاع غزة تحت إدارة فلسطينية موحدة في المستقبل.
والأكثر خطورة، أن هذا التقسيم يمنح دولة الاحتلال الإسرائيلي أداة للضغط على سكان غزة، حيث يمكنها التحكم في حركة التنقل بين المناطق، وفرض حصار على مناطق بعينها، وتجويع سكانها عبر عزلهم عن مصادر الغذاء والماء والدواء. ويتسق هذا المشروع مع التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول "المناطق العازلة" ؛و"السيطرة الأمنية" التي تريد فرضها على القطاع، والتي تهدف في جوهرها إلى تقليص مساحة غزة الصالحة للحياة، ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية خارج وطنهم فلسطين. إن تحويل "الخط الأصفر الوهمي" المؤقت إلى حاجز ترابي دائم، هو بمثابة إعلان غير مباشر عن نية إسرائيلية لتغيير حدود غزة للأبد، وتحويل ما تبقى من القطاع إلى كانتونات معزولة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية يذكرنا بما فعله النظام النازي بقيادة هتلر في المانيا.
-الاقتراحات:
1. تفعيل آليات المراقبة الدولية وفضح الانتهاكات الاسرائيلية. ينبغي للأمم المتحدة ومجلس الأمن أن يشكلا لجنة مراقبة دولية مستقلة، تتولى متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في 10–اكتوبر2025، ورصد أي انتهاكات إسرائيلية تتعلق بتوسيع "الخط الأصفر الوهمي" أو بناء حواجز ترابية داخل الأراضي الفلسطينية في غزة. على هذه اللجنة أن تنشر تقارير دورية توثق التغييرات على الأرض، وتكشف حجم التجاوزات الإسرائيلية للاتفاقات الموقعة، وأن ترفع هذه التقارير إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ الإجراءات اللازمة. كما ينبغي لمنظمات حقوق الإنسان الدولية، كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن تطلق حملات توثيق ميدانية وقانونية، لتجريم هذه الممارسات بوصفها محاولة لتغيير ديموغرافي وجغرافي لقطاع غزة بالقوة وتعتبر جرائم حرب.
2. ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية على إسرائيل. نناشد الدول العربية والإسلامية، وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية وقطر وتركيا، أن تتخذ موقفاً دبلوماسياً حازماً ضد هذه الممارسات الإسرائيلية، وأن ترفع الأمر إلى محافل دولية متعددة، كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، لتبني قرارات تدين بناء الحواجز الترابية وتعتبرها انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار. كما ينبغي للاتحاد الأوروبي، الذي يبدي حرصاً على مبدأ حل الدولتين في فلسطين، أن يلوح بفرض عقوبات دبلوماسية أو اقتصادية على إسرائيل في حال استمرارها في تغيير معالم الأرض الفلسطينية، وأن يعلق أي تعاون اقتصادي أو تكنولوجي مع الكيانات العسكرية المتورطة في هذا المشروع.
3. إشراك القيادة المركزية الأميركية في مسؤولياتها. بما أن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) هي الطرف المكلف بمراقبة وقف إطلاق النار في غزة منذ 10-اكتوبر2025، فإن على الإدارة الأميركية أن تفي بالتزاماتها وتطلب تفسيراً رسمياً من إسرائيل حول طبيعة هذا الحاجز الترابي وأهدافه، وأن تعلن بوضوح رفضها لأي محاولة لتغيير حدود القطاع أو تقسيمه. على الولايات المتحدة أن تدرك أن صمتها عن هذا المشروع يمنح دولة الاحتلال الإسرائيلي غطاءً لمواصلة انتهاكاتها، ويقوض مصداقيتها كوسيط نزيه في أي مفاوضات مستقبلية. كما ينبغي للكونغرس الأميركي أن يعقد جلسات استماع حول هذا الموضوع، ويدعو مسؤولي الإدارة لتوضيح موقفهم من هذه التطورات الخطيرة.
4. تعزيز الصمود الفلسطيني عبر مشاريع تنموية بديلة. في مواجهة محاولات التقسيم والعزل، ينبغي للسلطة الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني والجهات المانحة الدولية أن تطلق مشاريع تنموية طارئة تهدف إلى تعزيز صمود السكان في المناطق المهددة بالتقسيم، عبر توفير البنية التحتية الأساسية من مياه وكهرباء وصحة وتعليم، وربط هذه المناطق بشبكات تواصل بديلة لا تعتمد على التنقل البري الذي يعيقه الحاجز. كما ينبغي التركيز على مشاريع اقتصادية صغيرة تخلق فرص عمل وتقلل الاعتماد على المساعدات الإنسانية الدولية، مما يعزز قدرة السكان الفلسطينيين اصحاب الارض على البقاء في أراضيهم رغم محاولات التضييق والعزل الاسرائيلي.
5. التحرك القانوني لمقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية. نناشد هيئات الدفاع القانوني الفلسطينية والعربية، بالتنسيق مع محامين دوليين متخصصين في القانون الدولي الإنساني، أن يعدوا ملفاً قانونياً متكاملاً حول مشروع الحاجز الترابي الاسرائيلي في غزة؛وتوسيع الخط الأصفر، ليُقدّم إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، بوصفه انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على دولة الاحتلال إجراء تغييرات ديموغرافية أو جغرافية في الأراضي المحتلة. كما يجب أن يتضمن الملف الأدلة المادية من صور الأقمار الصناعية، وشهادات السكان الفلسطينيين، وتقارير المنظمات الحقوقية، لإثبات أن ما يجري في غزة ليس إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل هو مشروع استيطاني-عسكري يهدف إلى تغيير هوية قطاع غزة وحدوده للأبد.
ختاماً ، ما يجري في غزة اليوم، تحت غطاء "الخط الأصفر الوهمي" والحاجز الترابي الاسرائيلي العملاق، ليس مجرد إجراء أمني مؤقت أو تحصين عسكري مرحلي، بل هو إعادة رسم جيوسياسية للقطاع بأكمله، تهدف إلى تقليص مساحة غزة الصالحة للحياة، وتقسيم سكانها إلى كانتونات معزولة، وترسيخ واقع احتلالي دائم يصعب التراجع عنه. إن تحويل خط وقف إطلاق نار مؤقت إلى حدود ترابية دائمة، هو استهانة فاضحة بالاتفاقات الدولية وبإرادة الفلسطينيين، ومحاولة لفرض أمر واقع جديد بالقوة، في ظل صمت دولي مريب وتواطؤ أميركي واضح في ما يسمى مجلس سلام غزة الفاشل المنحاز لاسرائيل.
وإذا استمر هذا المشروع دون رادع، فسوف نشهد ولادة "غزة جديدة" لا تشبه غزة التي عرفناها، بل ستكون أشبه بمحميات معزولة تحت الحصار، يفصل بينها جدار ترابي ضخم يذكرنا بأسوأ ما أنتجته عقليات الحروب الباردة وخطوط التماس الدموية. من 500 متر إلى 2.4 كيلومتر في أيام، ومن 23 كيلومتراً إلى مشروع يطمح لربط مدينة خان يونس بمدينة غزة، إنها وتيرة تدق ناقوس الخطر، وتؤكد أن إسرائيل لن تكتفي بما أنجزته، بل ستواصل التوسع ما لم يواجهها العالم بموقف حازم.
آن الأوان لأن يفيق المجتمع الدولي من غفوته، ويدرك أن ما يُبنى اليوم بالجرافات في غزة، هو ليس مجرد تراب يُكدس، بل هو مستقبل شعب فلسطين بأكمله يُدفن تحت هذا التراب. فإما أن تتحرك الضمائر الحية اليوم لوقف هذا المشروع التوسعي، أو أن نجد أنفسنا غداً أمام واقع جديد رسمته جرافات الاحتلال، حيث تصبح غزة مجرد ذكرى في أذهان من عاشوا فيها، وأرضاً بلا حدود لمن بقي فيها. فغزة التي يحاول الاحتلال تقسيمها اليوم، ستظل واحدة في قلوب أحرار العالم، والجدران مهما علت لا تمنع الشمس من الشروق، ولا توقف نبض الحياة في قلوب الصامدين وسوف ينجلي الاحتلال من غزة كما خرج من سيناء؛وسوف يسقط المخطط الإسرائيلي كما سقط حائط برلين.
-المراجع:
1. شبكة الجزيرة، "بصمت وبوتيرة متسارعة.. الاحتلال يشيّد ساترا ترابيا ضخما داخل غزة" (21 يوليو 2026) . 2. شبكة الجزيرة، "إسرائيل توسع الخط الأصفر بغزة.. مليون فلسطيني تحت سيف التهجير القسري" (11 يوليو 2026) . 3. شبكة الجزيرة، "كيف تبدو غزة من الفضاء؟ صور توثق حجم الدمار بعد 1000 يوم من حرب الإبادة" (2 يوليو 2026) . 4. موقع مونت كارلو الدولية، "جدار ترابي جديد وتوسيع الخط الأصفر: إسرائيل تعيد رسم خريطة قطاع غزة ميدانيا" (22 يوليو 2026) . 5. موقع مباشر 24، تحليل صور الأقمار الصناعية لمشروع الحاجز الترابي الإسرائيلي . 6. وكالة أسوشيتد برس، تقرير حول الحاجز المادي الذي أقامه الجيش الإسرائيلي بمحاذاة الخط الأصفر (يوليو 2026) . 7. صحيفة المدى، "مخاوف من تحول الحاجز الترابي الأمني الإسرائيلي في غزة إلى خط بارليف جديد" . 8. ويكيبيديا، "الخط الأصفر (غزة)" . 9. ويكيبيديا، "خط بارليف" . 10. موقع فيتو، "إسرائيل تقسم غزة إلى نصفين بحاجز ترابي ضخم (صور)" .
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اسرائيل المستفيد الاول من الحرب ضد ايران وقصف القواعد الأمري
...
-
الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأداء المهني للصحفيين في العال
...
-
الطعن بالإلغاء في قرار الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية ا
...
-
تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين رغم بطش الاحتلال الإ
...
-
عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي
-
مذكرة واشنطن تحول سكان غزة لرهائن وكانتونات معزولة لخدمة إسر
...
-
رنة في جيبك تسبق الموت بثواني-هواتف تنقذ 11 مليون شخص
-
كذبة باع الفلسطينيون أرضهم -فيلم “إكسدس” الصهيوني شوه الحقائ
...
-
كعب أخيل في مجلس سلام غزة الفاشل
-
تفسير وتصحيح الأخطاء في المقررات الجنائية في نظام روما الأسا
...
-
شيطنة قطر عبر نشر التقارير الاسرائيلية
-
تركيا هي -إيران القادمة- في أجندة التوسع الإسرائيلي وفق المخ
...
-
مصر بين مطرقة التوسع الإسرائيلي وسندان الأمن القومي- هل تكون
...
-
القلم والكاميرا في غزة – مهنة الصحافة بين قوانين الحماية وضم
...
-
حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين أم استمرار نظام الأبارتهيد
...
-
ما بعد نتنياهو-هل تختار إسرائيل الدولة الواحدة أم حل الدولتي
...
-
-هولوكوست غزة- التي هزت تل أبيب- أزمة لوكاشينكو الدبلوماسية
...
-
من كازينوهات القمار إلى شراء السياسة الأمريكية لدعم الإبادة
...
-
التكيف مع التغيرات المناخية كخيار وجودي لحوكمة المياه
-
تقنيات البلوك تشين لتوثيق الإبادة في غزة
المزيد.....
-
دعوات لتطبيق تأشيرة السفر الإلكترونية في مصر.. كيف تتأثر الس
...
-
جنرال أمريكي متقاعد عن حرب إيران: -علينا إما أن ندخل ونقاتل
...
-
الجيش الإسرائيلي ينشر لقطات لتدمير مسار تحت أرضي تابع لحماس
...
-
لو خُيّرت بين 50 ألف جنيه مضمونة وفرصة للفوز بمليون جنيه، فأ
...
-
الحرب مع إيران تدخل مرحلة أكثر تعقيداً.. هل يصعّد ترامب أم ي
...
-
مع اقتراب الانتخابات.. مسؤولون إسرائيليون يتهمون تركيا بمحاو
...
-
الزيدي يوجه بالتحقيق في استهداف السعودية بمسيرات انطلقت من ا
...
-
ترامب: مخزونات الذخائر الأمريكية وفيرة رغم منح بايدن كميات ك
...
-
موقع: أوكرانيا باشرت باستخدام صواريخ هولندية مجنحة طراز روتا
...
-
بيسكوف: هناك اتصالات لاستعادة عمل تطبيق -تلغرام- في روسيا
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|