أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة














المزيد.....

اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 16:28
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة:

في حجرةٍ مُظلمة، لا يُنيرها إلا مصباحٌ باهتٌ يتأرجحُ بين الخوف والحقيقة، جلسَ المحققُ خلفَ طاولته الخشبية الثقيلة، ينظرُ إلى أصفادٍ تحيطُ بمعصمي رجلٍ ستينيّ، غارتْ عيناه واستقرتْ في قاعيهما ظلمةٌ كأنها بقايا رماد.
ألقى المحققُ ملف القضية جانباً، وتنفسَ بحسرةٍ تعكسُ ضيقَ الصدر، ثم قال بنبرةٍ هادئة تتسربُ منها الحرقة:
— المحقق: "تجلسُ أمامي اليوم ويدَاكُ مكبلتانِ بالحديد، لكنك كبلتَ أرواحاً لا حصر لها بالسلاسل الخفية. أخبرني... كيف يُصبحُ الإنسانُ سكيناً يُذبحُ بها الأبرياء؟"
رفعَ الساحرُ رأسهُ ببطء، وابتسامةٌ باهتة تُشبهُ نعيقَ البوم تطفو على شفتيه، وقال بصوتٍ خشنٍ يُشبهُ احتكاك الحصى:
— الساحر: "لم أكن سكيناً يا سيدي... كنتُ فقط مرآةً أريتهم فيها بشاعةَ نفوسهم. أتعجبُ منّي؟ بل عجبي كلّهُ من أبناء جلدتك! أنا لم أطرق بابَ أحد، هم من زحفوا إلى جحري. يأتونني يحملون الحقد في أكمامهم كما يحملُ الحطابُ فأسه لقطعِ الشجر الأخضر."

سكتَ المحقق لحظة، ثم أشار إلى ورقةٍ بين يديه وسأل:

— المحقق: "تقولُ الحساباتُ إنك تقاضيتَ الملايين، عشرات الملايين لتدميرِ حيواتٍ لا ذنب لها... ألهذا الحدّ أصبحت الأرواحُ رخيصةً في سوقِ تجارتك؟"

تنهد الساحرُ وسندَ ظهرهُ إلى الكرسي، متلألئةً في عينيه نظرةُ الذهول:

— الساحر: "الثمنُ لم يكن لي وحدَه، فالظلمةُ لها طقوسُها وثمنُها الغالي. لكن ما كان يذهلني حقاً ليس المال... بل السقوط! كنتُ أطلبُ من بعض النساء أفعالاً يأنفُ منها الشرف، وأطلبُ من بعض الرجال ما يستحي منهُ قومُ لوط، أختبرُ به حدودَ خستهم... فما وجدثُ حدوداً! كانوا يُضحّون بأعراضهم وأخلاقهم نكايةً بأخٍ، أو حسداً لجار، أو شفاءً لغلٍّ يأكلُ صدورهم."

اقترب المحققُ بجسدهِ نحو الطاولة، وسألهُ بنبرةٍ حادة:

— المحقق: "وتلك العائلة؟ أطفالهم، ونساؤهم؟ ذلك الفتى الذي قضى في الحادث... وتلك الشابة التي أكلَ المرضُ جسدَها الغضّ ولم تُجدِ معها الملايينُ نفعاً؟ كيف نمتَ وتلك الدماء في رقبتك؟"

أطرق الساحرُ رأسه إلى الأرض، وصمت كأنما يستحضر أرواحاً صنعتها يداه، ثم زمّ شفتيه وقال:
— الساحر: "جاءتني الأقربُ فالأقرب... أتعلم يا سيدي أن أشدّ السهام سمّاً هي التي تُرمى من داخل الدار؟ أتتني امرأةٌ تحملُ غيرةً سوداء من ابنةِ عمها، طلبت أن أرسل لجسدها ذبولاً لا يُشفى، فصار الكيماويُ يأكل شبابها وما ينفع. وجاءني آخر يُبغضُ نِعمةً في بيتِ أقربائه، فما هدأ حتى رأى ابنهم تحت التراب في حادثٍ مروع... أنا غيمَةٌ مسمومةٌ نعم، لكنهم هم من استسقوا المطر!"

صدم المحقق الكلمات، وضغط على قبضة يده حتى أبيضّت مفاعلها، وقال بأسى:

— المحقق: "أيُ زمانٍ هذا الذي نعيشه؟ يأكلُ الناسُ بعضهم بعضاً باسم القربى، وينسجون خيوطَ الموتِ لمن يشاركونهم الدم والمأكل! هل تحولتم جميعاً إلى وحوشٍ أشدّ ضراوةً من أبالسة الجحيم؟ إن عقابك عند الله وعند القانون كبير، ولكن عقاب من جاءوك وسعَوا في خرائب الديار أكبر وأعظم... إنكم جميعاً قاتلون، قتلتُم الإنسانية قبل أن تقتلوا الأجساد."

نظر الساحرُ إلى الأصفادِ في يديه، ولأول مرةٍ بدت نبرته خاليةً من التحدي، مملوءةً بذهولٍ غريب:

— الساحر: "كنتُ أظنُ أنني أستدرجهم إلى الهلاك... فاكتشفتُ أنهم كانوا ينتظرون فقط من يدلّهم على الطريق. جنّ جنونُ البشر يا سيدي... والغيرةُ إذا سكنت نفساً خاوية، صنعت ساحراً في كلّ بيت."

سادَ الصمتُ الحجرة، ولم يُسمع إلا صوتُ سحبِ الساحرِ إلى محبسه، بينما جلس المحققُ وحيداً، يتأملُ الملفات المفتوحة أمامه، متسائلاً في سرّه: "أيُّ سحرٍ هذا الذي يمتلكه الحسدُ ليحيلَ ذوي القربى إلى أعداء، والقلوبَ إلى مقابر؟"



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنوار العشق الإلهي: حين يكون الحبُّ طريقاً للخلود
- المارد الصبور يخرج عن صمته: هل انتهى عصر -الضبط الاستراتيجي- ...
- صَخْرَةُ البَارّ... وَعَاصِفَةُ الجَوْر
- بين وهم -أهل السلطة- وحقيقة المقاومة: تفكيك مغالطة إدارة الح ...
- بين ساحات الوطن وفنادق الرياض: عندما ينقلب المنطق وتضطرب الم ...
- كرة القدم بين المستطيل الأخضر ومحاكمة التاريخ: قراءة في انقس ...
- الذكاء الاصطناعي بين إغراء النمو وكابوس البطالة: هل نصنع الا ...
- جدران السياسة وسهم المنون: قراءة في ثنائية السلطة والرحيل ال ...
- ازدواجية المعايير الدولية: لماذا يُحاكم الإسلام بجرائم الأفر ...
- النصل والملعب الاخضر
- تصعيد بلا سقوف: قراءة في سيناريوهات المواجهة المباشرة بين إي ...
- وقفة مع السيد علي السيستاني2
- وقفة مع السيد علي السيستاني
- جنازة عابرة للقارات: مئة مليون مشيّع في وداع -مهندس الخراب
- رسالة مفتوحة (جداً) إلى سيادة المسؤول
- بين -صولة الفجر- وكواليس -المخرج المنفذ-.. هل يصدق المشهد ال ...
- حصانة الخمس نجوم-.. حين يطالب السارق باعتذار من الضحية!
- في مَشارِفِ التَّحوّلِ: قِراءةٌ في جَدليَّةِ الوعيِ وبِناءِ ...
- كربلاء بين النهج واللافتة: مفارقة الدم والمغنم في مشهد الصرا ...
- زلزال التشييع وفلسفة الهوية.. عندما تُحطّم كربلاء والنجف أصن ...


المزيد.....




- بعد عقدين من الإعلان عنه.. جوجنهايم أبو ظبي يفتح أبوابه في د ...
- فنان مصري يثير الجدل بين متابعيه بصورة غامضة على انستغرام
- دراسة: ربع الروس ينفقون حتى 5000 روبل على الفعالية الثقافية ...
- صراع السينما والتكنولوجيا.. هل ينجح ذكاء ماسك الاصطناعي في ه ...
- متحف بوشكين في موسكو يعرض كنوز الشارات والرموز الإمبراطورية ...
- شهد برمدا تفتح صفحة جديدة بأغنية عن القوة بعد الخذلان
- مصر.. الفنان أحمد عز يرضخ للقضاء قبل حسم قضيته مع زينة
- نسخة مقرصنة من -الأوديسة- تحصد ملايين المشاهدات على منصة X
- فنانو الحبال العالية يعبرون كابلات فوق وادي هنوم في القدس
- قلق روسي من سرقة مشروع ترميم قوس النصر في تدمر بعد تعليق الع ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة