حيدر حسين سويري
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 00:10
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لم أقلد السيد علي السيستاني اعتباطاً، أو جرياً مع الشياع المتحقق بعد عام 2003م، بل كان تقليدي لهُ عن علمٍ ودراية شخصية بمبانيه الفقهية، منذ تسعينيات القرن الماضي بعد استشهاد السيد أبو القاسم الخوئي؛ أحترم هذا الشخص ليس كمقلد، بل كونهُ مفكراً ومجدداً اختلف عن باقي فقهاء المسلمين فضلاً عن فقهاء الامامية. وعتبي على تلاميذه لا سيما أصحاب المنابر والخطب أنهم لم يبينوا للناس فكرهُ ومواقفه تجاه الاحداث العامة وآراءه الفقهية التي اختلف فيها عن أقرانه من الفقهاء فضلا عمن سبقوه. سأشرح هما موضوعين مهمين جداً كي لا يغتش الناس ببعض المتمرجعين بعد موت السيد السيستاني أطال الله عمره...
أولاً: شرح قاعدة الالزام عند السيد علي السيستاني
تُعد قاعدة الإلزام من القواعد الفقهية المهمة في الفقه الإسلامي، ومضمونها الإجمالي يتلخص في: "إلزام الطرف الآخر (من غير الإمامية) بما يلتزم به في مذهبه أو معتقده من أحكام، وترتيب الآثار التي تصب في مصلحة الشيعي، حتى وإن كان ذلك الحكم باطلاً في الفقه الجعفري". ولكن عند السيد علي السيستاني، تخضع هذه القاعدة لتأصيل علمي دقيق ومختلف عن المشهور؛ حيث أجرى عليها تعديلاً وتضييقاً جوهرياً، واستبدلها أو دمجها بما يُعرف بـ "قاعدة الإقرار والمقاصة النوعية". وإليك شرح هذه القاعدة بالتفصيل وفقاً لمباني ورأي السيد السيستاني:
1. كيف يرى السيد السيستاني "قاعدة الإلزام"؟
المشهور بين الفقهاء يرى جريان "قاعدة الإلزام" بصورة عامة ومطلقة بمجرد اختلاف المذهب. أما السيد السيستاني، فيناقش السند الدلالي للروايات المطلقة لقاعدة الإلزام ويذهب إلى تضييقها. ويرى أن تطبيقها الفعلي يجب أن يُبنى على "المعاملة بالمثل" أو "المقاصة النوعية".
معنى المقاصة النوعية عنده:
إذا كان مذهب الطرف الآخر نافذاً وقانوناً سارياً يُفرض على الشيعة ويُؤخذ منهم بموجبه (أي لو عكسنا الحالة لطبّقوا حكمهم علينا وأخذوا منّا مالاً أو حقاً)، فهنا يحق للشيعي معاملتهم بالمثل وأخذ الحق منهم بناءً على مذهبهم. أما إذا كانوا لا يفرضون مذهبهم على الشيعي، ويعاملونه وفق مذهبه الجعفري، فلا يحق للشيعي إلزامهم بما يعتقدون لمجرد كسب منفعة شخصية.
2. أبرز تطبيقات القاعدة وموقف السيد السيستاني منها:
أ. مسائل الطلاق (وهي المورد الأبرز فقهياً) الحكم العام: يشترط مذهب الإمامية في صحة الطلاق شروطاً صارمة (مثل: حضور شاهدين عدلين، وأن تكون المرأة في طهر لم يواقعها فيه). بينما لا تشترط بعض المذاهب الأخرى هذه الشروط.
التطبيق: إذا طلّق رجل غير إمامي زوجته طلاقاً فاقداً للشروط الجعفرية (مثلاً: طلقها دون شهود، أو طلقها ثلاثاً في مجلس واحد)؛ فإن هذا الطلاق باطل في فقهنا وصحيح في فقهه. رأي السيد السيستاني: يجوز للرجل الشيعي (إقراراً للمطلق على مذهبه) أن يتزوج من هذه المرأة المطلقة بعد انقضاء عدتها. كما يجوز للمرأة نفسها (إذا كانت إمامية وطلقها زوجها غير الإمامي هكذا) أن تتزوج بآخر تماشياً مع صحة الطلاق في مذهبه.
ب. مسائل الميراث (التعصيب)
المشكلة: في مذهب الإمامية لا توجد قاعدة "التعصيب" (أي إعطاء بقية الإرث للعصبة كالأخ والعم إذا لم يكن للميت إلا بنت واحدة؛ بل تأخذ البنت المال كله فرضاً ورداً). بينما يرى غير الإمامية إعطاء الفائض للعصبة. رأي السيد السيستاني (تطبيق المقاصة النوعية): لو مات شخص غير إمامي وترك بنتاً وأخاً شيعياً. بموجب مذهب الميت، يذهب نصف المال للبنت والنصف الآخر للأخ الشيعي (بالتعصيب).
هنا يفصّل السيد السيستاني:
يجوز للأخ الشيعي أخذ هذا المال بشرط المعاملة بالمثل؛ أي لو كان العكس هو الحاصل (الميت شيعي وترك بنتاً شيعية وأخاً غير شيعي) وكان قانون البلد أو مذهبهم يفرض أخذ المال من البنت الشيعية وإعطائه للأخ، فهنا يجوز للأخ الشيعي الأخذ تطبيقاً للمقاصة النوعية.
ج. إرث الزوجة من الأرض
المسألة: لا ترث الزوجة في مذهب الإمامية من أعيان الأرض (ترث فقط من قيمة البناء والأشجار)، بينما ترث عند المذاهب الأخرى من ذات الأرض عيناً وقيمة.
رأي السيد السيستاني:
إذا كانت الزوجة إمامية وتوفي زوجها غير الإمامي، يجوز لها أخذ نصيبها من عين الأرض والأبنية. والشرط هنا أيضاً هو نفوذ مذهبهم على الشيعة في مثل هذه المعاملات (المعاملة بالمثل).
2. شروط تطبيق القاعدة عند السيد السيستاني
صاغ السيد السيستاني قيوداً واضحة لضمان عدم استغلال هذه القاعدة بطريقة غير شرعية: الالتزام الفعلي للطرف الآخر: يجب أن يكون الطرف الآخر مؤمناً وملتزماً بالمذهب أو القانون الذي يُراد إلزامه به. شرط المقاصة والمعاملة بالمثل: وهي النقطة الجوهرية التي تميز مبنى السيد السيستاني؛ حيث يربط في الكثير من المعاملات المالية إمكانية الأخذ بوجود حيف أو قانون نافذ يفرضه الطرف الآخر لو كانت القضية مقلوبة. ألا تؤدي إلى ارتكاب محرم ذاتي: لا تشرع القاعدة ارتكاب ذنب مطلق كالكذب أو شهادة الزور.
خلاصة: السيد السيستاني يقرّ بـ "قاعدة الإلزام" في موارد النكاح والطلاق تيسيراً وتسهيلاً (تحت باب الإقرار)، ولكنه في المعاملات المالية يضيقها ويشترط لتطبيقها تحقّق عنوان "المقاصة النوعية والمعاملة بالمثل".
ثانياً: المال العام
ما هو رأي السيد السيستاني بالمال العام؟
يتلخص رأي المرجع الديني السيد علي السيستاني بالمال العام (أموال الدولة وممتلكاتها) في قاعدتين حاسمتين: الحرمة الشديدة للتصرف بها بغير وجه حق، وعدم جواز تملّكها أو سرقتها تحت أي ذريعة. تنقسم رؤيته الفقهية وتفاصيل فتاواه حول المال العام إلى المحاور الأساسية التالية:
1. الحرمة المطلقة للسرقة والاختلاس
يفتي السيد السيستاني بـحرمة سرقة أموال الدولة أو الاستيلاء عليها، بغض النظر عن طبيعة هذه الدولة أو نظامها الحاكم، وسواء كانت عادلة أم جائرة، وسواء كانت مسلمة أم غير مسلمة. لا يرتضي سماحته أي مبرر يستعمله البعض لسرقة المال العام (مثل القول بأن "الدولة لا تعطي الشعب حقه" أو "أنني لا آخذ استحقاقي الفعلي من الراتب")، ويعتبر كل ذلك كسباً محرماً ويجب إرجاعه.
2. ممتلكات الدوائر والاستخدام الشخصي الممتلكات العينية: يحرم التصرف في ممتلكات الدولة والأجهزة الحكومية (كالسيارات، الهواتف، الطابعات، القرطاسية، وحتى النباتات والشتلات في الحدائق العامة) في الأغراض الشخصية إلا بإذن رسمي صريح من الجهة المسؤولة بحسب القانون.
السكن في عقارات الدولة:
يحرم السكن أو الاستيلاء على البنايات أو الأراضي التابعة للدولة (كالعقارات الحكومية السابقة أو الحالية) دون الحصول على إذن رسمي من الجهة القانونية المختصة.
3. توضيح اللبس حول مصطلح "مجهول المالك"
يدور في الأوساط الفقهية والشعبية نقاش حول تصنيف أموال الدولة على أنها "مجهولة المالك". ويستغل البعض هذا المفهوم كذريعة لإباحة سرقتها. يوضح السيد السيستاني هذا اللبس بدقة: مجهول المالك هو مصطلح فقهي للأموال التي لها مالك محدد لكن لا يمكن معرفته أو الوصول إليه، وتختلط بالأموال العامة في بعض الحسابات والدوائر.
حكمه الفقهي: لا يعني هذا المصطلح أبداً أن المال مباح للاستيلاء المجاني. بل على العكس؛ المال مجهول المالك لا يجوز التصرف فيه إطلاقاً إلا بمراجعة الحاكم الشرعي (المرجع الفقهي) والحصول على إذن خاص منه. والمرجع لا يمنح الإذن بالاستيلاء على هذه الأموال أو نهبها، بل يأذن فقط في موارد محددة تخدم الصالح العام وتتوافق مع القوانين والوظائف الرسمية (مثل قبض الرواتب والمستحقات القانونية للموظفين).
4. كسب المال بطرق غير قانونية (الوظائف الوهمية والرشوة)
الفضائيين (الوظائف الوهمية): يفتي بحرمة أخذ راتب من الدولة دون الحضور الفعلي وأداء الواجب الوظيفي المكلف به المكلف.
الرشوة وتسهيل المعاملات: يحرم دفع أو استلام الرشوة في الدوائر الحكومية لتمرير معاملات غير قانونية أو تجاوز حقوق الآخرين.
بقي شيء...
أفهموا السيد السيستاني كي لا تقعوا في مكائد المتمرجعين، فأحدهم لديه حزب سياسي ومشارك في الحكومة وله وزارة أو أكثر في كل الحكومات المتعاقبة، حيث يرى هذا المتمرجع أن المال العام هو مال مجهول المالك وليس مال الشعب! فانتبهوا...
إبطال ذريعة "مجهول المالك":
تاريخياً، كان هناك نقاش فقهي قديم يصنف أموال الدول (خاصة غير الشرعية أو الجائرة) بأنها "مجهولة المالك". استغل بعض ضعاف النفوس أو المؤدلجين هذا العنوان لتبرير سرقة ممتلكات الدولة أو المال العام باعتباره "بلا مالك حقيقي".
موقف السيد السيستاني هنا حاسم: تصنيف المال كونه "مجهول المالك" لا يعني أبداً إباحة سرقته أو الاستيلاء عليه. بل إن التصرف بـ "مجهول المالك" يتطلب إذناً خاصاً من الحاكم الشرعي (المرجع)، والسيد السيستاني لا يعطي إذنًا لأحد بتملك هذه الأموال أو سرقتها، بل يأذن فقط في استلام الرواتب والمستحقات القانونية الرسمية.
احترام النظام العام وحرمة الفوضى: يؤكد السيد السيستاني أن أموال الدولة هي ملك لعامة الشعب (الجيل الحالي والأجيال القادمة)، وأن التعدي عليها يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام والهرج والمرج، وهو أمر محرم شرعاً بالضرورة.
سد الطريق على مروجي "الشرعنة":
محاولات إيجاد "غطاء شرعي" أو "مخرج فقهي" لنهب المال العام، أو الالتفاف على القوانين تحت مسميات شتى، هي محاولات باطلة ومرفوضة جملة وتفصيلاً في فقه المرجعية العليا. فالتصرف بالمال العام مقيد بالضوابط القانونية الرسمية التي تصب في مصلحة الجميع، وأي تجاوز عليها هو سحت ومحرّم تجب توبته وإرجاع المال إلى خزينة الدولة.
#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟