أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - غزل ورقيّة — حكاية من الزمن القبيح














المزيد.....

غزل ورقيّة — حكاية من الزمن القبيح


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 03:11
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة جداً:

في موسم الحج، حين كانت شاشات التلفاز تمتلئ بصور الحجاج وهم يرمون الجمرات، وقف الشيخ العجوز “سلمان” وسط زقاق ضيق في بغداد وقال بحسرة:
“الناس تروح ترجم الشيطان هناك… بس الشياطين الحقيقية ظلّت هنا.”
ضحك الرجال الجالسون بالمقهى بمرارة، لأن الجميع يعرف أن الشيطان لم يعد مخلوقًا خفيًا بقرنين وذيل، بل صار يرتدي بدلة رسمية أحيانًا، أو عباءة دين، أو حتى وجه قريبٍ من العائلة.
كان العراق في تلك السنوات يشبه بيتًا قديمًا تُرك بابه مفتوحًا لكل الذئاب.
بعد دخول العراق الكويت وفرض الحصار واندلاع حرب عاصفة الصحراء، تلتها عذابات العصابة الحاكمة، ثم جاءت الضربة القاضية (حرب السقوط 2003)، تغيّرت الوجوه، تغيّرت القلوب، تغَّير كُل شيء، وصار الخوف يسكن داخل البيوت بدل الشوارع. وقصص الرعب أكثر من أن تحصى...
في حيٍّ فقير، كانت تعيش الطفلتان: غزل ورقيّة.
طفلتان تلعبان بالطين، تحلمان بدراجة هوائية، وبعيدٍ لا يوجد فيه صراخ ولا فقر.
غزل كانت تؤمن أن خالها رجل طيب.
كان يشتري لها الحلوى أحيانًا، ويضحك بوجهها.
أما رقيّة، فكانت تخاف من نظرات الكبار دون أن تعرف السبب.
لكن في ذلك الزمن، لم يعد الوحش يأتي من الغابة…
بل من داخل العائلة نفسها.
كانت أمّ غزل غارقة بالفقر والخذلان، وأمّ رقيّة غارقة بعلاقات مظلمة وأنانية عمياء.
وفي ليلة خانقة، اجتمع ثلاثة رجال داخل مقهى شعبي، يتبادلون الضحكات والسجائر، بينما الشيطان يجلس بينهم كصديق قديم.
اتفقوا على جريمة.
ليس لأنهم جائعون…
بل لأن أرواحهم ماتت منذ زمن.
اتصل الخال بأختهِ وقال بخبث:
“نسيت أعطي غزل فلوس… خليها تطلع تشتري.”
خرجت غزل مع رقيّة، تظنان أنهما ذاهبتان لشراء الحلوى.
كانت السماء تميل للغروب، والشارع خاليًا إلا من كلابٍ تنبش القمامة.
ثم اختفتا.
في مكان مهجور خارج المدينة، سقط آخر قناع للإنسان.
تحوّل الرجال إلى وحوش، بلا رحمة، بلا شرف، بلا خوف من الله.
صرخت غزل كثيرًا…
لكن العراق في زمن السقوط لم يعد يسمع صراخ الأطفال.
وحين انتهوا من جريمتهم، حاولوا دفن الحقيقة مع الجسد الصغير.
أما رقيّة، فقد تُركت حيّة، لا رحمةً بها… بل لتعيش عمرًا كاملًا داخل سجن الرعب.
عادت الطفلة وهي لا تتكلم.
عينان فارغتان، وصوت مات قبل أن يخرج.
قال الأطباء إنها “صدمة”.
لكن الحقيقة كانت أكبر من كلمة.
كانت روحًا مكسورة رأت الوجه الحقيقي للعالم.
وفي اليوم التالي، امتلأت مواقع التواصل بالغضب.
الناس تلعن المجرمين، تشتم الزمن، تبكي على العراق.
لكن الشيخ سلمان عاد للمقهى وقال بصوت مرتجف:
“المشكلة مو بجريمة وحدة… المشكلة إن الناس تعودت.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“زمان، الأب كان أمان… الخال ستر… الجار سند…
اليوم صار الطفل يخاف من أقرب الناس إله.”
رفع رأسه نحو السماء، حيث كانت طائرة تقلّ الحجاج تعبر بعيدًا، وقال:
“مو كل من رمى حجر على الجمرات صار طاهر… بعضهم ترك شياطينه تأكل الوطن وترجعله بعد الحج.”
في تلك الليلة، حلمت رقيّة بحقلٍ واسع، تركض فيه غزل وهي تضحك.
كانت ترتدي فستانًا أبيض وتحمل بيدها وردة.
سألتها رقيّة:
“ليش تركتيني وحدي؟”
ابتسمت غزل بحزن وقالت:
“حتى تكبرين وتحجين… لأن السكوت خلّى الوحوش تكبر.”
استيقظت رقيّة تبكي.
أما بغداد…
فبقيت مستيقظة هي الأخرى، تعدّ ضحاياها بصمت، وتنتظر يومًا يعود فيه الإنسان إنسانًا من جديد.



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يطگ بارود اسمك يالزيدي
- جي بي اس
- تداعيات انتخابات اتحاد الكرة العراقي 2026
- قُبلةٌ طائرة
- محافظة بابل وتلكؤ المشاريع
- القاعدة الاشرائيلية... خيال أم واقع؟
- العراقية... إسمي حسن
- صراع اللانهاية
- العراقية... إلى أين؟!
- قصيدة (الاحمق)
- آلية الشيطان للسيطرة على الانسان
- المعلم وأزمة السكن
- تناقضات زنكَلاديشية
- الانتخابات سبب الفساد
- صوتك يهدم
- المتهم بريء أم مدان؟!
- ورطة معلم
- لا للانتخابات، لا للتوازن السياسي
- اقطاعنا الجديد
- قصيدة (زينب)


المزيد.....




- عام نجيب محفوظ.. كيف تستعيد القاهرة ذاكرة -ابن البلد- بعد عق ...
- بعد جدل حفله بالتزامن مع حرائق الجزائر.. الشاب خالد يرد بفيد ...
- الثقافة تنفي إلغاء منحة الأدباء والصحفيين وتؤكد مواصلة المسا ...
- سوريا.. الفنانة والنائبة لاذقاني تبكي أمام مجسّم سجن صيدنايا ...
- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - غزل ورقيّة — حكاية من الزمن القبيح