أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - صَخْرَةُ البَارّ... وَعَاصِفَةُ الجَوْر














المزيد.....

صَخْرَةُ البَارّ... وَعَاصِفَةُ الجَوْر


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 21:09
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة:

في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ من الشَّرفِ والأصالة، ضجَّت جنباتُه بعقودٍ من صخبِ البنينَ وزقزقةِ الأحفاد. لم يكن مجرّدَ مأوىً للرؤوس، بل كان ينبوعاً زاخراً بالحياة؛ يُعانقون فيه الثَّرى فَيُخرجُ لَهُم تِبرَهُ، وتدورُ فيهِ تروسُ الصِّناعةِ وتُنشرُ البيوع، حتى غدت خبرتُهم أسطورةً تُتلى على ألسنةِ الرُّكبان.
غيرَ أنَّ هذا العِزَّ المنيفَ أورثَ الضَّغينةَ في قلوبِ **"عُصاةِ النَّظام"**، أولئك الذين اتَّخذوا من المَقْمَعةِ شِعاراً ومن المَكْسِ دِيناً. أرادوا إخضاعَ الصَّرحِ وجبايةَ الإتاواتِ قسراً، لكنَّ أهلَ البيتِ صَدُّوهم بكبرياءٍ أصيل. وحينَ خابت الحِيلةُ السَّافِرة، نسَجَ الطُّغاةُ حبائلَ المَكرِ؛ فادَّعوا المَبَرَّةَ وحُسنَ الجوار، وأنشَؤوا داخلَ الدَّارِ بؤرةً للخديعةِ تحتَ مُسمَّياتٍ شَتَّى، لِيتخلَّلوا بها جُدرانَ الخَفاء.
خِيانةُ الرَّحِمِ والانقِضاض
ولأنَّ الشَّرَّ لا يطرقُ باباً إلا وجدَ فيهِ مَنفذاً، نَغِلَ قلبُ أحدِ الأبناءِ؛ فكانَ فرعاً نَكِداً وعاقّاً، أعمَى سِدرَهُ الطَّمعُ ووسوَست له شَياطينُ النَّظام. وفي ليلةٍ لَيلَكِيَّةِ السَّواد، شَهرَ خِنجرَ الغَدرِ وقتَلَ أباهُ الماجِد، ليَستوليَ بالقَسوةِ والدَّسيسةِ على العَرشِ والمُقدَّرات، ومَلكَ زمامَ الدَّارِ بأكْمَلِها.
وهُنا، أُدِلّيَ السِّتارُ عن مَأساةٍ داميَة:
*جحيمُ البطش: أذاقَ العاقُ عشيرتَه وإخوتَه كؤوسَ الهَوانِ وأليمَ العَذاب.
*سياسةُ السَّغَب: حَرَمَهُم ثِمارَ جُهودِهِم وطَيِّباتِ أرضِهم، ولم يَكن يُمِدُّهم إلا بِنُشارةِ القُوتِ وفُتاتِ المَوائد.
*الظِّلُّ الشِّرّير: كانت عينُ النَّظامِ تَرعاهُ وتُشِدُّ أزرَه من خَلفِ حِجاب، مقابلَ أن يَسلُبَ ثَرَواتِ القومِ ويُقدِّمَها لَهُم على طَبَقٍ من دَم.
الجارُ اللَّبيبُ والرَّميُ عن قَوسِ الحَذر
على مَقرُبةٍ من ذاكَ الدَّار، كانَ يَشمَخُ سَكَنٌ أثِيل، يَنشاحُ على خَمسةِ أضعافِ مِساحةِ البيتِ المَكلوم. كانَ يَقْطُنُهُ "الابنُ البارّ"؛ رجلٌ حَصيفٌ، يمتلكُ نَفاذَ بَصيرةٍ يُبصِرُ به خَبايا الغَد. كانَ يرقُبُ حَراكاتِ النَّظامِ الشَّرِس، ويَعْلَمُ يقيناً أنَّ أطماعَ القومِ كَالبحرِ لا يَرْوَى، وأنَّ نَوْبَتَهُ غَداً لا مَحالَة.
أعَدَّ البارُّ لِلنَّوائبِ عُدَّتَها، وشَيَّدَ الصُّروحَ، ورَبَطَ جَأْشَه. وحينَ سرى بالموعظَةِ والنُّصحِ إلى جارهِ العاقِّ ليَنشُلَهُ من الحَمَأِ المَسنون، ارتَدَّ النُّصحُ في صَدرِهِ مَرفوضاً؛ إذ كانَ العاقُّ قد غَرِقَ في خِيانَتِهِ حتى أُذُنَيْه، ولا يَرَى غيرَ ظِلِّهِ المُستَعار.
الهُروبُ والخُدعةُ الكُبرَى
بدأت فلولُ العائلةِ المُنكَرةِ تَتَسَلَّلُ في حَندسِ اللَّيل، فارِّينَ من سَوطِ العاقِّ نحوَ بَلاطِ النَّظامِ لِيَرفَعوا ظُلامَتَهُم. لكنَّ النَّظامَ لم يَكُن أهلاً لِلعَدلِ يوماً؛ بل ادَّخَرَ شكاواهُم كَأوراقِ ضَغطٍ لِيومِ الحِساب. كانت لَهُم مَآرِبُ أُخرى مَع العاقّ، وَجَبَ أن يُمَضِّيَها أوَّلاً قبلَ أن يُلقِيَ بهِ في المَزبَلة.
أغْرَى النَّظامُ العاقَّ برُكوبِ مَركَبٍ خَشِن، ودفَعَهُ لخَوضِ المَلحَمةِ ضدَّ جارهِ البارِّ المَهيب.
ورغمَ كلِّ التَّسهيلاتِ والعَتادِ الذي أُسبِلَ عليه، انْكَسَرَت شَوْكَةُ العاقِّ على أسوارِ البارِّ، وعادَ يَجُرُّ أذيالَ الخَيْبَةِ والهَوان.

نَكسَةُ الوَجهِ والغَدرُ بالضَّعيف
لِكَي يُوارِيَ العاقُّ سَوْءَةَ هَزيمَتِهِ الشَّنِيعةِ أمامَ رَعِيَّتِهِ والجِيران، أعمَاهُ العَماءُ؛ فهَجَمَ بغَشَمِهِ على دارِ جارٍ ضَعيفٍ بائِسٍ، فاستَلبَ حِماهُ وتَبَوَّأَ عَرْشَه.
وهُنا، حانتِ السَّاعةُ التي انْتَظَرَهُم فيها النَّظام:
1. قِناعُ الصَّلاح: استَغيثَ الدَّارُ الضَّعيفةُ بالنَّظام، فأقْبَلَ بقَضِّهِ وقَضيضِهِ متَدَثِّراً بِرداءِ إحياكِ الحقِّ وفَضِّ النِّزاع.
2. انتِزاعُ المَغصوب: طَرَدَ النَّظامُ عُصاةَ العاقِّ من البيتِ الصَّغير.
3. مَصْرَعُ الخائِن: أخرَجَ النَّظامُ أرشيفَ الشَّكاوى القديمةِ التي قدَّمَها أبناءُ العاقّ، فَجَعَلَها ذَريعةً لِدَكِّ حُصونِهِ والإطاحةِ بهِ غيرَ مأسوفٍ عليه، بَعدَ أنِ استَنْفَذَ غَرَضَه.

الجِدارُ الأَمْلَس
بَعدَ سُقوطِ العاقّ، انحَنَت هاماتُ الدِّيارِ كُلِّها للنَّظامِ الفاشِي، وَدَانَت لَهُ المِنطَقةُ بأسرِها خُضوعاً وَخُنوعاً... *إلّا داراً واحِدة.*
إنَّها دارُ "الابنِ البارّ"؛
دارٌ لم تَعْرِفِ الرُّكوعَ، ولم تَقبلِ الهَوان. كانَ صابِراً صامِداً، قد سَبَقَ الدَّهرَ بإعدادهِ، وحَصَّنَ ثُغورَهُ بِيَقَظَةِ الأحرار.
أنْزَلَ النَّظامُ ثِقْلَهُ الصّارِم، وأقْبَلَ عليهِ من كُلِّ فَجٍّ عميق، لكنَّهُم صُدِموا بـ *"صَخرَةٍ صَمَّاء"* لم يَستَطيعوا لَها نَقْباً ولا نَفَاذاً. ورغمَ أنَّ النَّظامَ سَبَكَ حِصارَهُ على المِنطَقَةِ واستَعبَدَ أطرافَها، إلا أنَّ جَمرةَ النَّخوَةِ والغيْرَةِ اشتَعَلَت في أفئِدَةِ بَعضِ الجِيران؛ فبَدَؤوا بِمُدِّهِ بالقُوّةِ والمَعونةِ سِرّاً وَعَلَنَاً، إعجاباً بِهَذا الرَّجُلِ البارِّ الذي أثْبَتَ أنَّ الشَّرَفَ والصُّمودَ أَقْوَى من كُلِّ سَلاطينِ الجَوْر.
........................................................................................



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين وهم -أهل السلطة- وحقيقة المقاومة: تفكيك مغالطة إدارة الح ...
- بين ساحات الوطن وفنادق الرياض: عندما ينقلب المنطق وتضطرب الم ...
- كرة القدم بين المستطيل الأخضر ومحاكمة التاريخ: قراءة في انقس ...
- الذكاء الاصطناعي بين إغراء النمو وكابوس البطالة: هل نصنع الا ...
- جدران السياسة وسهم المنون: قراءة في ثنائية السلطة والرحيل ال ...
- ازدواجية المعايير الدولية: لماذا يُحاكم الإسلام بجرائم الأفر ...
- النصل والملعب الاخضر
- تصعيد بلا سقوف: قراءة في سيناريوهات المواجهة المباشرة بين إي ...
- وقفة مع السيد علي السيستاني2
- وقفة مع السيد علي السيستاني
- جنازة عابرة للقارات: مئة مليون مشيّع في وداع -مهندس الخراب
- رسالة مفتوحة (جداً) إلى سيادة المسؤول
- بين -صولة الفجر- وكواليس -المخرج المنفذ-.. هل يصدق المشهد ال ...
- حصانة الخمس نجوم-.. حين يطالب السارق باعتذار من الضحية!
- في مَشارِفِ التَّحوّلِ: قِراءةٌ في جَدليَّةِ الوعيِ وبِناءِ ...
- كربلاء بين النهج واللافتة: مفارقة الدم والمغنم في مشهد الصرا ...
- زلزال التشييع وفلسفة الهوية.. عندما تُحطّم كربلاء والنجف أصن ...
- المعلم بين الوعود المؤجلة والحقوق المسلوبة
- الأربعاء... أتزدان بتشييع الولي أم تفجع؟
- آراء حول صولة الفجر


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - صَخْرَةُ البَارّ... وَعَاصِفَةُ الجَوْر