أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - أسامة العيسة يفكك فلسفة الجنون والهمس في دير المجانين(2-6)















المزيد.....

أسامة العيسة يفكك فلسفة الجنون والهمس في دير المجانين(2-6)


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 11:02
المحور: مقابلات و حوارات
    


حين يولد الإنسان وينشأ في جغرافيا ترسم حدودها أسلاك الشائكة وحواجز الاحتلال، يصبح الخط الفاصل بين العقل والجنون خيطاً أرفف من سلك، ووهماً تدمره قسوة اليومي والاعتيادي. وفي قلب هذا المخاض الوجودي العنيف، لم يكن الكاتب والروائي الفلسطيني أسامة العيسة بمنأى عن هذا الاشتباك المبكر؛ بل وجد نفسه ج جاراً وملتصقاً بواحدة من أكثر المساحات رمزية وإيلاماً: مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في بيت لحم، أو ما يُعرف شعبيّاً بـ "دير المجانين". هناك، حيث تتقاطع مآسي الروح مع فجائع التاريخ، لم يكتفِ العيسة بدور المراقب أو العابر، بل اتخذ من هذا الهامش القصي مرصدًا معرفياً ووجدانيّاً لإعادة قراءة مفهوم "العقل" بشجاعة نادرة.

ليست روايته الشهيرة "مجانين بيت لحم" سوى صرخة سردية كبرى في وجه عالم فقد صوابه الأساسي، حيث يتحول الاحتلال إلى الشكل الأقصى والأكثر جنوناً للبشريّة المنفلتة، ويصبح "الجنون" المعطى الوحيد المتبقي للبقاء أو المقاومة ضد واقع غير معقول. يغوص العيسة في هذا المحور في كيمياء المهمشين والمطرودين من رحمة السكون العادي، رافضاً "تسليع الجنون" أو تزييف حكاياتهم، ومستنطقاً تاريخاً طويلاً من الزلازل السياسية والمجازر التي جعلت من جدران المستشفى مرايا تعكس عزلات الوطن المفتت.

في هذا الجزء الثاني من الحوار الممتد، يواصل أسامة العيسة الغوص في فلسفة العزل والهمس، ليكشف كيف استمد من جيرة المجانين عدته الأولى للكتابة، ولماذا يرى أن العيش تحت الاحتلال بذاته هو الاختبار الأكبر لجنون العقل البشري، مأخوذاً بهاجس الوفاء لمن سكنوا ظل التاريخ وتركوا في روحه أسئلة لا تنتهي.

المحور الثاني: فلسفة الجنون والهمس من وراء أسوار "دير المجانين"

* سكنك بجوار مستشفى الأمراض النفسية فرض عليك جيرة من نوع خاص؛ كيف غيرت هذه الجيرة مفهومك لمعنى "العقل"؟

-تصادقت وجيلي مع المجانين مبكرًا، سمعنا حِكمهم، ووقفنا علي مآسيهم، وحكاياتهم التي لا تنتهي بدخولهم دير المجانين، كما نسمي المستشفى الَّذي ذكرت. لم أعتقد يومًا أنَّهم بلا عقول، ولكن عقولهم هي من أودت بهم إلى الجنون. فعرفت مبكرًا أنَّني أيضًا وجيلي مجانين مثلهم، نقارع دولة الاحتلال بالحجارة، ونتحدي دول عظمى، وصمدنا أكثر من دول الطوق.

* لماذا يهرب الروائي الفلسطيني إلى عالم "المجانين" ليحكي واقعاً يفترض أنه ملموس ومفهوم؟

-فيما يخصني، فأنا كاتب المهمشين، وليس أكثر من المجانين تهميشًا، فكيف لا أهرب إليهم؟ كنت أهرب إليهم محتميًا في ديرهم، من بطش المحتلين، فلأرد لهم بعض دينهم.

* كيف تجنبت الوقوع في فخ "تسليع الجنون" أو جعل الشخصيات مجرد أدوات تنطق بالحكمة المطلقة؟

-تنبهت لهذا الفخ دائمًا، ولعلي لم أقع فيه، مجانيني ليسوا من الحكماء، هم تهمشوا بإرادتهم العاقلة، أو هُمشوا من غيرهم واستكانوا، ولكن لمعظمهم مواقف في الثقافة والحياة والكفاح والحب. شهدت على حكايات حب بين المجانين، ومواجهتهم أكثر مرة مع المحتلين. خلال أكثر من قرن في ديرهم كانوا ضحايا الزلازل السياسيَّة التي ضربت بلادنا.

*في "مجانين بيت لحم"، هل الجنون هو رد الفعل العاقل الوحيد على واقع فلسطيني غير معقول؟

-بالجنون قاوم الفلسطينيُّون الاحتلال، من جنون الجغرافيا، وتآمر الأنظمة العربيَّة وخيانتها، وحراسة حدود دولة الاحتلال، إلى الذهاب لمواجهات غير متكافئة شعارها. الكف يمكنها مقاومة المخرز. حتَّى واحد معتدل مثل محمود عبَّاس رئيس السلطة الفلسطينيَّة قال إنَّه كان واحدًا من المجانين الَّذين صوتوا لصالح الكفاح المسلح في حركة فتح.

*كيف تحولت المستشفى في روايتك من مبنى علاجي إلى رمز مكثف للوطن الرازح تحت العزلة والضغط؟

-بنى المستشفى الألمان وافتتح القيصر غليوم، ميتمًا لضحايا المجازر العثمانيَّة ضد الأرمن، وفي تبدلات الأرض المقدَّسة العاصفة، وضع البريطانيُّون يدهم عليه، ثمّ المصريُّون لفترة قصيرة خلال النكبة، وخضع لسيطرة الأردنيِّين والإسرائيليِّين والأن السلطة الفلسطينيَّة. فلسطين التي تصغر، وتتآكل أراضيها يعيش ناسها في سجونٍ صغيرة مفتتة بالحواجز والجدران، تمامًا مثل دير المجانين.

*هل تعتقد أن المجتمع يمارس نوعاً من الاضطهاد المزدوج على المريض النفسي في مناطق النزاع؟

-دفع المجانين ثمنًا لما تسميه النزاع، خلال الثورة الفلسطينيَّة في الثلاثينيَّات من القرن الماضي، غادر كثير من مجانين اليهود الدير، أقامت الحركة الصهيونيَّة مستشفى منفصلًا في القدس، تكرَّس الانقسام الجنونيّ في النكبة. استغل المحتلون ما تبقى من منازل قرية دير ياسين التي ارتبكوا مجزرة مروعة فيها، لتأسيس مستشفى الأمراض النفسيَّة في القدس. لا أعرف إذا كان مجانين اليهود يشعرن بأشباح شهداء المذبحة أم لا؟
من الَّذين ظلوا في دير المجانين الفلسطينيّ جنود من الجيوش المنهزمة على أرض فلسطين. وفي مستشفى المجانين في دير ياسين، عُثر بطريق الصدفة على واحد من أقدم الاسرى الفلسطينيَّين، وهو الشَّيخ حسن اللبدي، الَّذي اعتقله البريطانيُّون من المسجد الأقصى وسجنوه في سجن عكا، وفي ظروف لم نتبينها، أُودع في مستشفى دير ياسين حتَّى عرفت عائلته بالامر مصادفة، وكانت تظته استشهد، فتمكنت من استلامه.
استهدفت قوَّات الاحتلال دير المجانين الفلسطينيِّ بشكل متكرَّر خلال سنوات النزاع المستمرة، بالاقتحام، والقصف.

*أشرت إلى أنك اعتبرت نفسك كاتباً في سن صغيرة بفضل هؤلاء المهمشين؛ هل كان الأدب وسيلتك لإنصافهم؟

*الأدب لا ينصف أحدًا، هو محاولة للتعبير، قد لا تشكِّل آلاف الصفحات عزاءً للمكلومين والمشردين والمهمشين.

*أين تنتهي حدود العقل وتبدأ حدود الجنون عندما تصبح الحرب والاحتلال هما تفاصيل الحياة اليومية؟

-الاحتلال أقصى أنواع الجنون البشريّ المنفلت والمتطرف، أعتبر عيش المرء ليلة واحدة في ظل احتلال، مأساة المآسي، فكيف إذا ولد المرء وعاش واعتقل وأنجب في ظل احتلال طال أكثر من اللازم؟ لا حدود للعقل والجنون في ظلّ الحرب والاحتلال. أحيانًا أسأل نفسي عن قدرتي على التنقل بين الحواجز والموت مسافات قصيرة يوميًا. كيف أتمكن من ذلك لو كنت عاقلًا فعلًا؟

*كيف استقبل نزلاء المستشفى أو محيطك الحكايات الشخصية التي أودعتها في الرواية؟

-صديقي الروائي إياد شماسنة، كتب رواية صوَّر فيها غضب المجانين عليّ واحتجازي، لم تصدر حتي الآن، ولا استطع الحكم عليها. أستطيع القول رواية مجانين بيت لحم، أشهرتني لدى جيل جديد من مجانين الدير. فكتبت ما سميتها شهرزادية باسم (مجانين الدير). فيها مزيد عن عالمهم ستصدر قريبًا. كثير من الأصدقاء "العقلاء" لاموني لأنَّني لم اكتب عنهم.

*هل ترى أن "مدح الجنون" أدبياً هو نوع من الثورة ضد الأطر والأنظمة السياسية القائمة؟

-الجنون لا يحتاج إلي مدح أو ذم. الأنظمة السياسيَّة القائمة تثير ازدرائي.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين زمن الخبر العابر وخلود الحرف.. كيف يعيش ضياء الأسدي صراع ...
- صدى اللغات وأعماق النفس: حوار خاص مع الباحث والكاتب والشاعر ...
- مع الشاعرة سلوي بن رحومة:عتبات الروح ودفاتر البوح: إبحار في ...
- عقل على حافة السؤال.. الفيلسوف زهير الخويلدي في أتون الكونية ...
- مع الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة: حِوارٌ يَغُوصُ في عوالم ا ...
- حوار الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة: قضايا الثقافة، التجربة ...
- نبض الكلمة وحكاية الإنسان.. حوار خاص مع الكاتبة إيناس عتمان( ...
- إيناس عبد الحميد :بين ثقوب الذاكرة وسيولة العصر الرقمي(1-2)
- مع الناقدة والشاعرة د. رشا الفوال: تقاطع علم النفس والنقد ال ...
- مع الناقدة والشاعرة الدكتورة رشا الفوال:جسور بين العلم وجنون ...
- د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من ...
- د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من ...
- الممثلة أندريا مارتن واحدة من أكثر النساء فكاهة في برودواي
- تامارا ليسيتسيان اسم محفور في الذاكرة
- أكيم تاميروف أعظم ممثل سينمائي على الإطلاق
- أكيم تاميروف وطريقه إلى النجاح
- أضواء وظلال الماضي في صور غاغيك هاروتونيان
- ليوبولد غاشتشيك، بولندي قام بتصوير الأرمن
- تاريخ أرمينيا من منظور ميشيل أندونيان
- كيف أعاد إرث المصورة مريم شاهينيان تعريف الوجه المألوف لإسطن ...


المزيد.....




- من أزقة القاهرة القديمة إلى يد بيونسيه..قصة حقائب Okhtein ال ...
- كم وصل حجم الدمار بسبب حرائق الغابات في أوروبا؟
- ترامب: لو لم أتدخل وأدمر الأسلحة الإيرانية - لانهارت إسرائيل ...
- -توسيع للحرب-.. إيران تحذّر من تداعيات الحصار البحري الأمريك ...
- دلالة توقيت اتصال وزير خارجية إيران بنظيريه السعودي والعُمان ...
- كيف تحافظ على عظام قوية؟ إليك أهم الأطعمة التي ينصح بها الخب ...
- لبنان وإسرائيل على موعد مع جولة مفاوضات جديدة في روما
- بدعم إقليمي.. مبادرة عُمانية لإنقاذ مضيق هرمز من شبح الحرب
- ضيفا ترامب.. نتنياهو يبحث عن دعم سياسي وزيلينسكي يطلب السلاح ...
- الإمارات تعلن عن خطوة عالمية غير مسبوقة في مجال القضاء


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - أسامة العيسة يفكك فلسفة الجنون والهمس في دير المجانين(2-6)