أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السماء














المزيد.....

رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السماء


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 09:24
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست كلُّ الشهادات سواء، فثمة شهداءُ يكتبون سيرتهم بالبطولة في ساحات القتال، وثمة شهداءُ يكتبونها بالجوع والصبر والكرامة وهم يبحثون عن كسرة خبزٍ لأطفالهم. ورامز طلعت محمد عودة كان واحدًا من أولئك الذين حملوا أوجاع شعبهم على أكتافهم، ومضوا إلى الله بقلوبٍ عامرة بالإيمان والوفاء.
في الذكرى الأولى لاستشهاده، لا أكتب عن شهيدٍ من أبناء عائلتي فحسب، ولا عن ابن أختي الذي عرفته طفلًا وشابًا ورجلًا، بل أكتب عن حكاية إنسانٍ فلسطيني اختزلت سيرته وجع غزة كلها؛ اليُتم، والتهجير، والجوع، والحصار، ثم الشهادة.
وكأن الله قد كتب له موعد الرحيل قبل أن يحين، فجاءته أمُّه الراحلة، نجاح إبراهيم فودة، في المنام قبل يومٍ واحدٍ من استشهاده، وقالت له: "تعال عندي يا رامز". لم يكن حلمًا عابرًا، بل كان نداءً أخيرًا من أمٍّ اشتاقت لولدها، فحمل رامز كلماتها في قلبه، دون أن يدرك أن ساعاتٍ قليلةً فقط تفصله عن اللقاء.
في مساء يوم الأحد، ودَّع أفراد أسرته وغادر مخيم النزوح الذي آواه بعد تهجيره من مخيم جباليا، متوجهًا إلى النصيرات برفقة صديقه ثائر أبو دلاخ. كانت زيارةً عاديةً في ظاهرها، لكنها كانت الفصل الأخير من كتاب عمره القصير.
وفي صباح يوم الاثنين الموافق الثامن والعشرين من تموز/ يوليو 2025، خرج برفقة صديقه بحثًا عن لقمة الخبز في زمن المجاعة، وعن شيءٍ يسدُّ رمق الأطفال في زمن الحصار. لم يكن يحمل إلا قلبًا أنهكته الحرب، وأمنيات أبٍ يحلم أن يعود إلى طفليه بما يخفف عنهما قسوة الأيام.
لكنَّ رصاص الاحتلال كان أسرع من أحلامه.
أصابته رصاصةٌ متفجرةٌ غادرةٌ في رأسه، فقطَّعت شريان الحياة، وتركته ينزف أكثر من أربع ساعاتٍ كاملةً على الأرض، بلا إسعافٍ عاجلٍ ولا يدٍ تمتدُّ إليه لتنقذه. كان الموت يقترب منه رويدًا رويدًا، فيما كانت روحه تستعدُّ لرحلتها الأخيرة.
نُقل إلى مستشفى العودة، ومنها إلى مستشفى شهداء الأقصى، وهناك وقف شقيقه محمد، وزوج أخته هيثم، وحسام، وأبناء عمومته، يتشبثون بأملٍ أخيرٍ في نجاته. لكن الله كان قد اختاره إلى جواره، فارتقى شهيدًا في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، بعد صراعٍ مؤلمٍ مع الإصابة.
وفي لحظاته الأخيرة، طلب أن يُكلم طفلته "نجاح"، ونطق باسمها بصوتٍ أنهكه النزيف، ثم أسلم روحه إلى بارئها. وكأن آخر ما أراد أن يحمله معه من هذه الدنيا، اسم طفلته التي منحها اسم أمه الراحلة، ليبقى الحب ممتدًا بين ثلاثة قلوبٍ فرَّقتها الأرض وجمعتها السماء.
وُلد رامز في الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1999، يتيمًا من الأب والأم قبل أن يكتمل شبابه، فوالده المرحوم طلعت محمد عودة، ووالدته الراحلة نجاح إبراهيم فودة. لكنه لم يسمح لليُتم أن يكسر روحه، بل صنع من ألمه إنسانًا جميلًا، عُرف بين الناس بأناقته، وابتسامته، ونقاء قلبه، وصدق وفائه.
درس في مدارس الفاخورة التابعة لوكالة الغوث في مخيم جباليا، وتزوج من السيدة روان عاشور، ورُزق بطفلين أسماهما "نجاح" و"طلعت"، وفاءً لوالديه اللذين رحلا مبكرًا عن هذه الدنيا. وكأن رامز أراد أن يبقيهما حيَّين في كلِّ مرةٍ ينادي فيها طفليه باسميهما.
كان سندًا لأخيه محمد، وأمانًا لأخواته: رندة، وسماهر، ورموز، وهديل، حتى إن خبر استشهاده أسقط الدموع والإغماء معًا من شدة الفاجعة. لقد كان الذكر الوحيد المتبقي في الأسرة، والسند الذي احتمى به الجميع بعد رحيل الوالدين.
أما على الصعيد الوطني، فقد كان أحد أبناء حركة "فتح" المخلصين، ومن كوادر كتائب شهداء الأقصى - لواء العامودي، وخضع لعددٍ من التدريبات العسكرية، وعُرف بين رفاقه بالالتزام والانضباط والشجاعة وحسن الخلق. كان رجل الميدان الذي لا يتأخر عن واجبٍ وطني أو اجتماعي، فاستحقَّ محبة كلِّ من عرفه.
ولعلَّ أكثر ما يُوجع في حكاية رامز، أنه لم يستشهد وهو يبحث عن نفسه، بل وهو يبحث عن الحياة لغيره. خرج من أجل أطفاله، ومن أجل لقمة الخبز، ومن أجل الجوعى الذين أصبحوا يخوضون معركة البقاء كلَّ يوم.
لقد كان شهيدًا للمجاعة والحصار، كما كان شهيدًا للوطن والكرامة.
ولأن الحرب لا تكتفي بسرقة الأرواح، فقد سرقت من والدته أمنيتها الأخيرة أيضًا، فلم يُدفن بدايةً في مقبرة العائلة كما تمنَّت، بل ووري الثرى مؤقتًا في دوار حسبة السمك المحاذي لشاطئ بحر غزة، قبل أن يُنقل جثمانه الطاهر بعد أشهرٍ إلى مقبرة بيت لاهيا، ليعود أخيرًا إلى تراب الشمال الذي أحبَّه وعاش فيه.
عامٌ كاملٌ مضى على رحيلك يا رامز، وما زالت صورتك تسكن الذاكرة، وما زالت ابتسامتك معلقةً على جدران القلوب، وما زال طفلاك يبحثان عن دفء يديك بين الصور والدعوات.
سيكبر "نجاح" و"طلعت"، وسيعلمهما الناس أن أباهما لم يكن مجرد شهيدٍ حمل رقمًا في سجلات الموت، بل كان رجلًا حمل وطنًا صغيرًا في قلبه، اسمه عائلته، وحمل وطنًا كبيرًا في وجدانه، اسمه فلسطين.
وسيأتي يومٌ يقفان فيه بفخرٍ أمام اسمك، ليقولا: كان لنا أبٌ خرج يبحث عن الخبز، فعاد إلى أمِّه في السماء شهيدًا.
رحمك الله يا رامز، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجمعك بأمك وأبيك في مستقرِّ رحمته، وألهم زوجتك وأطفالك وإخوتك وأحبتك جميل الصبر وحسن العزاء.
أما أنت يا رامز، فقد رحلت عن أعيننا، لكنك بقيت في قلوبنا شاهدًا على زمنٍ أصبح فيه البحث عن الخبز طريقًا إلى الشهادة.
المجد للشهداء، والخلود لذكراهم الطاهرة.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانحيازُ للفكرة... لا الاصطفافُ للأشخاص
- حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية ...
- الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة
- الدكتور أحمد أبو هولي: قامةٌ وطنيةٌ وعطاءٌ إنسانيٌّ بلا حدود ...
- المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش
- وحنا بنحب المصريين... مبروك لمصر قيادةً وشعبًا... ومبروك للف ...
- بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...
- ملف الكادر الفتحاوي غير المفرغ... جنود العطاء المنسيون واستح ...
- رحيلُ أهلِ الضوء… حين يغيبُ الطيبون رثاءٌ في وفاة الإعلامي و ...
- بأيِّ عيدٍ أتيتَ يا عيد… وغزةُ تنزف؟
- تفريغات 2005… الرئيس أبو مازن أمام اختبار الوفاء وإنصاف المن ...


المزيد.....




- لماذا قد لا يسير لقاء نتنياهو وترامب هذه المرة وفق السيناريو ...
- ليناكابافير.. دواء استثنائي ضد الإيدز، لكن العقبات قائمة
- رويترز: شيوخ من الكونغرس الأمريكي سيلتقون زيلينسكي في واشنطن ...
- هزتان أرضيتان قويتان تضربان تشنغهاي بالصين
- ميروشنيك: مقتل 57 مدنيا وإصابة 435 آخرين جراء الهجمات الأوكر ...
- تسجيلات صوتية لبايدن تخرج إلى العلن وتعيد الجدل حول ذاكرته و ...
- انتحار سمكة ذهبية وهي تحذر من الخطر!
- حرائق جيروند: ماكرون يدعو -للحفاظ على الوحدة- ويحذر من أسابي ...
- فرنسا: استجواب أكثر من 160 شخصا على خلفية إشعال حرائق عمدا
- لقاء بين نتنياهو وترامب في البيت الأبيض، وواشنطن تراجع وجوده ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السماء