آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 06:24
المحور:
الادب والفن
[ رجع صدى ]
شذرات.
عبد الرحمن بوطيب / المغرب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1/ صيفا
لم تمطر أرضه
كانت الغيمات محلقة تحت سماء حارقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ خريفا
لم تتساقط أوراق خزامى
كل جذور الأيكة القديمة كانت تعزف لحن صمت طويل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3/ شتاء
لم تبحر فيالق السنونو
كل أجنحة النوارس كانت تكنس شوارع المدينة العاهرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4/ ربيعا
في قريتي غمتي
كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الرحمن بوطيب.
********
تمهيد: لماذا "شذرات" لا "قصيدة"؟
حين يختار الشاعر عبد الرحمن بوطيب أن يصنّف نصه تحت مسمى "شذرات" بدل "قصيدة"، فهو يُصدر إعلاناً جمالياً مسبقاً عن طبيعة العلاقة التي يريدها بين القارئ والنص. الشذرة (fragment) في التراث الفلسفي والأدبي الغربي، منذ نوفاليس والرومانسيين الألمان مروراً بنيتشه، ثم بلانشو ودريدا في القرن العشرين، ليست وحدة ناقصة تنتظر اكتمالها، بل هي شكل مكتفٍ بذاته يقاوم النسق الكلي. يقول موريس بلانشو في الكتابة عن الكارثة: "الشذرة لا تكتمل بغيرها، بل تتجاور معها في فراغ لا يُملأ" (ترجمة تصرفية). هذا "الفراغ" هو بالضبط ما يشتغل عليه بوطيب: أربع لوحات فصلية منفصلة، تفصل بينها خطوط متقطعة (ــــ)، وكأن الشاعر يريد أن يُرينا بصرياً أن الوصل هنا وهمي، وأن كل فصل يعيش عزلته الدلالية الخاصة قبل أن يلتقي بأخواته في المعنى الكلي.
وفي التراث النقدي العربي، يمكن أن نستحضر هنا مفهوم "التوقيعات" عند الجاحظ والقاضي الفاضل، وهو شكل تعبيري يعتمد على الإيجاز الشديد والقفلة المدهشة، لكن بوطيب يطوّع هذا الإيجاز التوقيعي ليخدم بنية زمنية-فصلية، فتتحول التوقيعات الأربعة إلى أشبه بـ"فصول عام شعري" مكثّف.
أولاً: الشذرة كخيار جمالي لا كاختزال
الشذرة عند بوطيب ليست هرباً من مسؤولية البناء الكبير، بل هي البناء ذاته. فالقصيدة التقليدية العربية، منذ المعلقات، قامت على مبدأ الاتصال العضوي (الوحدة العضوية التي نادى بها النقاد المحدثون كأمين الخولي وشوقي ضيف تأثراً بكوليردج)، بينما هذا النص يقترح أنموذجاً مضاداً: وحدة عبر التكرار البنيوي لا عبر الاتصال السردي. فكل شذرة تتبع القالب التركيبي نفسه:
[ظرف زمان/فصل] + [نفي لفعل طبيعي متوقع] + [إثبات مفارق يحل محله]
هذا التكرار البنيوي (structural parallelism) هو ما يمنح النص وحدته الداخلية بالرغم من انقطاعه الظاهري، تماماً كما تتكرر "التفعيلة" في العروض العربي لتصنع إيقاعاً موسيقياً، فإن بوطيب هنا يصنع "تفعيلة دلالية" تتكرر عبر الشذرات الأربع.
ثانياً: بلاغة الغياب — شعرية "لم" وسلطة النفي
الملاحظة النقدية الأعمق في النص هي أن الشاعر لا يصف ما حدث، بل يصف ما لم يحدث. أفعال النفي الثلاثة الأولى ("لم تمطر"، "لم تتساقط"، "لم تبحر") تشكّل ما يمكن تسميته بـ"الوصف بالسلب" (negative de-script-ion)، وهي تقنية لها جذور في اللاهوت السلبي (Via Negativa) الذي عرفه ديونيسيوس الآريوباغي وابن عربي على السواء، حيث تُعرَّف الذات الإلهية بنفي الصفات لا بإثباتها، لأن الإثبات المباشر يحاصر المطلق في حدود اللغة. الشاعر هنا يطبّق منطقاً مشابهاً على المكان: "غمتي" لا تُوصف بما فيها، بل بما يُفتقد منها، فيتحول القارئ من متلقٍ لصورة إلى شاهد على غياب متكرر.
في النقد العربي الحديث، تحدّث كمال أبو ديب عن "جدلية الحضور والغياب" في الشعر العربي المعاصر بوصفها آلية أساس لإنتاج التوتر الشعري، وهو ما يتجلى هنا بوضوح: فكل نفي يعقبه إثبات مضاد يحمل مفارقة حسية أو بصرية تُبقي الصورة معلّقة بين الحرمان والتعويض:
الشذرة الأولى: الغيوم موجودة فعلاً ("كانت الغيمات محلّقة") لكنها معلّقة "تحت سماء حارقة" — أي حضور بلا فعل، وجود بلا جدوى. هذا يذكّرنا بمفهوم "الحضور الفارغ" (empty presence) الذي استخدمه بعض نقاد ما بعد الحداثة لوصف الأشياء التي تشغل حيزاً من دون أن تؤدي وظيفتها. الغيمة هنا كائن مُعطَّل، حاضرة جسداً غائبة فعلاً، وهي أقرب لصورة الشاعر المعاصر ذاته في كثير من القراءات الرمزية: حاضر في المشهد الثقافي، عاجز عن التأثير فيه.
الشذرة الثانية: جذور الأيكة "تعزف لحن صمت طويل" — تركيب أوكسيموروني (متناقض) يؤنسن الصمت بجعله موسيقى. هذه الصورة تحديداً تستدعي ما نظّر له جان كوهين في بنية اللغة الشعرية عن "الانزياح الدلالي" (l écart sémantique)، حيث يتم الجمع بين حقلين متنافرين (العزف الذي يفترض صوتاً، والصمت الذي ينفيه) لإنتاج شحنة انفعالية تتجاوز المعنى الحرفي. والأمر يذكّر أيضاً بصورة محمود درويش الشهيرة "أصغي إلى نايي بصمت"، حيث يتحول الصمت نفسه إلى مادة سمعية، لكن بوطيب يذهب أبعد بجعل الجذور -لا الأغصان أو الأوراق- هي مصدر هذا "العزف"، فيربط الصمت بالعمق لا بالسطح، بالتاريخي الدفين لا بالراهن الظاهر.
الشذرة الثالثة: استبدال السنونو بالنوارس، وتحويل فعل الطيران/الهجرة إلى فعل تنظيف قسري ("تكنس شوارع المدينة العاهرة"). هنا ينزاح النص فجأة من الحقل الطبيعي الصرف إلى حقل أخلاقي-سياسي حاد. نعت "العاهرة" صدمة أسلوبية متعمدة (violence stylistique)، يقتحم بها الشاعر نسيجاً كان حتى تلك اللحظة هادئاً تأملياً. ولعل في هذا الانزياح صدى لما فعله بودلير في "أزهار الشر" Les fleurs du mal حين كان يُدخل مفردات "دنيئة" أو "قبيحة" داخل بنية شعرية كلاسيكية الإيقاع، محدثاً ما سماه النقاد "جمالية القبح" (esthétique du laid)، وهي استراتيجية تصدم القارئ لتوقظه من سلبيته التأويلية.
ثالثاً: المفارقة الختامية كمفتاح تأويلي — جدل الاسم والمسمى
الشذرة الرابعة هي الذروة التي تعيد تفسير كل ما سبقها بأثر رجعي: "كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له". هذه الجملة بنية أوكسيمورونية خالصة تُثبت الشيء وتنفيه في آن واحد، ولها ما يوازيها في الأدب الغربي في تعبيرات مثل "the living dead" أو "silence that speaks"، لكنها هنا مصوغة بحساسية عربية خالصة تستدعي مفارقات المتنبي وأبي تمام القائمة على الطباق والتضاد ("وقفتُ وما في الموت شكٌّ لواقفٍ / كأنك في جفن الردى وهو نائم").
لو استعرنا مفهوم جان كوهين عن "الانزياح الشعري" (l écart poétique) مرة أخرى، فإن هذا التركيب ينتهك القاعدة المنطقية الأرسطية القائلة بأن الشيء لا يكون ونقيضه في آن (مبدأ عدم التناقض)، ليؤسس شعرياً لمفهوم "الربيع الفارغ من ماهيته" — ربيع بالاسم لا بالفعل، أي وعد بلا إنجاز، دالّ بلا مدلول.
وهنا تتضح البنية الدائرية للنص: الفصول الثلاثة السابقة (صيف بلا مطر، خريف بلا تساقط، شتاء بلا هجرة) لم تكن استثناءات متفرقة بل تمهيداً تراكمياً لهذه الخلاصة الفلسفية. فكل فصل في "غمتي" مصاب بعطب بنيوي، بانقطاع جوهري بين الاسم ومسماه، بين الشكل الفصلي الظاهر وجوهره الطبيعي الغائب. هذا التصور قريب مما تناوله غاستون باشلار في شعرية المكان (La poétique de l espace) حين ربط الزمن الشعري بجدلية الحلم والحرمان لا بمنطق التقويم الفيزيائي الصارم، إذ يصبح "الربيع" عند باشلار حالة نفسية-وجودية قبل أن يكون فصلاً مناخياً.
ويمكن أيضاً استحضار مفهوم رولان بارت عن "الدرجة الصفر للكتابة" (le degré zéro de l écriture) بشكل معكوس هنا: فإذا كانت الكتابة عند بارت تسعى لتحييد الدلالة، فإن بوطيب يفعل العكس تماماً، إذ يُفرغ "الربيع" من دلالته المتعارف عليها (التجدد، الخصب، الأمل) ليحوّله إلى علامة فارغة، دالّ بلا مدلول متحقق، تماماً كما يتحدث بودريار عن "المحاكاة" (simulacre) حيث تحل الصورة محل الواقع وتفقد الأصل مرجعيته.
رابعاً: من المحلي إلى الرمزي — جغرافيا الأزمة
اسم "قريتي غمتي" يُوطّن النص جغرافياً بشكل حاسم، وهذا التوطين ليس تفصيلاً عابراً بل اختيار واعٍ يذكّرنا بما يسميه إدوارد سعيد "الجغرافيا التخييلية" (imaginative geography)، حيث يصبح المكان الخاص جداً بوابة لطرح أسئلة كونية عامة. القرية هنا -كما القرى عند فوكنر في يوكناباتوفا، أو عند ماركيز في ماكوندو- ليست مجرد خلفية مكانية، بل شخصية-رمز تختزن مأساة أشمل.
لكن الوصف الختامي "كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له" يتجاوز الخصوصية المكانية إلى حالة وجودية أشمل، أقرب لما نجده عند أدونيس حين يجعل من المكان الخاص مرآة لأزمة حضارية كونية، كما في ديوانه "مفرد بصيغة الجمع" حيث يتحول الجرح الشخصي إلى جرح جماعي. ولعل "المدينة العاهرة" في الشذرة الثالثة تفتح قراءة سياسية-اجتماعية مضمرة يمكن تطويرها أكثر: فتدنّس الفضاء الحضري (المدينة) يقابله عقم الفضاء الطبيعي (القرية)، فكأن النص يرسم مناخين متوازيين ومتكاملين للفساد — فساد الحضارة الأخلاقي، وفساد الطبيعة الوظيفي، وكلاهما يعكس أزمة معنى أشمل تطول الإنسان المعاصر في علاقته بمحيطه الطبيعي والاجتماعي معاً.
خامساً: الإيقاع البصري والصمت الطباعي
تجدر الإشارة أيضاً إلى العنصر البصري في تشكيل النص: الخطوط الفاصلة الطويلة بين الشذرات (ـــــــ) ليست حشواً طباعياً، بل هي ما يسميه بعض النقاد "الصمت المطبعي" (typographic silence)، وهو مكوّن دلالي فعّال في الشعر الحديث منذ ستيفان مالارميه في "رمية النرد" Un coup de dés jamais n abolira le hasard حيث يصبح البياض/الفراغ جزءاً من بنية المعنى لا مجرد خلوّ من الكتابة. هذه الفواصل البصرية تُجسّد بصرياً ما يقوله النص لفظياً: الانقطاع، الفجوة، غياب الاتصال العضوي بين الفصول، تماماً كما تنقطع الفصول عن وظائفها الطبيعية في مضمون النص.
خلاصة:
يشتغل النص إذن على معادلة شعرية دقيقة ومحكمة: تراكيب النفي المتوالية + المفارقات الحسية المتصاعدة + الانزياح المفاجئ نحو الحقل الأخلاقي + الأوكسيمورون الختامي الجامع = شعرية الغياب المكتمل. الشاعر لا يرثي غياب المطر أو الأوراق أو الطيور بوصفها ظواهر طبيعية منعزلة، بل يرثي عبرها غياب الفصل عن ذاته، أي انفصام الظاهرة عن جوهرها، وانفصام الاسم عن مسماه — وهذا ما يجعل من "رجع صدى" نصاً عن الصدى لا عن الصوت الأصلي: تكرار بلا مصدر متحقق، مثلما الربيع هنا اسم بلا مضمون، ووعد بلا إنجاز. وفي هذا يلتقي بوطيب مع سؤال جوهري في الشعرية العربية المعاصرة منذ السياب وأدونيس: كيف يمكن للغة أن تقول الغياب من دون أن تسقط في فخ وصفه المباشر؟ والجواب الذي يقترحه هذا النص هو: عبر جعل الغياب نفسه بنية، لا موضوعاً.
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
Amal_Ben_Tahar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟