آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 03:44
المحور:
الادب والفن
إذا كانت الورقة البحثية الأولى ـ الموسومة بـ "سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني" قد انطلقت من مساءلة حضور العدد سبعة في بنيته الكونية والنصّية، بوصفه مكوّنًا دلاليًا يشيّد معمار الوجود ويؤطر رؤية الإنسان للكون والمصير، فإن هذا الحضور لا يستنفد معناه داخل حدود النص، بل يتجاوزها ليتحوّل إلى ممارسة، وإلى إيقاع يومي يتجسّد في الزمن والجسد والطقس.
وهنا يبرز الإشكال: كيف ينتقل العدد سبعة من كونه بنيةً كونية ونصّية إلى كونه تجربةً معيشة؟ وكيف يتحول من علامة دلالية في الخطاب القرآني إلى نظام يُنظِّم حياة الإنسان، في عباداته، وحركته، وإدراكه للزمن؟ أهو استمرار للنسق نفسه، أم إعادة إنتاج له في مستوى آخر من الوجود، حيث يغدو الجسد ذاته مجالًا لكتابة المعنى؟
إن هذا الانتقال من “الكون المقروء” إلى “الكون المعيش” يفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين العدد والدلالة، بين الرمز وتجلياته العملية. فالسبعة، التي ظهرت في الورقة السابقة كأفق للاكتمال الكوني والنصي، تعود هنا لتتشكل داخل الطقوس، وتترسخ في الأفعال، وتعيد تنظيم الزمن الإنساني في دورات متكررة، من الأسبوع إلى الأذكار، ومن الطواف إلى عتبات الحياة.
وعليه، فإن هذه الورقة تندرج ضمن الامتداد الطبيعي للمبحث السابق، حيث لا يُفهم حضور السبعة في الطقس والجسد والزمن إلا بوصفه ترجمة حية لبنية أعمق، تكشف عن وحدة النسق بين النص والوجود. ومن هذا المنطلق، نسعى إلى مساءلة هذا الحضور في أبعاده التطبيقية، بحثًا عن الكيفية التي يتحول بها العدد إلى فعل، والرمز إلى ممارسة، والدلالة إلى تجربة معيشة.
1. الأسبوع — الزمن المقسَّم أبداً:
سبعة أيام للأسبوع: هذا أكثر السمات الثقافية عالمية، بل يكاد يكون إجماعاً إنسانياً عبر الثقافات. لكنه في سياقه الإسلامي العربي يحمل دلالات خاصة يُفوّتها من يتوقف عند سطح العالمية.
يوم الجمعة فيها يومٌ مميَّز — يوم الجمع والجماعة — يقطع الدورة ولا يُلغيها. والأسبوع في هذا التصور دورةٌ مكتملة تبدأ وتعود، لا يوجد خطٌّ متصاعد ينتهي بيوم راحة. وهنا يكمن الفارق السيميائي الجوهري بين المفهوم الإسلامي والمفهوم التوراتي للأسبوع: في التوراة، السابع يوم راحة إلهية، أي نهاية دورة تُكلَّل بالسكون. في الإسلام، الجمعة ليست السابع بل هي المحور، واليوم السابع — وهو السبت أو بعدُه — ليس راحة إلهية بل استمرار للدورة.
وهذا يعني أن السبعة في الأسبوع الإسلامي ليست رقم النهاية والسكون بل رقم التجدد والعودة. الأسبوع دائرة لا خط. والجمعة نقطة توهُّج في منتصف هذه الدائرة لا ختمٌ على نهايتها. والفارق ليس ترتيبياً بل فلسفياً: فإذا كانت السبعة في التقليد اليهودي المسيحي تعني الاكتمال الساكن، فإنها في الإسلام تعني الاكتمال المتجدد.
ويستدعي هذا سؤالاً مشكلاً: هل ثمة علاقة بين إقرار الإسلام سبعة الأسبوع وبين تصوره للزمن الكوني؟ الجواب نعم، لكنه يقتضي تأملاً دقيقاً: الزمن في الرؤية الإسلامية ليس دائرياً أزلياً كما في بعض التقاليد الآسيوية، ولا خطياً نهائياً يُختتم بالقيامة فقط، بل هو جمعٌ بين الاثنين: الزمن يتدفق خطياً نحو الساعة، لكنه في داخله يتضمن دورات سباعية متكررة — الأسابيع، والأعراس، والطواف — كأن السبعة هي إيقاع الزمن المتوسط: أصغر من الدهر وأكبر من اليوم.
2. الأذكار السبعة — الصوت الذي يُرسي الزمن:
من أعمق ما تكشفه الدراسة السيميائية للسبعة في الإسلام ظاهرةُ تحديد الذكر بعدد سبع مرات في أذكار الصباح والمساء. فمن الأذكار المأثورة ما يُقال سبعاً: "حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت"، ومنها ما يُقال سبعاً للاستعاذة والحماية. والسؤال الذي نادراً ما يُطرح بجرأة: لماذا سبعاً تحديداً؟ ولِمَ لا تكفي المرة الواحدة، وقد قيل إن الإخلاص تعدل ثلث القرآن؟
المدخل هنا فلسفي قبل أن يكون دينيا. الزمن اليومي في الثقافة الإسلامية ليس متجانساً؛ للصباح نورانيته ولمسائِه طاقته. وفي الأذكار تحديدٌ لهذا الزمن وتأطيره بالكلمة المقدَّسة. لكن ما الذي يُميّز السبعة من حيث مفعول التكرار؟
ثمة ما يمكن تسميته الاقتصاد الرمزي للتكرار: الواحدة إشارة، والثلاث تأكيد، والسبع استيعابٌ تام وإحاطةٌ كاملة بالزمن والمكان. التكرار سبعاً في الذكر يُنشئ ما يشبه الحصن الصوتي: كل تكرار طبقة، والسبعة تُكمل الطبقات. والمُذكِّر بعد السبع يشعر بأنه "أغلق الدائرة"، ليس لأنه يعدّ بل لأن العدد سبعة حمل معه عبر التاريخ الثقافي دلالة الاكتمال قبل أن يتلفّظ به.
والمثير للتساؤل أن كثيراً من الأذكار النبوية لم يُحدَّد عددها. فلماذا اختار النبي ﷺ في بعضها تحديداً سبعاً؟ المحدّثون يجيبون: التوقيف والوحي. لكن السيميائي يُضيف: ربما لأن السبعة هي العدد الذي يُفهَم تلقائياً بوصفه اكتمالاً، فيقبله المتلقي من دون أن يتساءل هل كان يكفي الأقل. وهذا الاستقبال التلقائي هو ما يصنع الفارق بين الذكر الذي يُقنع روحياً، وبين الذي يظل مفتوحاً متشككاً في كفايته.
وفي علم النفس الإدراكي ثمة ملاحظة لافتة أن الذاكرة قصيرة المدى تعالج في المتوسط سبعة عناصر — وفق مقالة جورج ميلر الشهيرة "السحري سبعة، زائداً أو ناقصاً اثنين" — قبل أن يبدأ التشتت. وإن لم يكن هذا سبباً للتشريع الإسلامي بطبيعة الحال، فإنه يُشير إلى أن السبعة ربما تنتمي إلى بنية إدراكية أعمق في الوعي الإنساني، سابقة لأي ثقافة، مما يجعل اختيارها ثقافياً وتشريعياً استجابةً لشيء كامنٍ في الطبيعة البشرية قبل أن يكون استجابةً لأمر خارجي. وهنا يتقاطع التشريع والإدراك في نقطة واحدة يصعب الجزم بأيهما سبق الآخر.
3. الطواف — السبعة في الجسد المتحرك:
الطواف حول الكعبة سبعاً: هذه ربما التجسيد الأجمل للسبعة في الفعل البشري. فهنا لا نحن أمام نصٍّ مكتوب ولا فكرة مجردة، بل أمام جسدٍ يرسم السبعة في الفضاء. سبعة أشواط حول مركز واحد، في حركة دائرية تُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمقدَّس في شكل هندسي متكرر.
لكن يجب أن نسأل: ما الفارق بين الشوط الأول والسابع؟ هل يزيد الأخير في الأجر؟ هل يختلف في المعنى؟ الفقه يقول لا تمييز بينها من حيث الحكم. لكن التجربة الروحية والسيميائية تقول شيئاً آخر: الشوط السابع يحمل وزن الأشواط الستة السابقة. هو ليس شوطاً مستقلاً بل استيعابٌ لكل ما سبق. الذي أنهى الشوط السابع ليس كمن أنهى الأول سبع مرات. التكرار أنتج كيفاً لا كمّاً.
ما يدهش في الطواف أنه يجمع بين قطبَين متعارضَين: الثبات والحركة. الكعبة ثابتة في المركز، والطائف يتحرك حولها. وهذا ليس مجازاً بل معادلة وجودية: ما هو مقدَّس يثبت، وما هو بشري يدور حوله. والعدد سبعة في هذه المعادلة هو العدد الذي يجعل الدوران متعمَّداً لا عشوائياً: سبعة وليس ستة ولا ثمانية، لأن السبعة تحوّل الدوران من نشاط جسدي إلى طقس ذي بنية.
والمُشكل هنا أن السعي بين الصفا والمروة أيضاً سبعة أشواط. وهنا يتوقف الباحث: لماذا يتكرر العدد نفسه في ركنَين مختلفَين من أركان الحج؟ هل لأن الحج كله مبنيٌّ على بنية سباعية واحدة؟ أم لأن الاتساق العددي يُنشئ وحدة طقسية تجعل الحج قابلاً للحفظ والتعلم؟ ربما الاثنان معاً. والأجدر بالتأمل أن السعي — وهو إحياءٌ لذاكرة هاجر — يستعيد رحلة امرأة وحيدة بحثت عن الماء في فضاء صحراوي مرعب. فالسبعة هنا ليست مجرد عدد أشواط بل هي عدد المرات التي يمكن لإنسان مضطر أن يتحرك قبل أن يُدرك أنه بلغ حدّ طاقته البشرية، وعند ذلك الحدّ ينبثق الماء. الطواف — السبعة في الجسد المتحرك:
4. سبع تمرات على الريق — السبعة في جسد الإنسان:
"من تصبَّح بسبع تمرات عجوة لم يضرَّه في ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر" — هذا الحديث النبوي الذي يحفظه ملايين المسلمين يُقدّم السبعة في مستوى مختلف تماماً عن السماوات والأشواط والآيات: هنا السبعة تدخل الجسد مباشرة، تحمي من الداخل، وتُحصّن من السم والسحر معاً.
وهذا الجمع بين السم والسحر ليس عشوائياً بل هو في صميم السيميائية: فالحديث يجمع بين الخطر المادي والخطر الروحي في حماية واحدة مبنية على السبعة. كأن السبع تمرات في جوف الإنسان تُنشئ ما يشبه الدرع المزدوج — جسدياً وروحياً — وكأن العدد سبعة لا يحمي من شيء واحد بل يُحيط بالإنسان من كل الجهات التي يمكن أن يأتيه منها الأذى.
والسؤال الذي يطرحه الباحث بجرأة: لماذا سبعٌ تحديداً ولا ثلاثٌ ولا عشر؟ الطب الحديث لم يُثبت أن السبع تمرات تختلف في تأثيرها الكيميائي عن الست أو الثماني. لكن السيميائية تُجيب بمنطق آخر: ربما لأن السبع تمرات حين تُؤكل واحدةً واحدةً بنية وقصد وذكر تُحوِّل فعل الأكل من استهلاك إلى طقس. والطقس — لا المادة وحدها — هو ما يُنتج الأثر الروحي والنفسي العميق. الجسد يأكل سبع تمرات لكن الروح تؤدي طقساً سباعياً — والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الغذاء والدواء.
والأجمل أن هذا الحديث يجعل السبعة يومية وشعبية ومتاحة — ليست حكراً على العالِم الذي يتدبر بنية الكون، ولا على الصوفي الذي يسعى إلى الوجد، بل هي في متناول كل إنسان يصحو صباحه ويمد يده إلى سبع تمرات. السبعة هنا ديمقراطيةٌ في أجمل صورها: الحماية الكونية بثمن سبع تمرات.
5. العقيقة وأعراس الأقدمين — السبعة في عتبات الحياة:
ثمة خيطٌ سيميائي يربط بين تقليدين قد يبدوان منفصلَين: العقيقة في اليوم السابع، والأعراس القديمة سبعة أيام. كلاهما يضع العدد سبعة عند عتبات الانتقال الكبرى في حياة الإنسان: الميلاد والزواج. وكلاهما يستعمل السبعة لا كقياس زمني بل كـبروتوكول وجودي.
في علم الأنثروبولوجيا، أسَّس أرنولد فان خينيب مفهوم rites de passage — طقوس العبور — وهي طقوس تصاحب الانتقال من حال إلى حال وتتضمن ثلاث مراحل: الانفصال، والعتبة، والانتماء الجديد. وما يلفت الانتباه أن السبعة في الثقافة العربية تُغلّف هذه العتبات تحديداً بدقة مذهلة:
المولود لا يُعطى اسمه ولا تُذبح عقيقته إلا في اليوم السابع. لماذا؟ وهنا يتوقف الباحث أمام سؤال يبدو بسيطاً لكنه عميق: هل اليوم السابع اعتباطٌ، أم ثمة حكمة طبية تقف وراءه؟ المؤرخون الطبيون يُشيرون إلى أن الأسبوع الأول من حياة الوليد هو فترة الحرج الأشد: نسبة الوفيات الرضيعة فيه الأعلى على مدار التاريخ. اليوم السابع إذن عتبة البقاء البيولوجي: من أكمل أسبوعه الأول أثبت أنه جاء ليمكث. وعليه، فالعقيقة في هذا الضوء ليست احتفالاً سابقاً لأوانه، بل شهادةٌ على البقاء واستقبالٌ رسمي لمن ثبت له حق الانتساب إلى الحياة.
وكذلك الأعراس السبعة: الزواج في التقاليد العربية القديمة ليس حدثاً آنياً بل عملية امتداد. سبعة أيام ليست ترفاً ثقافياً بل حاجزٌ زمني بين هويتَين. العروس التي كانت بنتاً في بيت أبيها لا تصبح زوجةً ثم أماً في ليلة واحدة؛ تحتاج إلى زمن انتقال يسمح للهوية الجديدة أن تتشكل من دون صدمة. والسبعة هنا ليست مدة احتفال بل مدة تحوّل: الحد الأدنى من الزمن الذي يمنح الانتقال البشري صدقيته.
ويبرز هنا سؤالٌ نقدي مهم: لماذا لا يُذكر هذا البُعد الطبي الوجودي في الفقه الذي اكتفى بذكر السبعة من دون الاستشكال؟ ربما لأن الفقه كان يُسلَم للحكمة من دون الحاجة إلى تعليل. وهذا السكوت الفقهي عن التعليل هو في حد ذاته ظاهرة سيميائية: السبعة بدهية لا تحتاج إلى مبرر، وهذا دليل على أنها تجذّرت في الوعي الجمعي حتى غدت طبيعية.
وإجمالا؛ إذا كانت السبعة، في أفقها الكوني والنصي، قد ظهرت بوصفها بنيةً تنتظم بها طبقات الوجود وتُقرأ من خلالها هندسة المعنى، فإنها في مستوى الطقس والجسد والزمن تتخذ بُعدًا آخر، أكثر حميمية وقربًا من التجربة الإنسانية. هنا لا يعود العدد فكرةً مجردة أو علامةً في النص، بل يصير إيقاعًا يُعاش، وحركةً تُمارس، ونظامًا يتخلل تفاصيل اليومي، من الذكر إلى الطواف، ومن الأسبوع إلى عتبات الحياة.
وفي هذا التحول، يتبدّى أن السبعة لا تُغادر دلالتها الأولى، بل تعيد إنتاجها في صيغة محسوسة، حيث يتحول الجسد إلى وسيط للمعنى، والزمن إلى وعاء للتكرار الدال، والطقس إلى لغة تُكتب بها العلاقة بين الإنسان والوجود. إننا إزاء انتقال من التجريد إلى التجسيد، ومن البنية إلى الفعل، من دون أن ينفصم الخيط الناظم بينهما، وكأن العدد يواصل حضوره في مستويات متعددة، محافظًا على وحدته العميقة رغم تنوع تجلياته.
ولعل ما يكشفه هذا الامتداد هو أن السبعة ليست مجرد عدد يتكرر، بل هي نسق يشتغل داخل الإنسان كما يشتغل في الكون، يؤطر الإيقاع، ويمنح الفعل معناه، ويعيد ربط اليومي بالأصلي، والعابر بالثابت. إنها طريقة في تنظيم التجربة، بقدر ما هي طريقة في فهم العالم.
ومن ثمّ، فإن دراسة السبعة في هذا المستوى لا تُفضي فقط إلى فهم الطقوس، بل تفتح أفقًا أوسع للتفكير في الكيفية التي تُترجم بها البُنى الرمزية إلى ممارسات، وكيف يتحول المعنى إلى حياة. وعلى هذا الأساس، تمهّد هذه القراءة للانتقال إلى مستوى ثالث، حيث يغدو العدد خطابًا ثقافيًا وكونيًا، تتشكّل فيه المخيلة الإنسانية، ويُعاد فيه إنتاج فكرة الاكتمال خارج حدود النص والطقس، في فضاءات اللغة والفن والعالم.
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
Amal_Ben_Tahar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟