|
|
حين يصبح الصمتُ مِدادًا...قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُقرأ» للناقدة والشاعرة المغربية آمال بن الطاهر دراسة نقدية حداثية في البنية والدلالة والتأويل
آمال بن الطاهر
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 07:53
المحور:
الادب والفن
تصدير نقدي: (قصيدة النثر وصوت الأنثى وإشكال الثنائيات) في سياق التحوّلات العميقة التي عرفها الشعر العربي الحديث، حيث لم تعد القصيدة أسيرة الأوزان الخليليّة ولا رهينة الإيقاع العمودي الصارم، برزت قصيدة النثر بوصفها أفقًا جماليًا مفتوحًا، يُعيد مساءلة اللغة، ويُحرّر الدلالة من قوالبها الجاهزة، ويؤسس لكتابة تتغذّى من الهشاشة والالتباس والتشظّي. وفي هذا الأفق تحديدًا، يندرج هذا الديوان الشعري الذي كُتب بين سنتي 2013 و2014، قبل أن يرى النور متأخرًا، في نهاية 2025 وبداية 2026، صادرًا عن جامعة المبدعين المغاربة بالدار البيضاء، في حجم متوسط يضم 107 صفحات، وموزعًا على 23 قصيدة تشكّل فيما بينها نسيجًا دلاليًا متماسكًا، بالرغم مما يبدو عليه من تشتّت ظاهري. إن هذا التأخّر في النشر لا يمكن اعتباره مجرد معطى زمني عابر، بل هو، في عمقه، عنصر دالّ في تجربة الكتابة ذاتها؛ إذ يُضفي على النصوص مسافة تأملية، تجعلها تُقرأ لا بوصفها انفعالًا لحظيًا، بل كحصيلة نضج داخلي وتخمّر شعوري. فالديوان، من هذه الزاوية، هو كتابة مؤجّلة، أو بتعبير أدق: كتابة اختارت زمنها الخاص لتُفصح عن نفسها. يتأسس هذا العمل الشعري على صوت أنثوي واضح، لا يكتفي بالبوح أو الاعتراف، بل ينهض بوظيفة إعادة بناء الذات في علاقتها بالعالم. إن "الأنثى" هنا ليست موضوعًا للقول، بل هي ذاتٌ قائلة، تتكلم من داخل التجربة، وتعيد تشكيلها عبر اللغة. ومن ثمّ، فإن هذا الصوت لا يندرج في إطار البوح العاطفي "الساذج"، بل يتجاوز ذلك نحو أفق الكتابة بوصفها فعل مقاومة رمزية، تُعيد من خلاله الذات ترتيب علاقتها بالذاكرة، بالجسد، وبالزمن. وتكشف عناوين القصائد، كما ترد في فهرس الديوان، عن حضور لافت لما يمكن تسميته بـ "بنية الثنائيات"، التي تتقاطع فيها الدلالة وتتجاور فيها الأضداد، من قبيل: سكون/قلق، الذاكرة/النسيان، الفجر/الليل، الصمت/الكلمات، الحياة/الموت. وهي ثنائيات لا تُبنى على التعارض الصارم، بل على نوع من التداخل الجدلي الذي يجعل كل حدّ منها ينفتح على نقيضه. فـ"سكون اللانهايات" لا ينفصل عن "ألق الذاكرة"، و"صرخة النسيان" تتجاور مع "شرفة الفجر"، بما يشي بأن التجربة الشعرية هنا تقوم على تفكيك الحدود بين الحالات الشعورية، لا تثبيتها. كما أن الاشتغال على عناوين مثل: "أنفاس صامتة"، "ظل الحقيقة"، "الموت الأخير"، "كلمات ودّعت الصمت"، أو "ألق ذاكرة ملغومة"، يدلّ على وعي لغوي عميق بطبيعة المفارقة الشعرية، حيث تتحوّل اللغة إلى فضاء للتوتر الدلالي، لا مجرد أداة للتعبير. إننا إزاء كتابة تُراهن على الاقتصاد اللغوي والكثافة الإيحائية، وتُشيّد معناها عبر الانزياح، والتلميح، والاختزال. ومن جهة أخرى، يتبدّى أن هذا الديوان ينخرط في ما يمكن تسميته بـ "جمالية الهامش واللايقين"، حيث لا تُقدَّم التجربة في شكل يقينيات مكتملة، بل في صورة شذرات، ولمعات، ومقاطع تنفتح على التأويل. وهو ما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍّ سلبي له. إن قصيدة النثر، كما تتجلّى في هذا العمل، ليست مجرد اختيار شكلي، بل هي رؤية للعالم، تقوم على رفض النسق المغلق، والاحتفاء بالتعدّد، والإنصات إلى التفاصيل الدقيقة والهشّة. وهي، بهذا المعنى، كتابة تُنصت لما هو خافت، لما هو عابر، ولما يُقصى عادة من مركز القول الشعري. ويمكن القول، في ضوء ذلك، إن هذا الديوان يندرج ضمن التجارب الشعرية التي تسعى إلى تأنيث اللغة الشعرية، لا بالمعنى البيولوجي، بل بمعنى إعادة تشكيل الحساسية الجمالية، بحيث تصبح اللغة أكثر قربًا من الجسد، من الذاكرة، ومن التجربة الحيّة. وهو ما يمنح النصوص طابعًا حميميًا، من دون أن تفقد بعدها التأملي والنقدي. وعموما، فإن هذا العمل الشعري، بما يحمله من توتر بين الصمت والكلام، بين الحضور والغياب، بين الذاكرة والنسيان، يقدّم نفسه بوصفه فضاءً لغويًا وجماليًا، يُعيد التفكير في وظيفة الشعر وحدوده. وهو، من ثمّ، جدير بأن يُقرأ لا فقط كديوان شعري، بل كأفق مفتوح للتأويل، وكإسهام نوعي في مسار قصيدة النثر العربية المعاصرة. وإذ تُثير هذه العتباتُ النصيةُ، بما تنطوي عليه من توتّرٍ دلاليٍّ وانزياحٍ تركيبيّ، جملةً من الإشكالات المرتبطة بالذاكرة والنسيان، بالصمت والبوح، وبالزمن في انكساراته الداخلية، فإنّ هذا التصدير لا يدّعي استنفادها أو الإحاطة بكل ممكناتها التأويلية، بقدر ما يسعى إلى الإشارة إليها بوصفها مداخل أولية لقراءة أوسع وأعمق. وعلى هذا الأساس، فإنّ المقاربة التي سننهض بها لاحقًا لا تتّخذ من هذه الإشكالات غايةً مكتفية بذاتها، بل تعتبرها بداية مسار تأويلي مفتوح، سنعمل من خلاله على تفكيك عناوين القصائد بوصفها بنيات دلالية كثيفة، تُخاتل المعنى بقدر ما تقترحه، وتُرجئه بقدر ما توحي به. ذلك أنّ العنوان في هذا الديوان لا يُقرأ باعتباره تسميةً خارجية للنص، بل بوصفه نصًا مصغّرًا، يختزل توتّرات القصيدة ويعيد توزيعها في صيغة إيحائية مركّزة. ومن ثمّ، فإنّ تحليلنا اللاحق سيقارب هذه العناوين في أفق مقاربة دلالية لا نهائية، حيث لا يُنظر إلى المعنى باعتباره معطًى ثابتًا، بل كحركة مستمرة من الانفتاح والتوالد. إنّها قراءة تنطلق من العنوان لتعود إليه، وتفكّكه لتعيد بناءه، في أفق تأويلي يجعل من كل قصيدة بداية جديدة للمعنى، لا خاتمة له. وبذلك، يغدو هذا الديوان، في عمقه، ليس فقط مجموعة نصوص شعرية، بل أفقًا قرائيًا لا ينغلق، ومجالًا خصبًا لاختبار إمكانات اللغة في توليد الدلالة، حيث كل قراءة ممكنة هي، في الآن ذاته، إرجاءٌ لقراءة أخرى قادمة.
I. العنوان بوصفه خريطة أولى: لا يتأخّر «خرائط لا تُقرأ» في الإفصاح عن إشكاليته الكبرى؛ بل يُعلنها منذ العتبة الأولى، منذ العنوان الذي هو نصٌّ في حد ذاته، ورسالة قبل الرسالة، وصدمة قبل الصدمة. فالخريطة في معناها الحرفي أداةُ توجيه واستدلال، رسمٌ يُختزل فيه المكان ويُحوّل إلى علامة مقروءة. ومنذ بدء البشرية في رسم الخرائط كانت الغاية واحدة: أن تُقرأ، أن تُوجّه، أن تُخبر. فكيف تكون الخريطة «لا تُقرأ»؟ هذا السؤال هو المحرّك الأول لشعرية الديوان. حين تُصبح الخريطة ـ أداة اليقين والضبط والمعرفة ـ خريطةً عصيّة على القراءة، يتداعى معها كل يقين وكل ضبط. الخريطة التي لا تُقرأ هي استعارة مُركّبة للذات الضائعة في جغرافيا وجودها، للعالم الذي فقد قابليته للاختزال في علامات مُفهومة، للغة التي ترتدّ على ذاتها حين تُحاول أن تقول ما لا يُقال. وتزيد صورة الغلاف هذا البُعد الدلالي ثراءً؛ إذ تُجسّد خريطة العالم بألوان متفجّرة متشظّية، كأنها مرسومة بالمشاعر لا بالأقلام و"المساطر"، خريطة تفيض عن حدودها وتتجاوز صرامة الجغرافيا نحو فوضى التعبير. وهذا التوتر بين ضبط الخريطة وانفلات اللون هو توتر الديوان كله: بين ما تُريد الشاعرة أن تضبطه في لغة وما يأبى إلا أن ينفلت. II. الشاعرة والنص: صوت المرأة في مواجهة الغياب آمال بن الطاهر صوت شعري ينتمي ـ في العصر الراهن ـ إلى الأجيال التي تُعيد تعريف الكتابة النسائية ـ العربية عامة والمغربية خاصة ـ ليس من البنية المعمارية للديوان: باب الجنوسة (Gender) وحدها، بل من باب الرؤيا الكونية التي لا تعترف بحدود ضيقة. فديوانها لا يُعلن أنه ديوان امرأة كما يفعل كثير من الكتابات التي تجعل من الأنثوية تُهمةً أو لواءً في آنٍ معًا. بل هو ديوان إنسان يُفكّر في الغياب والحضور، في الذاكرة والزمن، في الوطن والاغتراب. غير أن العين الناقدة المتأنية تكشف أن ثمة أنوثة خاصة في طريقة معالجة هذه الموضوعات: أنوثة تتجلى في الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة والهامشية ـ تلك التي تتجاهلها الكتابة الذكورية لانشغالها بالكليات ـ وفي تحويل اللحظة الصغيرة إلى حاملة المعنى الأعظم، وفي الانتصار للصمت بوصفه خطابًا لا انعدامًا للخطاب. وهذا ما تُجلّيه المقاطع التقديمية على غلاف الديوان حين تُصرّح أن «خرائط لا تُقرأ» ديوان شعري يشتغل على المساحات التي تتوارى فيها اللغة أكثر مما تقال، حيث يتحوّل الفراغ من كونه غيابًا إلى بنية دلالية، ويغدو الصمت شكلًا من أشكال القول المُؤجَّل. هذه الجملة الافتتاحية ليست وصفًا للديوان فحسب، بل هي بيانه الجمالي و"مانيفستو" شعريته. III. المنظومة الدلالية وتضافر الثنائيات: ١. ثنائية الصمت والكلام: الصمت في «خرائط لا تُقرأ» ليس صمتَ العجز ولا صمت الانسحاب، بل هو ما يُمكن أن نُسمّيه ـ مستعيرين من موريس بلانشو مصطلحه الشهير ـ «الكتابة بالنار»: ذلك الصمت الذي يحمل في تضاعيفه ضجيجًا لا يسمعه إلا من تدرّب على الإصغاء إلى الأعماق. فـ«سكون اللانهايات» يختلف جذريًا عن السكون العادي؛ إنه سكون ذو بُعد وجودي يُحيل إلى غياب لا حدود له، إلى عدم لانهائي يسكن الكينونة. أما «الأنفاس الصامتة» فتُولّد تناقضًا دلاليًا خصبًا: كيف يكون النَّفَسُ — وهو الدليل المادي على الحياة — صامتًا؟ إن هذا التناقض لا يُلغي أحد طرفيه، بل يُنتج من توترهما شعريةً خاصة: هي شعرية الحياة التي تُشبه الموت، أو الموت الذي لا يزال يتنفس. وهذا ما يُؤكده عنوان «كلماتٌ ودّعت الصمتَ»: فالكلمات هنا لم تكسر الصمت بل ودّعته، وهو توديع يحمل من الألم ما يُساوي التوديع الأبدي. وفي المقابل، يُقابل الديوان هذا الصمتَ المُلتهب بـ«زخم البوح»، عنوان يحمل طاقة دلالية هائلة: «الزخم» كلمة تنتمي معجميًا إلى عالم القوى والتدافع والتراكم، وحين تُضاف إلى «البوح» ـ الإفصاح النفسي والعاطفي ـ ينتج عنها صورة البوح المُتراكم الذي طال احتجازه حتى صار له زخمٌ لا يُقاوَم. إن هذا التحوّل من الصمت إلى زخم البوح هو المسار الدرامي الكامن في عمق بنية الديوان. ٢. ثنائية الذاكرة والنسيان: الذاكرة حضور شبحيّ مُلتهب في «خرائط لا تُقرأ». نجدها في «ألق الذاكرة» و«ألق ذاكرة ملغومة»، وهذان العنوانان المتشابهان في بنيتهما؛ المختلفان في دلالتهما يُمثّلان بؤرةً تأويلية بالغة الأهمية. «الألق» كلمة تنتمي إلى حقل البريق والإضاءة والبهاء، فهو لا يُحيل إلى ذاكرة باهتة بل إلى ذاكرة مُشعّة، حيّة، مُوجعة في حيويتها. أما حين تصبح هذه الذاكرة «ملغومة» في العنوان الثاني، فإن الشاعرة تكون قد انتقلت من توصيف الذاكرة إلى الكشف عن طبيعتها الخطِرة. الذاكرة الملغومة هي ذاكرة يتربّص فيها الألم وراء كل صورة، تمشي بين أرجائها بحذر خشية أن تنفجر في وجهك. وهذا التطور الدلالي من ذاكرة ذات «ألق» إلى ذاكرة «ملغومة» يرسم مسار الذاكرة في الوعي الشعري من البهاء إلى الخطر، وهي رحلة نفسية تستحق أن تُقرأ في ضوء نظرية بول ريكور في كتابه «الذاكرة، التاريخ، النسيان». أما النسيان فتُحضره الشاعرة بصيغة مغايرة تمامًا: «صرخة النسيان»، وهي صيغة تُضفي على النسيان — الذي هو سكون وانمحاء — طابعَ الصراخ والانفجار. إنه نسيان مُتمرّد، ثائر على ذاته، يرفض أن يمحى صامتًا. وفي هذا التناقض البلاغي البديع كثير من الحقيقة النفسية: فالنسيان الحقيقي لا يأتي هادئًا، بل يصرخ قبل أن يُسدل ستاره. ٣. ثنائية الليل والفجر: يُكثّف الديوان في فضائه الزمني من حضور الفجر والليل بوصفهما لحظتين وجوديتين لا مجرد ظرفين زمنيين. «شُرفة الفجر» و«تراتيل الفجر» يُقيمان الفجرَ مكانًا للمشاهدة والتعبّد في آنٍ معًا: الشرفة فضاء يقف منه المرء ليُشاهد، والتراتيل أداء روحي تُتلى فيه كلمات ذات مقدسة. فالفجر هنا ليس مجرد بزوغ ضوء، بل هو مناسبة للمراقبة الميتافيزيقية، لحظة ينكشف فيها ما تُخفيه الظلمة. في المقابل، «ثمالة الليل» تُقيم للّيل حضورًا آخر: الثمالة آخرُ اللقاء، بقية الشراب في القارورة، بقية الخمر أو ما تبقى من أثر السُّكر. آخر رنين للوعي قبل أن يسقط في اللاوعي. الليل الثمل هو ليل عتيق شارف على الانتهاء لكنه لا يُريد أن ينتهي. وفي هذه الصورة تكثيف بديع للمعنى الوجودي: كل حياة هي ثمالة ليل طويل. IV. الموت والتجاوز: الفجر الوجودي: يُجسّد عنوان «الموت الأخير» ما يمكن أن نُسمّيه «مفارقة الموت التكراري»: فإذا كان ثمة موت أخير، فهذا يعني بالضرورة أن ثمة موتاتٍ سابقة متعددة. الموت في هذا الديوان ليس حادثة واحدة، بل هو مسيرة من الموتات المتتالية ـ موت الأحبة، وموت الأحلام، وموت المعنى، وموت الوطن ـ قبل أن يجيء الموت الأخير ليُختم بها كلِّها. هذا التصوّر يُذكّر بما ذهب إليه مارتن هايدغر في تحليله للوجود نحو الموت، إذ يرى أن الإنسان وجوده منذور للموت وأن الاعتراف بهذا المصير هو شرط الأصالة الوجودية. غير أن الشاعرة تذهب أبعد من هايدغر حين تُضيف صفة «الأخير» للموت، كأنها تقول: نعم، أنا أعرف أنني سأموت، لكني عشتُ قبل ذلك موتات ربما كانت أصعب من الموت ذاته. أما «تفاحة آدم» فتُستدعى من المتخيّل الديني والأسطوري لتحمل دلالاتها المتراكمة عبر التاريخ: الإغراء، والمعرفة، والسقوط، والخروج من الجنة. التفاحة في عنوان قصيدة حديثة ليست تكرارًا سطحيا للرمز القرآني والتوراتي، بل هي إعادة توظيف تضعنا أمام سؤال مضاعف: ما الذي أغرانا نحن؟ وما تفاحتنا التي خسرنا بسببها جنتنا؟ إن الشاعرة بإدراجها «تفاحة آدم» بين موتاتها الشعرية تُؤنسن السقوط الكوني وتجعله سيرة فردية، وهذا من أرقى ما تفعله القصيدة حين تُصغّر المطلق لتجعله ممسوسًا.
V. الهوية والانتماء: الوطن بوصفه جرحًا مفتوحًا يختتم الديوان بـ«موطني هناك»، وهو عنوان يُثير جملة من التساؤلات التأويلية الخصبة. «هناك» ـ هذا الظرف المكاني الذي يُشير إلى البُعد والغياب ـ يُوضع في علاقة مع «الموطن» الذي هو مفهوم الانتماء والقُرب والأصل. حين يصبح الوطن «هناك» يكون المرء في حالة من الاغتراب المُضاعف: اغتراب جسدي عن مكانه، واغتراب روحي عن هويته. وهذا الاغتراب لا تُعبّر عنه الشاعرة بلغة الشكوى والبكاء ـ كما فعل شعراء المهجر الكلاسيكيون من جبران وميخائيل نعيمة ـ بل تُجلّيه في كلمتين اثنتين حافلتين بالإيجاز والكثافة الدلالية. «موطني هناك»: جملة اسمية قصيرة تحمل بداخلها كل ألم الغياب من دون أن تُفصح عن ذلك الألم مباشرة، وهذه هي الحداثة الشعرية في أبهى صورها: التعبير بالحدّ الأدنى من الكلمات لإنتاج الحدّ الأقصى من الدلالة. غير أن الوطن في الديوان لا يُختزل في هذا العنوان الأخير. فـ«التّيه» يُحيل إلى حالة الضياع وفقدان الجهات، وهي حالة لا تعرف الأرض التي وطئت عليها قدمك. و«ودقّ الجرس» يستحضر إيقاعًا يُنبّه ويُنذر، جرسٌ يدقّ في فضاء مجهول: أهو جرس العودة؟ أم جرس الوداع؟ وفي هذا الغموض الإيحائي تكمن القوة التعبيرية التي تُميّز الشعر عن سائر الخطابات الإبداعية. VI. التحليل الأسلوبي : اللغة الشعرية وآليات الإنتاج الدلالي ١. الإضافة الشعرية كأداة للكثافة الدلالية: من أبرز الخصائص الأسلوبية في «خرائط لا تُقرأ» اعتماده المكثّف على التركيب الإضافي وسيلةً للإنتاج الدلالي: «سكون اللانهايات»، «ألق الذاكرة»، «صرخة النسيان»، «شرفة الفجر»، «سكون الأرواح»، «ظل الحقيقة»، «تراتيل الفجر»، «ثمالة الليل»، «أنامل القدر»، «غواية الشمس»، «زخم البوح»، «لحظة في الزمن»... هذا الاعتماد على التركيب الإضافي يُعدّ استراتيجية أسلوبية واعية. فالإضافة في العربية لا تقتصر على ربط حدّين معجميين، بل تُنشئ بينهما علاقةَ تخصيص تُولّد دلالة جديدة من تضافر الدلالتين. «سكون اللانهايات» لا يعني سكون شيء محدد ولا اللانهايات وحدها، بل يعني تلك الهيبة الخاصة الساكنة في قلب المطلق. «ظل الحقيقة» لا يعني أن للحقيقة ظلًا ماديًا، بل يُجسّد فكرة أن ما نعيش به ليس الحقيقة ذاتها، بل خيالها المُلقى على جدار وجودنا. ٢. المفارقة الدلالية بوصفها أسلوبًا شعريًا: كثير من عناوين الديوان تقوم على المفارقة الدلالية أو ما هو قريب منها: «أنفاس صامتة» (فالأنفاس حركة والصمت سكون)، «كلمات ودّعت الصمت» (توديع الصمت فعل صاخب لكن المُودَّع صامت)، «الموت الأخير» (فالموت واحد لا أُخريات له في منطق الحياة)، «صمت أثيل» (فالصمت لا جذر له يُؤصّله في أرض). هذا التوظيف المنهجي للمفارقة يُشير إلى عقلية شعرية تُؤمن أن الحقيقة لا يمكن التعبير عنها إلا حين تجمع بين متناقضين في آنٍ معًا. وهذا ما عبّر عنه المنطق الشعري الهيراقليطي قديمًا حين قال إن: «الطريق الصاعدة والطريق الهابطة طريق واحدة»، وما أعاد توظيفه T.S. إليوث في «الأرض الخراب» حين جمع الحياة والموت في صورة واحدة. ٣. بلاغة الحذف والإيجاز: تتميز قصائد الديوان ببلاغةُ الحذف الواعي: ذلك الفراغ المُتعمَّد بين الكلمات، وذلك الصمت المُصمَّم بين الأسطر. وهذا ما تُشير إليه مقاطع الغلاف حين تُؤكد أن الديوان يشتغل على «المساحات التي تتوارى فيها اللغة أكثر مما تقال». فالبلاغة هنا ليست بلاغة الامتلاء بل بلاغة الفراغ، ليست بلاغة ما يُقال بل بلاغة ما يُومأ إليه. وهذه هي الكتابة الأعلى درجةً في سُلّم الشعرية: أن تقول بالصمت ما يعجز عنه الكلام. VII. التحليل الفينومينولوجي: الذات الشاعرة وإشكالية الزمن تبدو الذات الشاعرة في «خرائط لا تُقرأ» ذاتًا "مسكونة" بإشكالية الزمن والحدوسية (Temporality). «لحظة في الزمن» عنوان يُوحي بأن الذات تُدرك نفسها بوصفها «لحظة»، أي بؤرةً زمنية ضيقة في أفق زمني هائل لا يُحاط به. وهذا الوعي باللحظية ليس يأسًا، بل هو من صميم الحضور الأصيل: أن تُدرك عابريتك لتعيشها باكتمال. أما «أنامل القدر» فتُجسّد تصوّرًا للقدر لا بوصفه قوة مجردة ومُبهمة بل بوصفه كيانًا يمتلك أنامل، أصابع دقيقة تعزف على أوتار حياتنا. وهذا التجسيد الحسي للمجرد هو من أرقى أساليب الشعرية الحداثية التي تُعيد إلى العالم حسيّته بعد أن جرّدته الفلسفة والعقلانية. و«غواية الشمس» تُحيل إلى الشمس ـ رمز المعرفة والنور المطلق عبر التاريخ من أفلاطون إلى الرومانتيكيين ـ لكنها تُحوّلها إلى غاوية، إلى عنصر جذب وإغراء وربما "خطر". فالشمس حين تُغري، تدعوك إلى النظر المباشر إليها، وهذا ما يُعمي. الحقيقة المُطلقة تُعمي من يتطلع إليها مباشرة، ومن هنا جاءت الشعرية لتُوسّط بين الإنسان والمطلق، لتُصفّي شعاع الشمس حتى يصبح محتملًا. VIII. المقاربة النفسية: اللاوعي الشعري والكبت والبوح يُمكن قراءة «خرائط لا تُقرأ» كله بوصفه صراعًا بين الكبت والبوح، بين ما تُريد الشاعرة أن تقوله وما حبسته طويلًا خلف أسوار الصمت. «زخم البوح» يُشير إلى أن البوح ليس فعلًا إراديًا هادئًا، بل هو انسياح بعد تراكم، "كانبثاق الماء من خلف السد حين يتشقّق". وهذا يعني أن ثمة كبتًا حقيقيًا سابقًا، صمتًا طال وأضغط على الشاعرة حتى انبثق في زخم لا يُوقَف. وهنا يتقاطع المنهج النفسي مع المنهج الظاهراتي: فالكبت في التقليد الفرويدي وما بعده ليس فراغًا بل هو طاقة مُوجَّهة تحت السطح، تتراكم حتى تُفجَّر. وحين تتحوّل هذه الطاقة المكبوتة إلى قصيدة، فإن القصيدة تحمل مستويات من المعنى متراكمةً من زمن الصمت، مستويات يُحسّها القارئ من دون أن يُسمّيها دائمًا. «كيدكم أسبقُ...وأعظم»؛ عنوان يتضمّن خطابًا مباشرًا لمخاطَب جمعي غائب. وهذا الخطاب ينكشف عن صراع وعن انتصار: انتصار الذات على ما أُريد لها من هزيمة أو إسكات أو تهميش. «كيدكم» توحي بمؤامرة أو محاولة إسقاط متواصلة، لكن «أسبقُ...وأعظم» تُعلن أن الذات الشاعرة تجاوزتها وسبقتها، ليس فقط في الزمن بل في القيمة. وهذا الانتصار الشعري على الكيد حمله الشعر العربي منذ المتنبي، لكنه يكتسب في صوت امرأة معاصرة طعمًا آخر وبُعدًا إضافيًا. IX. الديوان في سياق الشعرية العربية المعاصرة: حين نضع «خرائط لا تُقرأ» في سياقه الأشمل، نجده يُحاور ـ من دون أن يُقلّد ـ مسار الشعرية العربية الحداثية منذ أدونيس وسعدي يوسف وأنسي الحاج إلى أجيال ما بعد الحداثة التي أعادت رسم خارطة القصيدة العربية. ما يُميّز هذا الديوان في هذا السياق هو تلك المعادلة الصعبة بين الانفتاح على العالمي والرسوخ في العربي. فمن جهة، نجد في عناوينه أصداء الأسئلة الوجودية الكونية؛ الموت، والزمن، والمعنى، والهوية...، وهي أسئلة لا تنتمي إلى لغة بعينها. ومن جهة أخرى، تنهل اللغة الشعرية من ينابيع المعجم العربي العريق وتُوظّف صوره وأنساقه في خدمة رؤية معاصرة. وهذا التوازن هو ما تسعى إليه الحداثة الشعرية الراشدة: ليست الحداثة "صيحةً" شكلانية ولا قطيعةً مع التراث، بل هي استيعاب التراث وتجاوزه، إعادة تأسيسه على أرضية السؤال الراهن. ثم إن الديوان يُضيف إلى المشهد الشعري المغاربي بوجه خاص بُعدًا نسائيًا متميزًا، يقف في حوار صامت مع أصوات كالشاعرة فاطمة الزهراء بنمسعود والشاعرة حليمة زين العابدين، من دون أن يُذوّب خصوصيته في جماعية مُفترضة. فآمال بن الطاهر صوت منفرد، وهذا الانفراد هو علامة الشعر الحقيقي. X. خلاصة تأويلية ) حين تُصبح الخريطة مرآة(: في «خرائط لا تُقرأ» تُعيد آمال بن الطاهر تعريف الخريطة من أداة جغرافية إلى استعارة وجودية. الخريطة التي لا تُقرأ ليست خريطة فاشلة، بل هي خريطة تُصرّ على أن بعض الفضاءات لا تُختزل في علامات، وبعض التضاريس الداخلية لا تخضع للمعاينة من الخارج. الخريطة هنا صورة الذات التي تنتهي كلما حاولت أن تضعها في إطار، وصورة العلاقات التي تتشظّى كلما حاولت أن تُثبّتها في تعريف. وهذا ما يجعل من الديوان نصًا حيًّا يُنتج معناه في كل قراءة من جديد، ولا يستنفد دلالته في جلسة واحدة. إنه ديوان يُضيف إلى اللغة لغة، وإلى العالم عالمًا، وإلى القارئ قارئًا أكثر انتباهًا لما بين السطور وما خلف الصمت. وفي زمن يتسارع فيه كل شيء ويُختزل في ومضات وإشعارات، يأتي «خرائط لا تُقرأ» ليُذكّرنا أن بعض المعاني تستحق أن تُساق إليها ببطء، وبعض الحقائق لا تنكشف إلا لمن تدرّب على الصبر والإصغاء؛ إلى الكلمة، وإلى الصمت الذي يعيش بينها.
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يتكلّم الغيم: مقاربة في شعرية القصة القصيرة عند محمد زهي
...
المزيد.....
-
معرض -باليه البولشوي ليوري غريغوروفيتش- يفتتح أبوابه في روما
...
-
موسيقى وتاريخ.. حفل تأبيني عند نصب رزييف يُحيي الذكرى الـ85
...
-
مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027
...
-
المخرج سرمد ياسين: الفيلم القصير مقيد بضعف الإنتاج وضعف التس
...
-
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس: تم إحراز تقدم في مجال المحا
...
-
-بروفة يوم الحساب-.. المسرح السوري يفتح الستارة على أسئلة ال
...
-
انهيار فنان مصري شهير في بث مباشر
-
بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
-
بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو
...
-
من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|