آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 09:52
المحور:
الادب والفن
في زمن تتكاثر فيه الأشكال السردية وتتشعّب، وتتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية حتى تكاد تتلاشى، يظل سؤال واحد معلّقاً في فضاء النقد الأدبي: هل تكفي الحكاية لكي نكون أمام قصة؟
ليس هذا سؤالاً بريئاً، ولا هو من قبيل المسائل التعريفية الجانبية التي يأنس إليها علماء التصنيف. إنه سؤال يمسّ جوهر الكتابة الإبداعية ومشروعيتها، ويمسّ قبل ذلك طبيعة العلاقة الثلاثية المتوترة بين الكاتب والنص والقارئ. وحين يُطرح اليوم في ظل التحولات السردية المعاصرة التي تُقصي الحكاية وتُقدّم التجريب اللغوي والبنائي، فإنه يصبح سؤالاً وجودياً يتعلق بمصير جنس أدبي بأكمله.
وإذا كان هذا السؤال قد بدا في مراحل سابقة وكأنه محسوم ضمنيًا لصالح الحكاية، فإن السياق الراهن يعيد فتحه بوصفه سؤالًا مُقلقًا، لا لأنه يفتقر إلى إجابة، بل لأنه يفيض بإجابات متناقضة. ذلك أن القصة لم تعد كيانًا ثابتًا يمكن الإحاطة به تعريفًا، بل أصبحت فضاءً تفاوضيًا تتصارع داخله تصورات متعددة حول ماهية السرد ووظيفته وحدوده.
1. مفهوم القصة بين الثبات والانزياح:
كان الناقد الأمريكي إدغار ألان بو أول من وضع للقصة القصيرة معماراً نظرياً متماسكاً حين اشترط لها "الأثر الواحد" (single effect)، أي تلك الوحدة الانطباعية التي يجب أن يخرج بها القارئ من التجربة النصية كاملةً غير منقوصة. وقد بنى عليه النقد الأنجلوسكسوني صرحاً مديداً من الاشتراطات: الإيجاز، والتكثيف، ووحدة الحدث، والبنية المقوّسة ذات البداية والذروة والنهاية.
غير أن هذا المفهوم الكلاسيكي تعرّض لهزّات متتالية على يد الحداثة السردية. فمنذ تشيخوف الذي أطاح بضرورة الحبكة المحكمة وفضّل القصة-الشريحة (slice of life)، إلى بورخيس الذي جعل من اللعب الفكري واللامتناهي حكايةً قائمة بذاتها، إلى كافكا الذي استبدل بالمنطق الواقعي منطق الكابوس، إلى أمريكا اللاتينية التي اخترعت عوالم حيث السحري هو العادي والمألوف هو المدهش — منذ كل هؤلاء، أصبح مفهوم القصة مفهوماً مفتوحاً، يُعاد تشكيله مع كل تجربة كتابية حقيقية.
ولعل ما يكشفه هذا التحول هو أن القصة لم تعد تُقاس بمدى التزامها بقواعد مسبقة، بل بقدرتها على إنتاج أثر جمالي خاص بها. فبدل أن تكون القواعد مرجعيةً للنص، صار النص نفسه هو الذي يقترح قواعده الداخلية، ويُرغم القارئ على إعادة ضبط أدواته التأويلية. وهنا يتحول التعريف من كونه أداة ضبط إلى كونه أفقًا مفتوحًا للتفاوض.
وفي الأدب العربي تحديداً، انتقلت القصة من مرحلة الرواد (محمد تيمور، يحيى حقي، يوسف إدريس) التي اعتمدت الحكاية الاجتماعية الواقعية دعامةً أساسية، إلى جيل الحداثة الذي انشغل بالتشكيل اللغوي وتكسير البنى، إلى ما بعد الحداثة التي أعلنت أن النص هو المرجع الوحيد لنفسه. ولعل هذه القفزات المتسارعة هي التي تجعل سؤال التعريف حاضراً بإلحاح في كل ندوة نقدية جادة.
غير أن هذا الانتقال لم يكن خطيًا ولا متجانسًا؛ إذ ظلت أشكال تقليدية تتجاور مع أخرى تجريبية، مما خلق مشهدًا سرديًا متعدّد الطبقات، تتعايش فيه أنماط متباينة من الكتابة، وتتصادم فيه تصورات مختلفة حول ما ينبغي أن تكون عليه القصة.
2. حين تتوارى الحكاية — ما الذي يبقى؟
يُقرّ التراث النقدي منذ أرسطو بأن الحكاية (mythos) هي عماد التمثيل الأدبي. غير أن كثيراً من النصوص المعاصرة تطرح تحدياً صريحاً لهذا المُسلَّم: ما الذي يحدث حين تتراجع الحكاية إلى الهامش، وتحتل اللغةُ مركز الثقل؟
ثمة ثلاثة مشاهد يمكن رصدها في المشهد السردي الراهن:
أ- المشهد الأول: القصة-الحالة
وهي نصوص لا تروي حدثاً بقدر ما تُجسّد لحظةً، أو صوراً، أو مناخاً نفسياً. تستبدل بمنطق السببية (causalité) منطقَ التراكم الانطباعي. تبدو وكأنها قصيدة نثر تنكّرت في هيئة قصة، أو شذرة فلسفية التبست باللغة السردية. السؤال: أين تنتهي القصة وتبدأ الخاطرة؟
ب- المشهد الثاني: القصة-التجريب
نصوص تتعمّد تفكيك أدوات السرد التقليدية: تعدد الأصوات المتناقضة من دون مصالحة، والزمن المتشظي غير القابل للتخطيط، والشخصيات غير المكتملة التي لا تنمو ولا تتحول. هذه النصوص تضع القارئ في موضع المُحاكَم لا المتلقي. السؤال: هل التجريب غاية في ذاته، أم وسيلة لكسر الأُطر المُعتادة لإنتاج دلالة أعمق؟
ج- المشهد الثالث: القصة-اللغة
وهي ربما الأكثر إشكاليةً، تلك النصوص التي تجعل من اللغة ذاتها الحدثَ السردي. الكلمات لا تحكي بل تتحرك وتتصادم وتتوالد. الدلالة ليست موضوعاً خارج النص بل هي ما يتشكّل داخل العلاقات اللغوية ذاتها. نحن هنا إزاء أدب يجعل من الشكل المضمون.
وما يجمع هذه المشاهد الثلاثة ليس غياب الحكاية فقط، بل إعادة توزيعها داخل مستويات أخرى من النص. فالحكاية لا تختفي تمامًا، بل تُعاد صياغتها في شكل إيقاعات لغوية، أو توترات بنيوية، أو فراغات دلالية يدعو النص القارئ لملئها. ومن هنا، يصبح الغياب نفسه استراتيجية سردية، لا نقصًا بنيويًا.
في مواجهة هذه المشاهد الثلاثة، يبدو أن الحكاية — بمعناها الكلاسيكي البسيط — قد لا تكون شرطاً كافياً ولا شرطاً ضرورياً لقيام القصة. لكن هذا لا يعني أن القصة تستطيع الاستغناء عن كل وظيفة حكائيّة. بل ربما المسألة تكمن في التمييز بين الحكاية كمادة خام، وبين السرد كفعل بنائي.
3. الإشكال الجوهري — ماذا نعني بإعادة بناء العالم داخل النص؟
يُحيلنا هذا النقاش إلى ما صاغه الناقد الفرنسي بول ريكور في ثلاثيته الكبرى الزمان والسرد: فالحكي ليس توثيقاً للتجربة الإنسانية بل هو إعادة تشكيلها. الحكاية في النهاية ليست ما جرى، بل الطريقة التي يُعاد بها تخيّل ما جرى أو ما كان يمكن أن يجري. من هذا المنظور، القصة الحقيقية لا تبدأ بالحادثة بل بـالكيفية التي تُقال بها الحادثة.
وهذا التصور يجعل من السرد فعلًا إبستمولوجيًا بقدر ما هو فعل جمالي؛ إذ لا يكتفي النص بتمثيل العالم، بل يُعيد إنتاج شروط فهمه. القصة هنا ليست مرآة للواقع، بل جهاز لإعادة ترتيبه، وتفكيك بداهاته، وكشف ما يختبئ خلف مظهره المباشر.
وهنا يكمن الفرق بين قصتين تشتركان في الموضوع ذاته: قصة تخبرنا أن امرأة فقدت طفلها فحزنت، وقصة تُدخلنا في تضاعيف ذلك الحزن حتى نصبح نحن الخاسرين. الأولى تبلّغ، والثانية تُوجد. الأولى معلومة، والثانية تجربة. والفارق بينهما ليس في وجود الحكاية أو غيابها، بل في القدرة على استدعاء القارئ داخل النص حتى يُصبح شريكاً في صناعة المعنى.
4. مفارقة التلقي — قصة بلا قصة؟
يطرح السؤال الإشكالي العام للندوة ما يشبه المفارقة اللغوية: هل يمكن أن توجد قصة بلا قصة؟
وأزعم أن الإجابة لا يمكن أن تكون قطعية في أي من الاتجاهين. فمن جهة، يرفض القارئ العادي — ذلك الكائن الذي لا يُفترض أن يكون ناقداً أكاديمياً — النصوص التي تفتقر كلياً إلى خيط سردي يمكن تتبّعه. وهذا الرفض ليس محافظةً بل هو استجابة أنثروبولوجية جذرية: البشر كائنات تحتاج الحكي "كما تحتاج الهواء". الحكاية ليست جنساً أدبياً — إنها طريقة في الوجود.
غير أن هذا القارئ نفسه قد ينخرط، دون وعي منه، في نصوص تُقدّم له أشكالاً سردية مغايرة، شريطة أن تمنحه حدًا أدنى من الارتكاز الدلالي. وهذا ما يكشف أن التلقي ليس ثابتًا، بل هو بدوره قابل للتشكل والتدريب.
لكن من جهة أخرى، ثمة نصوص أبهرت القراء المدرّبين وأنتجت لهم رجّات جمالية عميقة دون أن تحكي شيئاً بالمعنى التقليدي. هذه النصوص لا تلغي الحكاية بل تُؤخّرها وتُحوّلها من طبقة الحدث إلى طبقة الشكل واللغة والإيقاع. الحكاية صارت مُضمَرة، أو مُجزّأة، أو قائمة في ما بين السطور.
ولعل هذا ما يجعل النقد الأدبي الجاد مُلزَماً بالتمييز بين ثلاثة مستويات:
• الحكاية (story): المادة الخام من أحداث وشخصيات وتسلسل.
• الخطاب (discourse): الطريقة التي تُنظَّم بها تلك المادة داخل النص.
• السرد (narration): الفعل التواصلي الذي يربط النص بقارئه.
غير أن هذه المستويات لا تعمل في عزلة، بل في تفاعل دائم، حيث يمكن لهيمنة أحدها أن تعيد تشكيل وظيفة الآخرين. فحين تتضخم اللغة، تعيد تعريف الحكاية؛ وحين تتفكك الحكاية، يبرز الخطاب بوصفه مركز الثقل.
القصة الحقيقية تشتغل على المستويات الثلاثة. وحين يُقصي النص أحدها كلياً — حتى على مستوى الغياب الدال — تبدأ الحدود مع الأجناس المجاورة في الانهيار.
خاتمة: من يملك حق تعريف القصة؟
ربما المآل الحقيقي لهذا النقاش هو سؤال السلطة: من يملك الحق في تعريف القصة؟
هل هو الكاتب الذي يكتب خارج الأعراف ويُصر على أن ما أنتجه "قصة"؟ أم الناقد الذي يقيس بالأدوات النظرية المتراكمة؟ أم القارئ الذي يعيش التجربة ويحكم بالأثر الذي تركته في وعيه؟ أم المؤسسة الأدبية — الجوائز والمجلات والمناهج الدراسية — التي تُكرّس هذا وتُهمّش ذاك؟
ولا ينبغي إغفال أن هذه السلطة ليست ثابتة، بل تتغير بتغير السياقات الثقافية والتاريخية. فما يُعدّ قصة في زمن قد يُقصى في زمن آخر، والعكس صحيح. وهذا ما يجعل تعريف القصة فعلًا تاريخيًا بقدر ما هو نقدي.
لا أظن أن الإجابة تنتمي لأيٍّ منهم منفرداً. القصة تُعرَّف في المساحة التفاوضية بين هؤلاء جميعاً. وهي مساحة لا تهدأ، ولا ينبغي لها أن تهدأ، لأن سكونها يعني أن الأدب توقف عن طرح أسئلته الأكثر جوهرية على نفسه.
وفي النهاية، ربما لا تحتاج القصة إلى حكاية بالضرورة. لكنها تحتاج دائماً إلى رهان: رهان على أن شيئاً ما سيتغير في القارئ — ولو على نحو خفي — حين يصل إلى السطر الأخير. فإن وُجد هذا الرهان وتحقق، فنحن أمام قصة. وإن غاب، فنحن أمام كلام.
"الحكاية هي ما نرويه، والقصة هي ما يبقى."
لكن لعل ما يبقى حقًا ليس القصة ولا الحكاية، بل ذلك الأثر الغامض الذي يتسرّب من النص إلى الوعي، ويستقر فيه بوصفه تجربة لا تُختزل في معنى واحد. هناك، في تلك المنطقة غير القابلة للتسمية، تبدأ القصة الحقيقية.
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
Amal_Ben_Tahar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟