|
|
الزجل المغربي: جذور الهوية وأسئلة الحداثة قراءة في مسار فن عريق من بداياته إلى ديوان -غيْمة بْلا سما- للزجالة المغربية آمال بن الطاهر
آمال بن الطاهر
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 08:12
المحور:
الادب والفن
في كلِّ ثقافة إنسانية عميقة تنبثق من صميمها لغةٌ موازية، لا تُزاحم اللغة الرسمية على عرشها، بل تسكن الطوابق الدنيا من الروح، حيث تتراكم الأحزان غير المُسمَّاة، والأفراح غير المُحتفى بها، والهواجس التي لا تجد طريقها إلى الكتابة الأكاديمية. هذه اللغة الموازية في المغرب هي الزجل: ذلك الفن الشعري الذي يتشكَّل من الدارجة المغربية في أبهى تجلياتها، ويحمل في طياته تاريخاً طويلاً من الانكسار والبهجة والتمرد والحنين. الزجل ليس مجرد شعر بالعامية، فهذا التوصيف يظلمه ويختزل عمقه. الزجل فلسفةٌ في الوجود، ورؤيةٌ للعالم تُصاغ بأدوات الاشتغال الجمالي على اللغة الحية اليومية، حتى تبلغ بها مرتبةً من الكثافة والإيقاع والصورة لا تقلُّ شأناً عن أرقى ما أنتجه الشعر العربي الفصيح. وحين يُقدِم زجّال على نشر ديوانٍ كامل تحت عنوان "غيْمة بْلا سْما"، فإنه لا يُضيف مجرد كتاب إلى رفوف المكتبات، بل يُجدِّد ميثاقاً أبدياً بين الشاعر ولغته الأم. أولاً: البدايات والجذور — متى وُلد الزجل؟ تعود جذور الزجل إلى الأندلس، تلك الحضارة التي كانت، في عزِّ ازدهارها، ملتقىً للثقافات وبوتقةً للغات. وقد شهد القرن الحادي عشر الميلادي ميلاد هذا الفن على يد رجلٍ غيَّر مسار الشعر العربي إلى غير رجعة: ابن قزمان القرطبي (توفي 1160م)، الذي يُعدُّ بحقٍّ الأب الروحي للزجل، ومؤسِّس قواعده الجمالية الأولى. لم يكتفِ ابن قزمان بالكتابة باللغة الدارجة الأندلسية، بل صنع منها فناً مكتملاً له إيقاعاته وبنيته وعوالمه الخاصة، وتركَ لنا ديواناً نفيساً يضمُّ مئة وأربعة وأربعين زجلاً، يعكس حياة الأندلس اليومية بكل تفاصيلها المضيئة والمعتمة. غير أن الزجل لم ينشأ في فراغ؛ فقد كان قبله الموشَّح، ذلك الفن الغنائي الأندلسي الذي ظهر في القرن التاسع الميلادي، وكان يُكتب باللغة الفصيحة مع إدراج خرجة بالعامية أو بالرومانسية. والفرق الجوهري بين الموشَّح والزجل أن الموشَّح ظلَّ ينتسب إلى عالم النخبة المثقفة، في حين جرَّ الزجلُ الشعرَ بأسره إلى الرحاب الشعبي الفسيح، فأصبح فنَّ الحارات والأسواق والجلسات والمقاهي. وحين سقطت الأندلس وهاجر أهلها، حملوا معهم هذا الإرث الجمالي عبر البحر إلى المغرب، فاستقرَّ في مدنه العريقة كفاس ومكناس وتطوان وسلا ومراكش، وتشرَّب روح المكان الجديد، وتمازج مع التراث المحلي البربري والعربي والصوفي، فأنتج ما بات يُعرف بالزجل المغربي الأصيل. ثانياً: خصوصية الزجل المغربي — ما الذي يجعله مغربياً؟ لو سمعَ إنسانٌ زجلاً مصرياً وزجلاً مغربياً في اللحظة ذاتها، لأدرك فوراً أنهما وإن اشتركا في الاسم فإنهما يسكنان كوكبَين متباعدَين. الزجل المغربي كيانٌ قائمٌ بذاته تُحدِّده خصوصياتٌ جوهرية: أولاً، اللغة المُركَّبة: الدارجة المغربية وعاءٌ لغوي استثنائي في تركيبه، إذ يُمازج العربية والأمازيغية والأندلسية والفرنسية والإسبانية في نسيجٍ واحد. هذه الطبقات اللغوية المتراكمة عبر القرون تمنح الزجال المغربي مادةً صوتية ودلالية خصبة لا يملكها أيُّ شاعر آخر في العالم العربي. فكلمةٌ واحدة في الدارجة المغربية قد تحمل في بنيتها أصداء ثلاث لغاتٍ وثلاثة تواريخ في آنٍ واحد. ثانياً، الإيقاع المتشعِّب: يتميَّز الزجل المغربي بتنوُّعٍ إيقاعي لافت؛ فهناك الأبحر الخليلية المُكيَّفة مع الدارجة، والإيقاعات الحرَّة المستوحاة من الموسيقى التقليدية؛ كالعيطة والملحون والغيطة، والأوزان المبتكرة التي يصنعها الزجّال من مادة الكلام اليومي ذاته. ثالثاً، الصلة بالملحون: لا يمكن الحديث عن الزجل المغربي من دون استحضار الملحون، ذلك الفن الشعري الغنائي الذي يُعدُّ أقدم وأعمق تجليات الشعر المغربي بالعامية. والملحون يختلف عن الزجل في كونه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالغناء وبمقامات موسيقية محددة، وله شكلٌ بنائي صارم من "الحربة" والأقسام والخرجة، كما أنه تقليدياً حكرٌ على الرجال. أما الزجل فأكثر انفتاحاً شكلياً ومضمونياً وأوسع تعبيراً، وأقرب إلى ما يُعرف في الشعر الحديث بقصيدة الفرد. رابعاً، البُعد الصوفي: تربط الزجل المغربي صلةٌ عضوية بالتصوف، وتحديداً بالتراث القادري والتيجاني والجيلالي. وكثيرٌ من القصائد الزجلية الكبرى في التاريخ المغربي كانت تحمل في ظاهرها حديثاً عن الطبيعة والحب والوطن، بينما تُخفي في باطنها سَفراً روحياً في عوالم العشق الإلهي. ثالثاً: البنية الفنية — كيف يُبنى الزجل؟ للزجل المغربي أشكالٌ بنائية متعددة، تتراوح بين الصارم التقليدي والمنفتح الحداثي: الزجل الكلاسيكي يتبع نظام الشطرين مع التزام الروي، وتُسمَّى كل وحدة منه "دور" أو "قفلة"، ويعتمد على البنية الدائرية حيث يعود كل مقطع إلى اللازمة، مما يمنح القصيدة طابعها الموسيقي والجماعي. الزجل الحر يتحرر من قيود الروي والوزن الصارم، ويستعيض عنهما بالإيقاع الداخلي وتوازي الجمل وتراسل الصور، متأثراً بما أحدثته قصيدة النثر في الشعر الفصيح، من دون أن يتخلى عن الروح الزجلية في التعامل مع اللغة الشعبية. الزجل المُغنَّى ينشأ أصلاً ليُغنَّى لا ليُقرأ، فتحكمه قيودٌ موسيقية إضافية من تقطيع مقامي وبنية لحنية، وهو الأقرب إلى روح الملحون وإن اختلف عنه في حريته التركيبية. رابعاً: إشكالات الزجل — أسئلةٌ لم تُحسم بعد يحمل الزجل في صدره جملةً من الإشكالات التي لم تُحسم بالرغم من طول النقاش: إشكالية الهوية والانتماء: هل الزجل أدبٌ شعبي يُدرَس في إطار الفولكلور، أم أنه شعرٌ راقٍ يستحق مكانته في الدراسات الأدبية الأكاديمية؟ ظلَّت المؤسسة الأدبية الرسمية في المغرب لعقودٍ طويلة تنظر إلى الزجل بعين الاستخفاف، باعتباره تعبيراً شعبياً لا يرقى إلى مستوى الشعر "الحقيقي" المكتوب بالفصحى. وقد خاضَ الزجّالون المغاربة معارك شرسة من أجل انتزاع الاعتراف بفنِّهم كرافدٍ أدبي أصيل. إشكالية الكتابة والشفاهية: وُلد الزجل شفهياً وعاش قروناً على الألسن قبل أن يُدوَّن. وحين انتقل إلى الكتابة، خسر جزءا من روحه الجماعية وروابطه بالمقام الموسيقي، واكتسب في المقابل ديمومةً وانتشاراً. والسؤال الذي يؤرِّق الزجّالين اليوم: كيف نكتب ما وُلد ليُغنَّى من دون أن نُجرِّده من طاقته الصوتية؟ إشكالية التوثيق: ضاع جزءٌ كبير من الإرث الزجلي المغربي لأنه لم يُدوَّن في حينه، ومات حامله من دون أن يُورِّثه كتابةً. وهذا يجعل كلَّ ديوانٍ زجلي يصدر اليوم عملاً في مقاومة النسيان بقدر ما هو عملٌ إبداعي. إشكالية الترجمة: الزجل المغربي بالكاد يُترجَم؛ لأن جماليته تسكن في الطبقات الصوتية والإيحائية للدارجة التي تستعصي على النقل إلى أي لغة أخرى، حتى إلى الفصحى العربية. ومن هنا يظل فناً مُحاصَراً داخل حدوده اللغوية بالرغم من عظمته. خامساً: الزجل الذكوري والزجل النسوي — صوتان لقلبٍ واحد ظلَّ الزجل تاريخياً فناً ذكورياً بامتياز. المجالس التي كانت تُنشَد فيها الملحون والزجل كانت في معظمها فضاءاتٍ رجالية محضة، والأسماء التي احتفظ بها التاريخ الزجلي كانت في غالبيتها أسماء رجال. لم يكن ذلك بُغضاً للمرأة أو قصداً لإقصائها، بل كان تعبيراً عن بنية اجتماعية كانت تحجب المرأة عن الفضاء العام بصفةٍ عامة. الصوت الذكوري في الزجل التقليدي يدور في معظمه حول ثلاثة محاور: الغزل والمرأة المُتغزَّل بها موضوعاً لا صوتاً، والوطن والمكان، والفخر والمديح. وقد حمل هذا الصوت بريقاً خاصاً حين غنَّى للثورة والتحرر والمقاومة الوطنية، لا سيما في سنوات الاستعمار الفرنسي والإسباني. أما الصوت النسوي، فقد شقَّ طريقه بصعوبة وإصرار. المرأة المغربية لم تكن غائبة عن الزجل حقاً، بل كانت حاضرةً في فضائه الخاص: في أغاني الحِناء وأناشيد العرس وأهازيج الحصاد ورثاء الأموات. غير أن هذه الفضاءات الأنثوية لم تُعتبَر "زجلاً" بالمعنى الرسمي للكلمة، بل صُنِّفت ضمن الموروث الشعبي النسوي. مع مطلع الثمانينات وتصاعداً في التسعينات، بدأت المرأة المغربية تقتحم المشهد الزجلي بصوتٍ مختلف: لا الصوت الذي يُغنِّي في الأعراس، بل الصوت الذي يُسائل ويتمرَّد ويُعيد كتابة علاقته بالجسد والرغبة والمجتمع. الإبداع الزجلي النسوي جَسَر بين الفضاء الأنثوي التقليدي والمنصة الشعرية العامة، فأنتج نصوصاً تجمع بين الحساسية الأنثوية الخاصة، والطموح الفني العالي. القصيدة الزجلية "الأنثوية" تتميَّز بجرأتها في تمثل الجسد والحب والخسارة من منظور المعيش الأنثوي لا من منظور من يُراقب المرأة من الخارج. كما تتميَّز بتوظيفٍ مختلف للغة الدارجة؛ فالمرأة تُقعِّد علاقةً مغايرة مع اللغة الأم، إذ تستحضر طبقاتٍ من الدارجة المرتبطة بالفضاء الأنثوي الحميمي ونادراً ما تجد طريقها إلى النص الذكوري. سادساً: التحوُّلات الكبرى في القصيدة الزجلية شهد الزجل المغربي في المرحلة الممتدة من سبعينات القرن الماضي إلى اليوم تحوُّلاتٍ جذرية طالت بنيته ومضامينه وطريقة تلقِّيه: من الغناء إلى القراءة: أصبح الزجل يُكتب ليُقرأ أكثر مما يُكتب ليُغنَّى، وهذا التحوُّل غيَّر طبيعة العلاقة بين النص والمتلقي. القارئ يُعيد تشكيل الإيقاع بصمته، في حين أن المستمع كان يطرب إلى موجة الصوت ودفء الجماعة. من المديح إلى الاحتجاج: في حين كانت قصيدة الزجل التقليدية تنشد المدح والفخر والعشق والوصف، انحازت قصيدة الزجل الحديثة إلى الاحتجاج الاجتماعي والسياسي وتعرية جروح الهامش. وتحوَّل الزجّال من مُنشدٍ في خدمة الجمال إلى شاهدٍ على عصره وضميرٍ يُحاكم مجتمعه. من الجماعية إلى الفردية: كان الزجل تقليدياً يُنشَد في المجالس الجماعية ويُمثِّل وجدان المجموعة. أما الزجل الحديث فقد انتقل إلى الذاتية المُكثَّفة، حيث يُبوح الزجّال بتجربته الذاتية من دون أن يطمح إلى تمثيل أحد. من البساطة إلى التركيب: أصبحت القصيدة الزجلية الحديثة أكثر تركيباً في بنيتها الصورية والدلالية، إذ تستدعي أساطير ومرجعيات ثقافية مُتشعِّبة، وتوظِّف تقنيات التناص والمفارقة والسريالية والانزياح. سابعاً: الزجل والشعر الفصيح — توافقٌ أم تنافسٌ؟ السؤال الذي طالما أشعل جدلاً في الأوساط الأدبية المغربية: هل طرأت على القصيدة الزجلية التحوُّلات ذاتها التي طرأت على القصيدة الفصيحة؟ والجواب الدقيق هو: نعم جزئياً، لكن بتعديلٍ جوهري. كلٌّ من القصيدتين انتقلت من العمود الكلاسيكي إلى الشعر الحر، ومن الشعر الحر إلى قصيدة النثر. وكلتاهما تشرَّبت روح الحداثة وانفتحت على التأثيرات الغربية والفرونكوفونية. وكلتاهما أعادت تعريف علاقتها بالموضوعات الكبرى: الوطن، الجسد، الحرية، الهامش، الهوية. غير أن القصيدة الزجلية حمَلَت على عاتقها عبئاً إضافياً لا تحمله القصيدة الفصيحة: عبء إثبات الجدارة. فالشاعر الفصيح لا يحتاج إلى أن يُبرِّر اختياره للفصحى، في حين ظلَّ الزجّال يُناضل لكي يُقنع الأكاديميين و"حرَّاس الثقافة الرسمية" بأن ما يكتبه أدبٌ حقيقي لا مجرد تسليةٍ شعبية. والفارق الجوهري الآخر أن تحوُّلات الشعر الفصيح جاءت متزامنة مع حركات فكرية كبرى كالرومانسية والرمزية والسريالية التي هيَّأت لها البيئة النقدية مسبقاً، أما تحوُّلات الزجل فجاءت في معظمها من الداخل، من صميم التجربة الشعرية الفردية، من دون بيانات جماعية أو مدارس مُعلَنة. غيْمة بْلا سْما" — الغيمة التي أبَت الحدود حين تختار زجّالةٌ عنواناً من هذا الطراز لديوانها، فإنها تُفصح ابتداءً عن رؤيتها الكونية. "غيمة بلا سما": صورةٌ متناقضة في ظاهرها، مُنسجمةٌ في عمقها. كيف تكون غيمة من دون سماء تحضنها؟ وهذا بالضبط هو السؤال الذي تُصادر عليه القصيدة الزجلية في أحسن تجلياتها: كيف تكون الهوية من دون حدودٍ تُعرِّفها؟ كيف تكون اللغة من دون مرجعٍ يُثبِّتها؟ وكيف تكون المرأة — شاعرةً كانت أو أمّاً أو عاشقةً أو راثيةً — من دون فضاءٍ يتَّسع لكل هذه الأرواح في آنٍ واحد؟ خمس عشرة قصيدةً في 120صفحة: هذا ليس مجرد رقمٍ إحصائي، بل هو خيارٌ جمالي. القصيدة الزجلية التي تمتدُّ وتتنفَّس وتطلب لنفسها المساحة ليست قصيدةً تُسابق الوقت، بل هي قصيدةٌ تُؤمن بأن الدهشة تحتاج إلى توطئة، وأن الجمال يستحق أن يُقال ببطء. إن ما يُميِّز هذا الديوان أنه يجري في النهر الأنثوي العميق: قصائد تتحدَّث عن العائلة بوصفها كوناً كاملاً لا مجرَّد خلفية، وعن الصبر بوصفه فعلاً بطولياً صامتاً لا ضعفاً، وعن الأم بوصفها الجغرافيا الأولى التي منها نشأ كل شيء. والحب هنا ليس الحب المُزيَّن بأقنعة الشعر الكلاسيكي، بل هو ذلك الحب الذي يُوجع ويصبر ويشتاق ويبكي من دون أن يستأذن أحداً. والحزن ليس زينةً شعريةً مستعارة، بل هو مُتخلِّلٌ في نسيج الأيام كما يتخلَّل الدخان الصوفَ المغزول. اشتغلت في ديواني الزجلي على منظومة رموز مغربية خالصة، تحمل في طياتها تاريخاً من الحياة اليومية المُكثَّفة: صينية البراد التي تنتظر الضيف وتُعلن الترحيب قبل أن ينبس أحدٌ بكلمة، والصوف المغزول الذي يحمل في كل لفَّةٍ صبراً امرأةٍ جلست تُفكِّر وتغزل وتُفكِّر، والفلك الذي يدور دورته الكونية فيما تدور المرأة في دورتها الخاصة بين الفرح والحزن، و"المكحلة" التي هي أداة زينة وطقسٌ جمالي وذاكرةٌ جمعية في آنٍ واحد، والشمعة التي تُنير ما حولها وهي تذوب في صمت، و"الوشام" الذي يُثبِّت ما لا يُريد أن يُنسى على الجلد نفسه، هرباً من طغيان النسيان. هذه الرموز ليست "ديكوراً" شعرياً، بل هي محاورٌ دلالية تنفتح على عوالم المرأة المغربية في علاقتها بجسدها وبيتها وذاكرتها وخسائرها. صدر الديوان عن مطبعة ووراقة بلال بفاس )الطبعة الأولى، 2026 (، وهو في حدِّ ذاته اختيارٌ له دلالته؛ فاس المدينة التي استوعبت الأندلسيين القادمين بحزنهم وفنونهم، والتي ظلَّت طوال قرون موئلاً للثقافة المغربية العميقة، تحتضن الآن طبعةً أولى لصوتٍ زجلي أنثوي يواصل ميثاقاً ممتداً عبر الزمن. خاتمة: الزجل باقٍ لأنه حيٌّ، والمرأة باقيةٌ لأنها تكتب في زمنٍ تتسابق فيه الأشكال الثقافية على استرعاء الانتباه بكل الأدوات المتاحة، يُراهن الزجل المغربي على ما لا يُقهَر: اللغة التي تُشكِّل مَلكوتَ الناس الداخلي وتُعبِّر عمَّا يتذوَّقون وما يحلمون وما يخسرون وما يُحبُّون. ومن هنا قوَّته التي تستعصي على التهميش. وحين تكون أصابع الكاتبة هي التي تُرتِّب هذه العوالم وتُسمِّيها وتُعيد اختراعها بالدارجة، فإن الزجل يكتسب بُعداً جديداً لم يكن يملكه حين كان حكراً على الأصوات الرجالية. المرأة حين تزجل، لا تُضيف موضوعاً إلى الموضوعات القائمة، بل تُعيد رسم المشهد من الداخل: من الطبخ والغزل والدموع غير المُعلَنة والشوق الذي لا يجد من يُسمِّيه، ومن عتبة الدار والبراد وخيط الصوف والوشام المنقوش على الرسغ كوثيقة هوية لا تُزوَّر. الزجل ليس خطاباً ثقافياً يتوجَّه إلى النخب، ولا ترفاً جمالياً يسكن أروقة الجامعات. هو نبضٌ في الشارع وصوتٌ في الذاكرة ومرآةٌ ترى المغرب في حميميته الأصيلة. وهذا الديوان — "غيْمة بْلا سْما" — شاهدٌ جديد على أن الصوت الأنثوي في الزجل المغربي ليس ضيفاً على المشهد، بل هو أحد أعمدته الراسخة التي طال انتظار الاعتراف بها. وأن هذه الغيمة، وإن افتقرت إلى سماء تحتويها، فقد تعلَّمت كيف تُمطر وحدها. كُتب هذا المقال احتفاءً بالزجل المغربي وإسهاماً في النقاش الدائر حول مكانته في المشهد الأدبي المغربي والعربي، وإن الوقوف عند ديوان "غيْمة بْلا سْما" هو علامة على نضج الصوت الزجلي الأنثوي المغربي وإذا كان النقد الأدبي قد ظلّ تاريخياً يُدير ظهره للزجل أو يُقاربه بوصفه ممارسةً شفهية عابرة لا ترقى إلى مستوى التأمل النظري العميق، فإن ديواناً من طينة "غيْمة بْلا سْما" يُسائل هذا الموقف في صميمه، ويكشف عن قصور منهجي في الأدوات النقدية التقليدية التي لا تستطيع أن تستوعب نصاً يجمع بين الشفاهي والمكتوب، بين المحلي والكوني، بين اللهجي والشعري في آنٍ واحد. وهنا يبرز السؤال الأكاديمي الجوهري: هل نحن بحاجة إلى مناهج نقدية بديلة تنبثق من داخل الثقافة الشعبية المغربية ذاتها، لا من هامشها؟ إن الإجابة لا تعني التخلي عن المناهج الكبرى من بنيوية وتأويلية وسيميائية وحجاجية وتداولية، بل تعني إخضاعها للمساءلة وتكييفها بما يُنصف خصوصية الإبداع الزجلي وتعدد مستوياته الدلالية. فضلاً عن ذلك، فإن الصوت الأنثوي في الزجل المغربي لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن سياقات الجندر والسلطة والهوية التي تتشكّل داخلها الذاكرة الجماعية للمرأة المغربية. فحين تنتزع الشاعرة فضاء الزجل لتكتب فيه تجربتها الداخلية بلغةٍ لم تكن تقليدياً ملكاً للنساء في الفضاء العام، فإنها لا تُمارس فعلاً إبداعياً فحسب، بل تُمارس فعلاً تحررياً بالمعنى الأنثروبولوجي والفلسفي العميق. إنها تُعيد رسم حدود من يملك الحق في الكلام، ومن يُحدد جماليات القصيدة الشعبية، ومن يرسم ملامح الذاكرة الشعرية للجماعة. وهذا الانتزاع لا يجب أن يُفهم على أنه مجرد حضور للمرأة في الزجل، بل هو إعادة هيكلة لمفهوم الزجل ذاته من منظور إبستيمولوجي يعترف بتعدد مصادر المعرفة الشعرية وتنوع الذوات المُنتِجة لها. ختاماً، يظل السؤال الذي يطرحه ديوان "غيْمة بْلا سْما" سؤالاً مفتوحاً ومُقلقاً بالمعنى الإيجابي للكلمة: ما حدود الهوية الأدبية في زمن تتداخل فيه اللغات، وتتشابك فيه الانتماءات الثقافية؟ وهل يكفي الاعتراف بالزجل داخل المشهد الأدبي المغربي أم أن المطلوب هو إعادة تعريف المشهد كله من جديد؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات لن تكون نصية خالصة، بل ستكون مؤسسية وأكاديمية وثقافية في آنٍ معاً؛ تستدعي إدراج الزجل في المناهج/ البرامج الجامعية، وتشجيع الدراسات النقدية المتخصصة، وتوفير الفضاءات الرمزية التي تُتيح له أن يتحاور مع الأدب المكتوب من موقع الند لا من موقع التابع. وفي هذا الأفق، يكتسب هذا المقال راهنيته لا بوصفه قراءةً في ديوانٍ بعينه، بل بوصفه إسهاماً في إعادة التفكير في مفهوم الأدب المغربي ذاته.
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
-طفل...والمدينة العاهرة-: قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا ا
...
-
التراث اللامادي عند عبد الفتاح كيليطو — دراسة نقدية موسّعة
-
حين يصبح الصمتُ مِدادًا... قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُ
...
-
حين يصبح الصمتُ مِدادًا...قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُق
...
-
حين يتكلّم الغيم: مقاربة في شعرية القصة القصيرة عند محمد زهي
...
المزيد.....
-
ألحان من تحت الركام.. الموسيقى سلاح أطفال غزة لمواجهة الفقد
...
-
أصوات من خيام غزة.. الغناء يفتح ممرا للناجين من الفقد
-
انطلاق مسلسل -الأشرعة القرمزية- بتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر
...
-
مصر.. الشؤون الإسلامية ترد على تصريحات يوسف زيدان بعد تشكيك
...
-
أوبرا وطاقة.. غاريفولينا: الوقوف على مسارح روسيا هو السلوى ل
...
-
الثقافة السورية تلغي حفل الفنان شادي جميل في دار الأوبرا بدم
...
-
مايكل جاكسون.. كيف يتحول الفنان بعد رحيله إلى كيان استثماري؟
...
-
غاريفولينا تؤكد استحالة إقصاء الأوبرا الروسية من الساحة العا
...
-
الأوسكار تدعو مئات الشخصيات للانضمام إليها.. هؤلاء أبرزهم
-
كواليس لا تقل جمالا عن المشاهد نفسها.. غولدن لاين تستعيد ذكر
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|