أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - ملعقتان، وقمرٌ يبكي: في شعرية -تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر- لعبد الرحمن بوطيب















المزيد.....

ملعقتان، وقمرٌ يبكي: في شعرية -تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر- لعبد الرحمن بوطيب


آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية

(Amal Ben Tahar)


الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 09:24
المحور: الادب والفن
    


1. القصة لا تبدأ من حيث تُخبرنا أنها تبدأ: عبد الرحمن بوطيب يفتح نصّه بمقطعٍ شعري مكثّف عن الجوع والملعقة الذهبية، ثم يقطعه فجأةً بصوتٍ آخر يقول: "الآن يحكي"، وكأن القصيدة كانت مجرد تمهيدٍ موسيقي على آلةٍ تُشدّ أوتارها قبل أن يبدأ العزف الحقيقي. هذا الانتقال من ضمير غائبٍ مجرّد إلى "أنا" الساردِ الكاتب هو أول علامةٍ على أن النص لن يكتفي بأن يُروى، بل سيُعلن عن نفسه وهو يُروى. فالراوي لا يقول: "كان يا ما كان"، بل يقول: "أنا صديقكم الكاتب الذي لم يكتب في حياته قصةً أعجبتكم" — جملةٌ تسخر من ذاتها قبل أن تبدأ، وتُنزل الكاتبَ من عرش السلطة السردية إلى مقعد الضيف الثقيل الذي يعتذر سلفاً عن الإطالة. هذه المفارقة الافتتاحية ليست تواضعاً مجانياً، بل هي تكتيكٌ يهيّئ القارئ لنصٍّ لن يسير في خطٍّ مستقيم، ولن يحترم مسافةً آمنة بين من يحكي ومن يُحكى له.
2. الملعقتان — حين يتحول الشيء إلى قدر
يقوم جوهر القصة على ثنائيةٍ بصرية بسيطة في ظاهرها، هائلة في مضمونها: ملعقةٌ صفراء من ذهب، وملعقةٌ سوداء عوجاء. لا يشرح النص هذه الثنائية بلغة الخطابة الاجتماعية، بل يتركها تتجسّد في يدين صغيرتين: يد طفلٍ يملك بيتاً "عامراً" ودميات "شقراوات لذيذات"، ويد طفلٍ آخر لا يملك سوى الوقوف عند الباب، ممنوعاً من الاقتراب من مائدة الطعام كي "لا يَسُدّ شهيّة" صاحب البيت. هنا تكمن حرفية بوطيب: هو لا يكتب قصةً عن الفقر والغنى، بل يكتب عن أداةٍ صغيرة تُستخدم فيها الملعقة استعارةً كاملة عن توزيع الحظوظ في العالم — "أرزاقٌ يا ولدي، وقد قسمها الله بين العباد بقسطاس"، تقول الأم، في جملةٍ تحمل كل ثقل الاستسلام الشعبي للقَدَر، لكن القصة سرعان ما تُطيح بهذا الاستسلام حين تُعيد تعريف السواد لا بوصفه نقصاناً بل بوصفه صلابة: "هي مثل الملعقة السوداء، قوية". وفي نهاية النص تنقلب المعادلة كليّاً حين يرفض الطفل نفسه الملعقة الذهبية ويختار "ملعقته السوداء" طوعاً — تحوّلٌ دقيق يجعل الرمز يقفز من كونه علامة حرمان إلى كونه علامة هوية مُختارة.
3. حين تلتقي عشتار بعيشة قنديشة
أكثر ما يكشف عن شعرية النص هو ذلك المفصل الذي تنسلّ فيه الأسطورة الرافدية — أدونيس، عشتار، أفروديت، فينوس — لتتصافح بلا استئذانٍ مع الموروث الشعبي المغربي: هينة والغول، سيدنا علي ورأس الغول، سيف بن ذي يزن، عنترة، وعيشة قنديشة نفسها التي يُقال عنها صراحةً إنها "هي عشتار، أفروديت، فينوس". هذا التماهي بين الأسطورة الكلاسيكية والخرافة المحلية ليس زخرفاً ثقافياً استعراضياً، بل هو إعلانٌ ضمنيٌّ بأن الحكاية الصغيرة لطفلٍ فقير في حيٍّ مغربي تنتمي إلى سلالةٍ من الحكي أقدم من الجغرافيا نفسها. القمر الباكي الذي ينتظر أدونيس، والشيخ الطيب الذي يزرع النعناع والحناء بانتظار عودة الخصب، كل هذا يُترجم حرمان الطفل المادي إلى رحلةٍ رمزية أوسع: بدل الملعقة الذهبية، يُهدى الطفلُ رفقةَ القمر وميعاداً مع عشتار. وهنا تتجلى إحدى أعمق حيل الشاعر حين يكتب قصةً: أن يُعوّض الفقدَ الواقعي بمجازٍ كوني، لا ليُخفي الفقد، بل ليمنحه بعداً لا تبلغه لغة الشكوى المباشرة.
4. القصيدة تتسلل من تحت الباب
يكفي أن نتأمل هذا المقطع: "سيرة تحكي عن عنترة يحاور الفرسَ / تروي ملحمة عيشة قنديشة / تحفر القبور / تقص عن عليٍّ يقطع رأس الغول..." لنكتشف أن السرد هنا يتخلى فجأةً عن جملته المسترسلة ويتقطّع إلى أسطر قصيرةٍ متوازنة الإيقاع، أقرب إلى قصيدة النثر منها إلى الحوار الروائي. بوطيب لا يُقحم الشعر على القصة إقحاماً، بل يجعله يظهر في اللحظات التي يعجز فيها الكلام العادي عن حمل المعنى؛ عند الحديث عن الأسطورة، وعند وصية الأم الأخيرة، وعند غناء الحي بمناسبة نجاح الطفل: "طالب، طالب يا يّو / أَ فرحة مّو مّو". هذه الانزياحات من النثر إلى شبه الشعر ليست فواصل زخرفية، بل نبضاتٌ عاطفية يتوقف عندها السرد ليلتقط أنفاسه، تماماً كما يتوقف المرء عند لحظة تأثرٍ حقيقي فيلجأ فجأةً إلى صيغةٍ أكثر إيقاعاً مما اعتاد الكلام به.
5. التكرار كجرسٍ لا كإسهاب
لاحِظ كيف تتكرر عبارة "تخرج مع الفجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء" أكثر من مرة في سياقاتٍ متقاربة. في القصة التقليدية، قد يُحسب هذا التكرار حشواً. لكنه هنا يعمل عمل اللازمة الموسيقية (refrain): كل مرة يتكرر فيها الجرس، يزداد القارئ وعياً بثقل الزمن الذي تقضيه الأم بعيدةً عن ابنها، وكأن الجملة ذاتها تتحول إلى ساعةٍ رتيبة تدق كل يوم من الفجر إلى العشاء. وهذا ما يفعله الشاعر الحقيقي حين يكتب سرداً: لا يخاف التكرار، بل يستثمره ليصنع نبضاً تحت جلد النص، أشبه بقافيةٍ داخلية لا تُرى لكنها تُسمع.
6. من يحكي فعلاً؟ التباس الأنا والآخر
من أكثر تفاصيل النص إرباكاً ودهاءً في آنٍ أن الراوي، بعد أن يتحدث عن طفولته الخاصة مع أبيه والأسفار الصفراء، يعلن فجأةً أنه يبحث عن "طفلٍ لم أره في حياتي" ليكتشف لاحقاً أنه لا يجده إلا في ذاكرته. هذا الالتباس المتعمد بين "أنا" الراوي و"هو" الطفل الغريب يجعل القارئ عاجزاً عن حسم الفصل بينهما: هل الطفل صاحب الملعقة السوداء هو الراوي نفسه متنكراً في ضمير الغائب؟ أم هو استدعاءٌ لطفولةٍ أخرى مجاورة اختلطت بطفولته؟ بوطيب لا يجيب، ولا يريد أن يُجيب، لأن غموض هذه الحدود هو بالذات ما يمنح القصة نفَسها الشعري: فالشعر لا يُحب الحدود القاطعة بين الذات والآخر، بل يستثمر تسرّبهما في بعضهما ليقول إن كل طفلٍ محروم هو، بشكلٍ ما، امتدادٌ لكل طفلٍ آخر عرف الحرمان نفسه.
7. خاتمة/ نهاية تعود إلى نقطة السخرية الأولى
وأخيراً، حين يُغلق بوطيب نصّه، لا يفعل ذلك بجملة ختامية جازمة، بل يعود إلى الصوت الافتتاحي نفسه: "أنا الكاتب... لا أعتذر"، ثم يُحيل القارئ، إن ملّ، إلى "نوادر جحا الكبرى" — أي إلى شخصية الحكّاء الشعبي الماكر الذي يُخفي حكمته وراء قناع السخرية من ذاته. هذه الدائرية بين الافتتاح والختام تجعل القصة تلتفّ على نفسها كحلقةٍ لا كخط: تبدأ بكاتبٍ يعتذر عن كونه ضيفاً ثقيلاً، وتنتهي بكاتبٍ يرفض الاعتذار لكنه يُحيل القارئ إلى تراثٍ من الحكي الساخر، وكأن القصة كلها لم تكن سوى استراحةٍ جادة بين نادرتين من نوادر جحا، جِدّها مغموسٌ بلعبٍ لا يخلو من مرارة.
خلاصة: أين تكمن شعرية هذه القصة تحديداً؟
لا تكمن شعرية بوطيب هنا في تزيين الجملة بصورٍ بلاغية عابرة، بل في بنية القصة كلها: في رمزٍ واحد (الملعقة) يُدار عليه النص كاملاً من دون أن يُشرح، وفي أسطورةٍ عابرة للحدود تُستدعى لتحمل ما يعجز الواقع عن حمله، وفي إيقاعٍ يتكرر كلازمةٍ موسيقية، وفي راوٍ يرفض أن يستقر في هويةٍ واحدة أو نبرةٍ واحدة، بين الجدّ والسخرية، بين الأنا والآخر، بين النثر والشعر. إنها قصةٌ تُثبت أن "شعرية القصة" ليست إضافةً على السرد، بل طريقةٌ في النظر إلى التفاصيل الصغيرة ؛ ملعقة، قمرٌ، حكاية جدة؛ بوصفها أبواباً إلى ما هو أكبر منها بكثير.



#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)       Amal_Ben_Tahar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: تجربة لطيفة توجاني أنموذجًا
- سرديّة التحوّل: قراءة نقدية في مراحل المدارس التشكيلية ومنطق ...
- البلاغة عند السوفسطائيين: تأسيس فلسفة الخطاب وإشكالية الحقيق ...
- أطفال ما بعد الوباء: حين يصمت الجيلُ قبل أن يتكلّم... مقاربة ...
- شهريار بعد الليلة الألف: في أثر الحكاية على الجلاّد، مقاربة ...
- 3 سيمياء العدد سبعة: من اللغة إلى المخيال الثقافي والكوني.
- 1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني
- 2 سيمياء العدد سبعة: تجلياته في الطقوس والجسد والزمن.
- التربية الدامجة كمشروع نهضوي في المدرسة المغربية إشكالات الت ...
- -القصة حين تتوارى الحكاية: إشكالية المفهوم ورهان السرد في ضو ...
- الزجل المغربي: جذور الهوية وأسئلة الحداثة قراءة في مسار فن ع ...
- -طفل...والمدينة العاهرة-: قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا ا ...
- التراث اللامادي عند عبد الفتاح كيليطو — دراسة نقدية موسّعة
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا... قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُ ...
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا...قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُق ...
- حين يتكلّم الغيم: مقاربة في شعرية القصة القصيرة عند محمد زهي ...


المزيد.....




- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...
- فضل شاكر يعلق على قرار إخلاء سبيله: كتبت لي سطور جديدة في ال ...
- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي
- مهرجان -اقرأ - استرخ- للكتاب في روسيا يسجّل أرقاما قياسية تا ...
- بعد تغيير اسمه ثلاث مرات.. الانتهاء من تصوير مسلسل -العاصي- ...
- اربيل تستذكر الفنان قرني جميل في معرض تشكيلي بمشاركة 25 فنان ...
- صدر حديثا ؛ صندوق جدتي السري. إشراف سهيل عيساوي.


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - ملعقتان، وقمرٌ يبكي: في شعرية -تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر- لعبد الرحمن بوطيب