أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - 1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني















المزيد.....

1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني


آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية

(Amal Ben Tahar)


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 03:44
المحور: الادب والفن
    


ثمة أرقام لا تعدّ، بل تُعلن. أرقام لا تقيس الكميةَ بقدر ما تستحضر الكيفية، ولا تُحصي الأشياء بقدر ما ترسم هندسة الوجود. والعدد سبعة في المنظومة العربية الإسلامية واحدٌ من هؤلاء المقدَّسين الصامتين؛ ليس لأن العرب أحبّوه أو أن الإسلام أقرَّه فحسب، بل لأن السبعة تحوَّلت عبر قرون من الاشتغال الثقافي والديني واللغوي إلى أيقونة كونية، تنطوي على معمارٍ رمزي يصعب اختزاله في مجرد رقم.
بيد أن الوقوف عند هذه العتبة الإجمالية ليس كافياً. فما الذي يجعل رقماً بعينه يرتقي من مقام العدد إلى مقام الرمز؟ وهل هذا الارتقاء بريء أم هو نتاج اشتغال إيديولوجي وثقافي وديني متراكم؟ ثم — وهذا هو السؤال الأجرأ — هل السبعة اختُيرت أم فُرضت؟ هل سبقت الثقافةُ التشريعَ أم أن التشريع أعاد صياغة الثقافة؟
السيميائية — بوصفها العلم الذي يدرس الأنظمة الدالّة والعلائق بين الدوال والمدلولات — تجد في العدد سبعة مادةً استثنائية؛ إذ نحن أمام دالٍّ عددي واحد يتوزَّع على مستويات متعددة: الكوسمولوجيا، والتشريع، والطقوس، والمخيال الشعبي، والبنية اللغوية ذاتها. فكيف استطاع هذا العدد أن يحتلَّ كلَّ هذه المستويات في آنٍ واحد؟ وما القوى الثقافية والروحية التي أعادت إنتاجه في كل مرة بصورة تبدو طبيعية لا مُصطنَعة، وكأنه ليس اختياراً بل حقيقة كونية مستقلة من اختيار بشري؟
هذا ما يسعى هذا المقال إلى استجلائه، بعيداً عن التعداد الساذج للمصادر، ونحو قراءة تأويلية ناقدة تنفذ إلى البنية العميقة لهذا العدد الملغز، مساءلةً لا احتفاءً.
وانطلاقًا من هذا الأفق الإشكالي، تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة مستويات متكاملة: يبدأ أولها بتفكيك حضور السبعة في بنيته الكونية والنصّية، حيث يتجلى بوصفه عنصرًا منظِّمًا لهندسة الوجود داخل الخطاب القرآني؛ ثم ينتقل إلى مستوى ثانٍ تُرصد فيه تحوّلات هذا العدد داخل الطقس والممارسة، حيث يغدو إيقاعًا يُعاش في الجسد والزمن؛ ليُختتم بمستوى ثالث يُقارب السبعة في امتداداتها الثقافية والكونية، حيث تتحول إلى رمزٍ يعيد تشكيل المخيال الإنساني ويؤطر رؤيته للعالم. وبهذا، لا يُقرأ العدد سبعة بوصفه معطىً جاهزًا، بل كنسقٍ دلالي يتحرك بين النص والممارسة والثقافة، في وحدةٍ خفية تجمع بين هذه المستويات جميعًا.
1. السبعة كبنية كونية — المعمار الرأسي للوجود:
تبدأ السيميائية الكبرى للعدد سبعة من المكان الأكثر جذرية: بنية الكون نفسه. في القرآن الكريم تصريحٌ صريح بأن الله خلق سبع سماوات وما يقابلها من الأرض: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ )سورة الطلاق، الآية 12(. هذا التوازي العمودي — سماواتٌ سبع في الأعلى وأرضون سبع في الأسفل — يُنشئ ما يمكن تسميته المحور الكوني للسبعة، أو ما عرفه الأنثروبولوجيون بـ axis mundi العددي.
غير أن المحقق المدقق يجب أن يتوقف هنا ليسأل: هل كان هذا التصور خاصاً بالثقافة العربية الإسلامية، أم أنه كان موروثاً من الحضارات السابقة؟ الإجابة مزعجة بعض الشيء لمن يريد أصالة مطلقة: فالفكرة البابلية القديمة عن سبعة أفلاك كوكبية — القمر، عطارد، الزهرة، الشمس، المريخ، المشتري، زحل — كانت الإطار الكوني السائد في الشرق الأدنى لآلاف السنين. والتلمود العبري يذكر سبع سماوات بأسمائها. فهل القرآن الكريم يُقرّ بنية كونية كانت موجودة في وعي البشر قبله، أم يُثبّتها ابتداءً؟
الإجابة اللاهوتية والإجابة السيميائية مختلفتان هنا ولا تتعارضان بالضرورة: اللاهوت يقول إن الوحي يُثبّت الحقيقة بصرف النظر عمّن قالها قبله، والسيميائية تقول إن التصور السباعي للكون لم يكن وحياً في الفراغ بل هو حوار مع بنية ذهنية إنسانية راسخة، وهذا الحوار هو ما جعل المتلقين الأوائل يستوعبون الخطاب القرآني ببساطة لافتة. السبعة كانت لغةً مشتركة قبل أن تكون تشريعاً.
والملاحظة الأدق من الناحية السيميائية ليست في التصريح بالسبع فحسب، بل في التماثل التام بين الأعلى والأسفل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾)سورة الطلاق، الآية 12(.. الكون في هذا التصور ليس هرمياً أحادي الاتجاه، بل هو بنية متناظرة يشكّل فيها العدد سبعة حدَّ التوازن بين عالمَين. وهذا التوازن الكوني هو ما سيتسلَّل لاحقاً إلى كل تجليات السبعة في الثقافة الإسلامية: دائماً ثمة صعودٌ وهبوط، داخلٌ وخارج، مرئيٌّ وغيبي، وفي المنتصف العدد سبعة بوصفه العتبة والحدّ الفاصل.
وما يلفت الانتباه أن السبع سماوات لم تبقَ في نطاق التصوُّر النظري، بل تجسَّدت في تجربة روحية حيّة هي الإسراء والمعراج، حين قطع النبي ﷺ هذه الطبقات السبع واحدةً واحدة، ليلتقي في كل منها بنبيٍّ من الأنبياء. وهنا تتحوَّل السبعة من مجرد وصفٍ كوني إلى رحلة مقدَّسة في سبعة فصول، أي إلى سردية ذات بنية رقمية متعمَّدة. كل سماء عتبة، وكل عتبة اختبار، والاكتمال لا يتحقق إلا بالسابعة.
ويستدعي هذا إشكالاً نقدياً آخر: لماذا اختار الله — في ما رواه الوحي — أن يُرتّب اللقاءات النبوية وفق هذا التسلسل السباعي؟ هل هو ترتيب زمني؟ مقامي؟ روحاني؟ المفسرون اختلفوا في ذلك، وكلٌّ جاء بتأويل. لكن الحقيقة السيميائية التي لا تُنكر هي أن هذا الترتيب السباعي جعل المعراج قابلاً للرواية والحفظ والاستيعاب. أيُّ بنية سردية تجعل الرحلة الروحية تتجلى لعقل مُتلقٍّ بشري أكثر من بنية "سبعة فصول ذات ذروة"؟ العدد هنا ليس وصفاً فقط، بل وسيلةٌ روائية تُيسّر انتقال التجربة المتعالية إلى اللغة الإنسانية.
2. سورة الفاتحة — السبع المثاني وسيميائية الاكتمال الدائري:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ )سورة الحجر، الآية 87(.
سورة الفاتحة، بآياتها السبع، ليست مجرد افتتاحية للمصحف؛ إنها في ضوء هذه الآية هِبَةٌ متميزة عن القرآن ذاته، تُذكر إلى جانبه لا كجزء منه. وهذا مفارقةٌ لافتة حقاً: سورةٌ هي جزء من القرآن وتُذكر في مقابله ومعادلةً له. ما السرّ؟
يستشكل هذا المفسرون ويتحيّرون: فالطبري يقول إن ﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ تعني آيات الفاتحة السبع، بينما يذهب بعضهم إلى أنها السبع الطوال من السور. والإشكال ليس في التحديد الفقهي، بل في ما تكشفه الصياغة من منح الفاتحة مقاماً قرآنياً مستقلاً. كأن القرآن في هذه الآية يُقرّ بأن ثمة شيئاً في الفاتحة يتجاوز كونها سورة، وهذا الشيء هو السباعية: سبعة لا تزيد ولا تنقص.
المثاني — وهو اسمٌ مشتق من التثنية والتكرار — يحمل في طيّاته مفتاح القراءة. الفاتحة تُثنَّى، أي تُعاد في كل ركعة من ركعات الصلاة. فالمسلم الذي يصلي الفرائض الخمس يتلو الفاتحة سبع عشرة مرة يومياً. وهنا يتوقف السيميائي مُدهشاً: سبعة عشر — وهي مضاعفة ذات صلة بالسبعة والعشرة — هي نفسها رقمٌ ذو حضور في التقاليد الحسابية القرآنية المرتبطة بالإعجاز العددي. هل هذا صدفة؟ لن نجزم، لكنه يُؤجج السؤال.
هذا التكرار ليس نقصاً في الاكتمال، بل هو التكرار بوصفه شكلاً من أشكال الخلود: ما يُعاد لا يموت. والسبع المثاني إذن؛ تجمع بين رقمين دالَّين: السبعة التي ترمز إلى الاكتمال، والتثنية التي ترمز إلى الاستمرار والتجدد. والصلاة تحوّل هذا الاجتماع إلى طقس يومي للتجديد الوجودي: المسلم يُعيد في كل ركعة رسم الخارطة الكاملة للعلاقة بين الإنسان وربه — حمداً وثناءً وعبادة وطلب هداية — في سبع آيات، لا تزيد ولا تنقص.
والأدق أن الفاتحة تنقسم — وفق الحديث القدسي المشهور — إلى نصفين: "قسّمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفَين". ونصفٌ لله ونصفٌ للعبد. والآية المحورية هي الرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إنها الآية التي يصطدم فيها الضميران: المتكلم الإلهي والمتكلم البشري يلتقيان في ضمير المخاطَب الواحد "إيّاك". وهكذا تبني السبع آيات هندسةً ثنائية في قلبها توحيد، مرآةٌ كاملة لا كسر فيها. لو كانت الفاتحة ست آيات أو ثمانياً لانكسر هذا التوازن. السبعة هنا ليست عدداً عشوائياً بل ضرورة بنيوية.
ثم يطرح الباحث سؤالاً أجرأ: هل كانت الفاتحة ستكون الفاتحة لو لم تكن سبع آيات؟ هل السبعة شرطٌ في قداستها أم تالٍ لها؟ الإجابة اللاهوتية واضحة، لكن الإجابة السيميائية تقول: لو كانت الفاتحة ثماني آيات لما أمكن الحديث القدسي أن يجعلها نصفين متساويين يلتقيان في مركز. التقسيم الثنائي المتوازن يقتضي عدداً فردياً له مركز، وسبعة هي الأصغر من الأعداد الفردية التي تُنتج هذا الوسط الدراماتيكي.
3. أبواب جهنم السبعة — السبعة في مواجهة المصير:
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾
بهذه الآية من سورة الحجر يكتمل المعمار الكوني الكبير للرقم سبعة اكتمالاً لم يُنبّه إليه كثيرٌ من الدارسين في سياقه السيميائي الكامل. فإذا كانت السماوات سبعاً في الأعلى والأرضون سبعاً في الوسط، فإن جهنم بأبوابها السبعة تُكمل المحور الرأسي الكوني من أسفله. السبعة ليست فقط رقم الخير والقداسة، بل هي رقم الكون بأسره: من أعلاه المضيء إلى أسفله المظلم.
وهذه ملاحظة سيميائية بالغة الأهمية يغفلها من يظن السبعة رقم بركة فحسب. السبعة محايدةٌ كونياً: هي رقم السماء ورقم الجحيم في آن واحد. إنها ليست رمزاً للخير بل رمزٌ للاكتمال، والاكتمال الكوني يشمل الرحمة والعذاب معاً. وهذا يرفع السبعة فوق مستوى الرمز الديني الوظيفي إلى مستوى المقولة الوجودية: هكذا يُبنى الكون، في أعلاه وأسفله، بالوحدة المعمارية نفسها.
والمُشكل اللاهوتي هنا: لماذا أبوابٌ وليس طبقات؟ السماوات طبقاتٌ تُصعَد، لكن جهنم أبوابٌ تُولَج. والفارق دالٌّ: الصعود الروحي في السماوات تدريجيٌّ، والانحدار في جهنم إدخالٌ قسري من بابٍ معيَّن. الباب يُحدَّد، والطبقة تُكتسب. السماء تحتاج إلى سعي وصعود، وجهنم تنتظر بأبوابها المُعدَّة مسبقاً. والسبعة في الحالتَين واحدة إلا أن وظيفتها في كل سياق مختلفة تمام الاختلاف.
ويعمّق هذا الفارق المعجمي بُعداً فلسفياً لم يُصرَّح به كثيراً: الباب يقتضي إرادة الدخول أو قسره، أما الطبقة فتقتضي الموضع والمقام. في السماوات السبع يُوضع كلٌّ في طبقته التي ارتقى إليها بعمله وروحه. أما في جهنم فثمة أبوابٌ توحي بأن الدخول فيها ليس وضعاً بل مصيرٌ يُساق إليه. وهذا التمييز المعجمي القرآني بين "الطبقة" و"الباب" ليس اتساعاً في المفردات بل هو تقرير معرفي لطبيعة الخير والشر: الخير يُبنى شيئاً فشيئاً وطبقةً فطبقة، والشر يُفضي مباشرةً إلى بابٍ موارب.
والأعجب أن الآية تُضيف ما لا تضيفه الآيات المتعلقة بالسماوات: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ )الحجر، الآية 44(. كل باب له أهله المعيَّنون سلفاً. وهذه الجملة القصيرة تفتح هاوية فلسفية شاسعة: إذ تُشير إلى أن الأبواب السبعة لجهنم ليست مجرد تعدد كمّي بل تصنيفٌ نوعي أنثروبولوجي للانحراف البشري. لكل نمط من أنماط الضلال الإنساني باب يناسب طبيعته، وهذا يعني ضمنياً أن الإسلام يرى أن الشر البشري — على تنوعه وتشعبه — يعود في نهاية المطاف إلى سبعة جذور أصيلة لا تزيد. والسبعة هنا ليست حداً عشوائياً بل هي خارطة الضعف الإنساني المُضمَرة في الوحي، كما أن الفضائل في كثير من التقاليد الأخلاقية الكبرى — من أرسطو إلى الأخلاق الإسلامية — تُجمَع في أمهات لا تبعد كثيراً عن هذا العدد.
ويزداد الأمر دقةً حين نستحضر ما أثاره المفسرون من أسماء أبواب جهنم السبعة: جهنم، ولَظى، والحُطَمة، والسعير، وسَقَر، والجحيم، والهاوية. هذه الأسماء السبعة ليست مترادفاتٍ بل هي — في تأويلات المفسرين — إشاراتٌ إلى درجات ومستويات مختلفة من العذاب والضلال. والسؤال الذي يطرحه السيميائي ولا يطرحه الفقيه عادةً: لماذا أُعطيت كل دركة من دركات الجحيم اسماً خاصاً بها؟ الاسم في الثقافة العربية ليس لافتة بل هو هوية، وإعطاء كل باب اسماً يعني منحه شخصيةً مستقلة. وجهنم بهذا المعنى ليست فضاءً موحداً للعقوبة بل هي عالَمٌ داخلي متعدد تماماً كما أن الجنة درجاتٌ.
ولعل أعمق ما تكشفه سيميائية أبواب جهنم هو ما يتعلق بالعلاقة بين الرؤية والمصير. فالقرآن الكريم في سياقات أخرى يُشير إلى أن أبواب جهنم تُفتح لحظة وصول المجرمين: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ )سورة الزمر، الآية73)، في مقابل الجنة التي ﴿فُتِّحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ بالتضعيف، أي كانت مفتوحةً مسبقاً تنتظر وافديها. جهنم تُغلق حتى يأتي أهلها، والجنة تُفتح قبل أن يصل أهلها. والسبعة في الحالتَين واحدة لكن الفتح مختلف: استقبالٌ حانٍ هناك، وانتظارٌ قاهر هنا. وهذا التفصيل القرآني الدقيق في فعل الفتح يحمل نظرةً إلى طبيعة الرحمة والعدل معاً: الرحمة مبادرة والعدل مُنتظر.
ومما يستدعي التأمل في هذا السياق أن مفهوم الأبواب السبعة لجهنم قابَل في الوعي الإسلامي الشعبي مقابلةً ضمنية بأبواب الجنة الثمانية. وهذا التفاوت العددي — سبعةٌ مقابل ثمانية — ليس اعتباطياً بل هو تقريرٌ رمزي لسعة الرحمة على العقوبة. باب الجنة أكثر من باب جهنم بواحدة، وهذه الواحدة الزائدة تُعادل في سيميائية الثقافة الإسلامية كل ذلك الذي قيل بأن رحمة الله سبقت غضبه. الحساب ليس متساوياً، والتفاوت متعمَّد، والسبعة في جهنم مقابل ثمانية في الجنة هي المعادلة الكونية التي يُسمَح للعقل البشري أن يطّلع على شيء من جمالها الرياضي الأخلاقي.
وإجمالا، وهذه ربما أجرأ الملاحظات: إن أبواب جهنم السبعة لمّا وُضعت في مقابل السماوات السبع اكتملت الهندسة الكونية الرأسية التي تحكم الوجود الإسلامي. الإنسان في هذا الكون ليس تائهاً في فضاء مفتوح بلا حدود، بل هو واقعٌ في منطقة التوازن المحفوفة بالسبعة: فوقه سبعٌ ترفعه، وتحته سبعٌ تهوي به. وهذا التأطير العددي للوجود الإنساني ليس تخويفاً بل هو — من منظور السيميائية — خريطةٌ وجودية كاملة تُعرَّف فيها الحرية الإنسانية بالضبط: حريةٌ بين سبعَين، أو قرارٌ في فضاء محدود الحدود من أعلاه ومن أسفله. والسبعة مرةً أخرى ليست سجناً بل هي إطار الممكن، والحرية الحقيقية لا تكون إلا داخل إطار.
4. سبع سنبلات وسبع سنوات — السبعة نبيَّةً:
في سورة يوسف، يرى ملك مصر في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبعٌ عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. وهذا الحلم — الذي يُعدّ من أكثر الأحلام توثيقاً في تاريخ الأديان — لا يُفهم إلا عبر يوسف عليه الصلاة والسلام الذي يُفسّره بسبع سنوات خصب تعقبها سبع سنوات قحط.
وهنا يتوقف السيميائي أمام بنية مزدوجة مذهلة: سبع في مقابل سبعة. السمان في مواجهة العجاف، والخضر في مواجهة اليابسات. كأن الكون في هذا الحلم لا يتحرك بالخط المستقيم بل بالتوازن الثنائي — لكل سبع سنوات خير سبعٌ مقابلة من شر، وكأن الزمن ذاته مبنيٌّ على مبدأ التوازن السباعي.
والأعمق أن السبعة هنا لم تكن مجرد مدة زمنية بل كانت لغة الغيب نفسها. فالله تعالى حين أراد أن يُخبر ملكاً بمستقبل مملكته لم يُرسل إليه رسالة مكتوبة، بل أرسل حلماً مشفَّراً بالسبعة. كأن السبعة هي الشفرة التي يتكلم بها الغيب حين يُخاطب البشر؛ والنبي هو من يملك مفتاح تلك الشفرة.
ولا يغفل الباحث هنا أن هذه القصة في سياقها التاريخي تُشير إلى اقتصاد زراعي حقيقي: دورات الجفاف والخصب في وادي النيل كانت حقيقة موثَّقة. لكن السيميائية تسأل: لماذا اختار الوحي أن يُؤطّر هذه الدورة الطبيعية بالعدد سبعة تحديداً لا بعشر سنوات ولا باثنتي عشرة؟ الجواب أن السبعة هي العدد الذي يجعل الدورة الزمنية مستوعَبة ومحفوظة وقابلة للتخطيط. سبعٌ تُدار، وسبعٌ تُدَّخر لها؛ وهذه أول سياسة اقتصادية مبنية على إيقاع سباعي في تاريخ البشرية.
وختاما؛ فإذا كان العدد، في ظاهره، مجرد أداة للعدّ والإحصاء، فإن السبعة—في عمقه الدلالي—ينفلت من حدود الكمية ليغدو بنيةً كاشفة عن نظام الوجود نفسه. ففي تكراره داخل النص القرآني، من سبع سماوات إلى سبع مثانٍ، ومن سبع سنبلات إلى سبع بوابات للمصير، لا يحضر العدد بوصفه رقمًا عابرًا، بل كعلامة سيميائية كثيفة، تختزن رؤيةً كونية تتأسس على الاكتمال، والتدرّج، والتوازن بين العلو والسفل، بين الرحمة والرهبة، وبين البدء والمنتهى.
إن السبعة، في هذا الأفق، ليست مجرد تكرار عددي، بل هي لغةٌ رمزية يُعاد بها ترتيب العالم، حيث يتحوّل الكون إلى نصٍّ مقروء، وتغدو الأعداد مفاتيح لفهم هندسته الخفية. ولعل ما يمنح هذا العدد فرادته هو كونه يتوسّط بين المحدود واللامحدود، بين الإدراك البشري والسعة الإلهية، فيحمل دلالة الاكتمال من دون أن يُغلق أفق التأويل، ويؤسس لنظام كوني يظل مفتوحًا على المعنى.
ومن ثمّ، فإن حضور السبعة في البنية القرآنية لا يمكن فصله عن مقصدية أعلى، تجعل من العدد أداةً لتشكيل الوعي، وتوجيه النظر، وإعادة ربط الإنسان بترتيب الوجود كما أراده الخالق. إنه عددٌ يُفكَّر به، لا يُعدّ به فقط؛ ويُتأمَّل من خلاله، لا يُكتفى بذكره.
هكذا، تنكشف السبعة بوصفها حدًّا رمزيًا للاكتمال، ونقطة التقاء بين النص والكون، بين العلامة ومعناها، وبين الإنسان وسؤال المصير. ومن هذا المنطلق، تغدو دراستها مدخلًا لفهم أعمق للعلاقة بين العدد والمعنى، بين البنية والدلالة، في أفقٍ تتجاوز فيه الأرقام صمتها، لتتكلم بلغة الوجود.



#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)       Amal_Ben_Tahar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2 سيمياء العدد سبعة: تجلياته في الطقوس والجسد والزمن.
- التربية الدامجة كمشروع نهضوي في المدرسة المغربية إشكالات الت ...
- -القصة حين تتوارى الحكاية: إشكالية المفهوم ورهان السرد في ضو ...
- الزجل المغربي: جذور الهوية وأسئلة الحداثة قراءة في مسار فن ع ...
- -طفل...والمدينة العاهرة-: قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا ا ...
- التراث اللامادي عند عبد الفتاح كيليطو — دراسة نقدية موسّعة
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا... قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُ ...
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا...قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُق ...
- حين يتكلّم الغيم: مقاربة في شعرية القصة القصيرة عند محمد زهي ...


المزيد.....




- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - 1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني