|
|
سرديّة التحوّل: قراءة نقدية في مراحل المدارس التشكيلية ومنطق تعاقبها
آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 00:12
المحور:
الادب والفن
فرضية العنف الجمالي: حين نروي تاريخ الفن التشكيلي كسلسلة من "المدارس" المتعاقبة، نقع في فخّ لغوي خطير: نتحدث عن الفن كما نتحدث عن الأنظمة السياسية، وكأن كل مدرسة "أطاحت" بالسابقة في لحظة انقلابية حاسمة. هذا التصور، وإن كان مريحاً تربوياً، يخفي حقيقة أكثر تعقيداً: المدارس الفنية لم تتعاقب، بل تعايشت، تصارعت، وتسرّبت إحداها إلى الأخرى عبر عقود طويلة من التداخل. سيزان كان يرسم بينما كان الانطباعيون في أوج عطائهم، والتكعيبية والتعبيرية نشأتا في عقد واحد تقريباً في مدينتين مختلفتين. فما الذي يدفعنا، بالرغم من ذلك، إلى تبني هذه السردية الخطّية؟ الإجابة تكمن في حاجتنا كبشر إلى فرض معنى وتقدّم على الفوضى، وهي حاجة تصلح كأداة تعليمية، لكنها تخون التاريخ الفني إن اعتُمدت كحقيقة مطلقة. والأخطر من ذلك أن هذه السردية الخطّية غالباً ما تُكتب بأثر رجعي؛ فمصطلح "الانطباعية" نفسه وُلد من سخرية ناقد فني (لوي لوروي) من لوحة مونيه "انطباع، شروق الشمس"، ثم تحوّلت السخرية إلى تصنيف أكاديمي رسمي. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من "خريطة" الفن التي نتعلمها اليوم لم يضعها الفنانون أنفسهم، بل مؤرخو الفن والنقاد الذين أرادوا، بعد وقوع الأحداث، أن يجدوا لها منطقاً وترتيباً. الفنان يعمل في عزلة نسبية، بحدسه وتوتراته الشخصية، ثم يأتي التاريخ لاحقاً ليُلصق به لافتة. 1. منطق القطيعة — لماذا تتغيّر المدارس أصلاً؟ القراءة السطحية تقول إن كل مدرسة "تُنهي" ما قبلها. القراءة الأعمق تكشف أن كل تحوّل فني كبير كان استجابة لثلاثة ضغوط متزامنة، يمكن أن نضيف إليها رابعاً غالباً ما يُهمَل. الضغط التقني: اختراع أنبوب الطلاء القابل للنقل في القرن التاسع عشر لم يكن تفصيلاً هامشياً؛ بل هو ما مكّن الانطباعيين أصلاً من الرسم في الهواء الطلق بعيداً عن المرسم. هنا تحوّلٌ جمالي كامل يتأسس على تحوّل صناعي بسيط. وبالمثل، ظهور التصوير الفوتوغرافي في منتصف القرن التاسع عشر لم يكن حدثاً موازياً للفن، بل كان الطعنة التي أفقدت الرسم الواقعي مبرر وجوده الوظيفي: إن كانت الكاميرا تنقل الواقع بدقة أكبر وأسرع، فلماذا يحاكي الرسّام الواقع؟ هذا السؤال، لا "الإلهام" المجرد، هو ما دفع الفن نحو التجريد. ولم يتوقف الأمر عند الكاميرا؛ فاختراع الأنابيب المعدنية للألوان الزيتية الجاهزة، وتطوّر صناعة الكيمياء التي أنتجت صباغات جديدة كالأزرق البروسي والأصفر الكادميومي، وسّع فعلياً من نطاق ما يمكن للفنان أن "يراه" ويعبّر عنه. الفنان لا يرسم فقط بمخيّلته، بل بما تسمح له مواده التقنية بتحقيقه فعلياً على القماش. الضغط الفكري والفلسفي: صعود التحليل النفسي الفرويدي لم يبقَ حبيس عيادات فيينا، بل تسرّب مباشرة إلى السريالية التي جعلت من اللاوعي مادتها الخام. وصعود الفلسفة الوجودية بعد الحربين العالميتين لم ينفصل عن التعبيرية التجريدية الأمريكية التي حوّلت اللوحة إلى مسرح لقلق الذات الوجودي بدلاً من موضوع خارجي تُمثّله. يمكن أن نضيف هنا أن نظريات العلم الفيزيائي نفسها تسرّبت إلى الفن؛ فالتكعيبية التي فتّتت الأشياء إلى زوايا متعددة تم النظر إليها في زمانها كصدى بصري لنظرية النسبية لأينشتاين وتصوّرها الجديد للزمان والمكان، حتى وإن لم يكن بيكاسو وبراك يقرآن الفيزياء النظرية مباشرة. الأفكار الكبرى تسري في الهواء الثقافي لعصرها، وتتشكّل في الفن بلا حاجة إلى قراءة مباشرة أو اقتباس صريح. الضغط الاجتماعي-السياسي: الواقعية لم تكن مجرد "أسلوب" اختاره كوربيه اعتباطاً، بل كانت فعلاً سياسياً مباشراً في فرنسا ما بعد ثورة 1848 حين قرر أن يرسم كاسري الحجارة والفلاحين بحجم اللوحات التاريخية الكبرى التي كانت محجوزة تقليدياً للملوك والقديسين. هذا القرار وحده يستحق أن يُقرأ كموقف طبقي لا كخيار أسلوبي. ولا يمكن فصل الحربين العالميتين عن مسار الفن في القرن العشرين بأكمله؛ فالدادائية، التي غالباً ما تُهمَّش في السرديات المبسطة، ولدت مباشرة من رحم الاشمئزاز من مجازر الحرب العالمية الأولى، فرفضت المنطق والمعنى كليةً كموقف احتجاجي على "عقلانية" أوروبية أنتجت مقتلة بهذا الحجم. ومن دون فهم هذا السياق، يبدو "بيسوار" مارسيل دوشامب (عمل فني يتألف من مبولة جاهزة) كنكتة سخيفة، بينما هو في الحقيقة صرخة فلسفية تسأل: من يقرر أصلاً ما هو "فن"؟ الضغط الاقتصادي المهمَل: هناك عامل رابع غالباً ما يغيب عن الروايات التبسيطية، وهو تحوّل سوق الفن نفسه. فبينما كان الفنان في عصر النهضة يعمل بتكليف مباشر من راعٍ (كنيسة، أمير، عائلة ثرية) يحدد له الموضوع والمقاس والثمن مسبقاً، تحوّل الفنان في القرن التاسع عشر إلى منتج مستقل يرسم ثم يبحث عن مشترٍ عبر صالات العرض والمعارض المستقلة. هذا التحوّل من "الفنان الحِرَفي الخادم" إلى "الفنان الحر الباحث عن سوق" غيّر جوهرياً ما يجرؤ الفنان على رسمه؛ فمن دون راعٍ يفرض عليه موضوعاً دينياً أو تاريخياً، أصبح حراً في أن يرسم كومة تبن، أو زهرية زهور ذابلة، أو حتى مجرد لطخات لون لا تمثّل شيئاً على الإطلاق. 2. إشكالية "التقدّم" في الفن: هنا يكمن الاستشكال الأخطر: هل التطور من الكلاسيكية إلى التجريدية يمثّل "تقدّماً" بالمعنى العلمي، حيث تكون كل مرحلة أرقى من سابقتها؟ هذا السؤال يطرح تناقضاً صريحاً. فمن جهة، يمكن القول إن الفن التكعيبي "أكثر تعقيداً" مفهومياً من لوحة كلاسيكية، لأنه يطرح سؤالاً فلسفياً حول طبيعة الرؤية نفسها. ومن جهة أخرى، لا يمكن بأي منطق جمالي القول إن لوحة لبيكاسو "أفضل" من لوحة لرافائيل؛ فالمعيار هنا لم يتغيّر فقط في الشكل، بل في الغاية بالكامل. رافائيل كان يسعى للمحاكاة المثالية، وبيكاسو كان يسعى لتقويض فكرة المحاكاة نفسها. لا يمكن قياس الإثنين بمسطرة واحدة. ولتوضيح هذا التناقض أكثر، يمكن الاستعانة بمفهوم "نماذج الإدراك" الذي طرحه فيلسوف العلم توماس كون عن الثورات العلمية، وتطبيقه بحذر على الفن: كما أن نظرية نيوتن لم "تُخطئ" داخل حدودها الخاصة حتى بعد ظهور أينشتاين، بل ظلت صحيحة ضمن نموذجها، فإن الفن الكلاسيكي لا "يُخطئ" حتى بعد ظهور التجريدية؛ فكل مدرسة تصنع معاييرها الداخلية الخاصة للنجاح والفشل، ولا يمكن الحكم عليها من خارج هذه المعايير من دون تعسّف. هذا ما يقودنا إلى نقد أعمق: مصطلح "المدرسة" ذاته غربي المنشأ، نشأ في أكاديميات باريس وفيينا وميونيخ، وحين نطبّقه على تاريخ الفن العالمي، نرتكب خطأً معرفياً مضاعفاً. فالفن الإسلامي الذي رفض التجسيد تاريخياً لصالح الزخرفة الهندسية والخط، لم "يتأخر" عن الكلاسيكية الأوروبية، بل اتّبع منطقاً جمالياً وعقائدياً مختلفاً تماماً لا مكان له داخل السلّم الخطّي الأوروبي. وحين نُدرِج الفن الأفريقي أو الآسيوي كـ"مصدر إلهام" للتكعيبية (كما استلهم بيكاسو الأقنعة الأفريقية)، فإننا نختزل حضارات فنية كاملة إلى مجرد "مادة خام" لفن أوروبي يُصنَّف هو وحده كـ"مدرسة" لها اسم وتاريخ ورواد. وتزداد هذه المشكلة تعقيداً حين نتذكر أن الفن الصيني التقليدي، مثلاً، طوّر منذ قرون مفهوم "اللاكمال المتعمَّد" في الرسم بالحبر (حيث المساحات الفارغة جزء من العمل بقدر الخط نفسه)، وهو مفهوم قريب جداً مما وصلت إليه التجريدية الغربية بعد قرون من "التطور"، لكن التاريخ الفني السائد يصف التجريدية الأمريكية بـ"الابتكار الطليعي" بينما يصف نظيرها الصيني القديم بـ"التقليد العريق"، وكأن الزمن نفسه يُقاس بمعيارين مختلفين بحسب الجهة الجغرافية التي أنتجته. 3. القراءة النقدية لكل مرحلة — ما بين الإنجاز والتناقض عصر النهضة: احتفى بالإنسان كمركز للكون (الفكر الإنساني/Humanism)، لكنه في الوقت نفسه أعاد إنتاج تراتبية دينية-طبقية صارمة؛ فالرعاية الفنية كانت حكراً على الكنيسة والأمراء، والفنان نفسه كان صنيعة "الراعي" (Patron) لا صوتاً مستقلاً. الحرية الشكلية لم تصاحبها حرية اجتماعية. ومن المفارقات أن دافنشي، رمز "العقل المتحرر"، كان يوقّع عقوده مع رعاته بشروط تفصيلية تحدد له حتى نوع الأزرق الذي يجب استخدامه (لأن حجر اللازورد المستورد كان أغلى من الذهب أحياناً)، وهذا يكشف أن "الحرية الإبداعية" التي نتخيلها اليوم عن عصر النهضة كانت في الواقع محكومة بعقود تجارية صارمة. الباروك مقابل الروكوكو: تناقض مثير؛ الباروك خدم السلطة الدينية المضادة للإصلاح (الكاثوليكية في مواجهة البروتستانتية)، بينما الروكوكو خدم الطبقة الأرستقراطية العلمانية المتحررة من القيود الدينية. المدرستان متجاورتان زمنياً، لكنهما تخدمان مشروعين إيديولوجيين متعارضين تماماً. وقد لا يكون من قبيل المصادفة أن الثورة الفرنسية جاءت بعد عقود قليلة من ازدهار الروكوكو مباشرة؛ فقد رأى كثير من مؤرخي الفن في مجونية لوحات فراغونار وبوشيه انعكاساً لانحلال طبقة أرستقراطية كانت تعيش عزلة كاملة عن معاناة الشعب، لتنفجر تلك العزلة لاحقاً في المقصلة. الكلاسيكية الجديدة والرومانسية: زوجٌ آخر من التناقضات المتجاورة. الكلاسيكية الجديدة عند جاك لوي ديفيد كانت فناً في خدمة الدولة الثورية الفرنسية، ثم النابليونية مباشرة (لوحاته عن نابليون تكاد تكون بروباغندا بصرية بامتياز)، بينما الرومانسية عند ديلاكروا وجيريكو كانت ثورة على هذا التوظيف السياسي المباشر للفن، لصالح تعبير فردي حر عن العاطفة والكارثة الإنسانية (كما في لوحة "طوف المدوسة" لجيريكو التي وثّقت فضيحة إنسانية حقيقية بدل تمجيد بطل قومي). الانطباعية: تُقدَّم غالباً كـ"ثورة جمالية بريئة"، لكنها في جوهرها كانت أيضاً ثورة اقتصادية؛ فالانطباعيون رُفضوا من الصالون الرسمي الفرنسي، فأسسوا معارضهم المستقلة، وهو أول أنموذج تاريخي لما بات يُعرف بـ"الفن المستقل عن المؤسسة"، أنموذج لا يزال يحكم علاقة الفنان بالسوق حتى اليوم. والمفارقة الكبرى أن هذا الفن "المتمرد" على المؤسسة تحوّل بعد قرن ونصف إلى الفن الأعلى سعراً في المزادات العالمية، والأكثر تسويقاً في المتاحف والبطاقات البريدية، وكأن كل ثورة جمالية محكومة، عاجلاً أو آجلاً، بأن تُستوعب وتُسلَّع من قِبل النظام الذي ثارت عليه. التكعيبية والمستقبلية: كلتاهما فككتا الشكل، لكن لغايات متعارضة جذرياً. التكعيبية كانت تحليلاً بارداً وعقلانياً لبنية الأشياء، بينما كانت المستقبلية احتفالاً حماسياً بالعنف والسرعة والحرب، وهو ما جعل عدداً من روادها ينحازون فعلياً للفاشية الإيطالية. هنا سؤال مؤلم: هل يمكن فصل الشكل الفني عن التزامه السياسي؟ تاريخ المستقبلية يقول لا. وقد كتب مؤسسها فيليبو مارينيتي بياناً صريحاً يمجّد الحرب كـ"صحة الإنسانية الوحيدة"، وهذا يجعل من الاستحالة تدريس المستقبلية كأسلوب بصري محايد دون مواجهة التزامها الإيديولوجي المباشر بالعنف. السريالية والتجريدية: كلاهما فرّا من الواقع، لكن باتجاهين متعارضين؛ السريالية غرقت في تفاصيل هلوسية شديدة الواقعية بصرياً (دالي)، بينما تخلّت التجريدية عن أي أثر تصويري بالكامل (بولوك، روثكو). التناقض هنا هو أن "الهروب من الواقع" أنتج أقصى درجات الدقة التصويرية عند طرف، وأقصى درجات محوها عند الطرف الآخر. ومن اللافت أن الحرب الباردة نفسها استُخدمت لاحقاً كأداة سياسية في هذا الصراع الجمالي؛ فقد دعمت الاستخبارات الأمريكية (عبر وكالات ثقافية غير مباشرة) التعبيرية التجريدية كرمز لـ"الحرية الفردية الرأسمالية" في مواجهة الفن الواقعي الاشتراكي السوفييتي، وهو ما يعني أن اختيار "لطخة لون حرة" بدل "عامل يبتسم في مصنع" لم يكن قراراً جمالياً بريئاً بالكامل في سياق الحرب الباردة، بل كان أيضاً سلاحاً ثقافياً في صراع جيوسياسي أكبر. 4. نحو استشكال معاصر — أين نحن الآن؟ المفارقة الأكبر في فن ما بعد الحداثة والبوب آرت هي أن الفن، بعد قرون من محاولة الهروب من "التكرار" والانتساخ، عاد ليحتفي بالتكرار نفسه (علب حساء وارهول المتكررة كنموذج). هذا يطرح سؤالاً وجودياً: هل استنفد الفن التشكيلي إمكانيات "الابتكار الشكلي" بحلول منتصف القرن العشرين، فلم يبقَ أمامه سوى إعادة تدوير الاستهلاك نفسه كمادة فنية؟ يذهب بعض النقاد، وعلى رأسهم آرثر دانتو، إلى ما هو أبعد من ذلك، فيتحدثون صريحاً عن "نهاية الفن" بعد وارهول؛ ليس بمعنى توقف الإنتاج الفني، بل بمعنى أن السؤال الأساسي الذي حرّك تاريخ الفن بأكمله — "ما الفرق الشكلي بين الفن والواقع؟" — أصبح بلا معنى حين قدّم وارهول صناديق "بريلو" المطابقة تماماً لصناديق السوبرماركت الحقيقية. إن كان الفن والمنتج التجاري متطابقين بصرياً بشكل كامل، فإن مسار "تطور الشكل" الذي حرّك كل المدارس السابقة يصل إلى طريق مسدود منطقياً، ويتحول السؤال من "كيف يبدو الفن؟" إلى سؤال مفهومي بحت: "لماذا هذا فن وذاك ليس فناً؟" وهذا سؤال فلسفي لا يحتاج إلى فرشاة على الإطلاق. إن كان الجواب نعم، فإننا نعيش الآن في مرحلة ما بعد المدارس بالمعنى التاريخي الدقيق؛ فالفن المعاصر لا يُصنَّف بمدرسة واحدة جامعة، بل بتعدد لا نهائي من الممارسات الفردية (فن الأداء، الفن المفهومي، فن الوسائط الرقمية)، وهو تشرذم قد يعكس تشرذم الهوية الفردية في عالم ما بعد رأسمالي معولم أكثر مما يعكس أي "تطور" جمالي منطقي. ولعل أحدث تجليات هذا التشرذم هو ظهور الفن المولَّد بالذكاء الاصطناعي والفن الرقمي القائم على الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT)، وهو تطور يعيد فتح كل الأسئلة القديمة نفسها من زاوية جديدة كلياً: من "الفنان" حين تُصنع الصورة بخوارزمية؟ وما قيمة "الأصالة" حين يمكن نسخ الملف الرقمي بلا حدود؟ الغريب أن هذه الأسئلة، على حداثتها الظاهرة، ليست بعيدة عن السؤال الذي أثاره دوشامب قبل قرن كامل بمبولته الجاهزة: من يقرر أن هذا فن؟ 5. أسئلة مفتوحة تستحق التأمل يجدر بنا، بدل الإغلاق على استنتاجات نهائية، أن نترك عدداً من الأسئلة معلّقة لأنها تستحق تأملاً مستقلاً لا حسماً متسرعاً: هل الفن يقود التغيّر الاجتماعي فعلاً، أم أنه مجرد مرآة متأخرة تعكس تحولات حدثت أصلاً في الاقتصاد والسياسة والفلسفة؟ الأدلة تختلف حسب المدرسة: الدادائية بدت كردّ فعل متأخر على كارثة وقعت أصلاً، بينما بدت التكعيبية سابقة بوعيها لنظريات فيزيائية لم تكن قد انتشرت شعبياً بعد. وهل من العدل أصلاً أن نُدرِّس "المدارس التشكيلية" كتاريخ أوروبي حصري، بينما توجد تقاليد فنية موازية في آسيا وأفريقيا والعالم العربي والإسلامي لم تدخل هذه السردية إلا بصفتها "مصدر إلهام" لفنانين غربيين، لا كتاريخ مستقل له مداره ومنطقه الخاص؟ خاتمة: نحو قراءة أقل يقيناً لعل أصدق ما يمكن أن نصل إليه هو أن سردية "المدارس المتعاقبة" ليست تاريخاً موضوعياً بقدر ما هي أداة سرديّة فرضها مؤرخو الفن الأوروبيون بعد وقوع الأحداث، لترتيب فوضى إبداعية عاشها الفنانون أنفسهم دون أي وعي بأنهم "يفتتحون مدرسة" أو "يُنهون" أخرى. فان جوخ لم يعرف يوماً أنه "ما بعد انطباعي"، والمصطلح صيغ بعد وفاته. هذا لا يُسقط قيمة دراسة هذه المراحل، بل يدعونا إلى دراستها بوعي مضاعف: أن نتعلم تسلسلها الزمني، وفي الوقت نفسه أن نظل متشككين في حتميتها، وفي الحدود الفاصلة بينها، وفي مركزيتها الأوروبية التي طالما تجاهلت أو استغلت تراثاً فنياً عالمياً أوسع بكثير من "غرفة المرايا" الغربية التي كتبت هذا التاريخ لنفسها. فالمهمة الحقيقية للقارئ الجاد، والناقد الأمين، ليست أن يحفظ ترتيب المدارس كسلّم تاريخي مغلق، بل أن يُعيد بناء الأسئلة التي أنتجت كل مدرسة، ويسأل نفسه: أي ضغوط تقنية وفكرية وسياسية واقتصادية تُشكّل الفن الذي يُصنَع أمام أعيننا اليوم، وأي "مدرسة" ستكتب أجيال المستقبل اسمها على ما نراه الآن مجرد فوضى معاصرة بلا تصنيف. دليلٌ سريعٌ لخريطة المدارس التشكيلية: مؤسسوها وروادها: 1. عصر النهضة — لا مؤسس واحد محدد (رواد: دافنشي، رافائيل)؛ الفكرة: الاحتفاء بالإنسان كمركز للكون، ضمن رعاية دينية-أرستقراطية صارمة. 2. الباروك — لا مؤسس فردي بارز؛ الفكرة: فنٌّ درامي وبصري ضخم في خدمة الكنيسة الكاثوليكية في مواجهة الإصلاح البروتستانتي. 3. الروكوكو — روادها فراغونار وبوشيه؛ الفكرة: فنٌّ زخرفي مرح في خدمة الطبقة الأرستقراطية العلمانية المترفة. 4. الكلاسيكية الجديدة — مؤسسها جاك لوي ديفيد؛ الفكرة: فنٌّ صارم متأثر بالعقلانية الإغريقية-الرومانية في خدمة الدولة الثورية ثم النابليونية. 5. الرومانسية — روادها ديلاكروا وجيريكو؛ الفكرة: تمرّد على العقلانية لصالح تعبير فردي حر عن العاطفة والكارثة الإنسانية. 6. الواقعية — مؤسسها غوستاف كوربيه؛ الفكرة: تصوير الطبقات الشعبية (الفلاحون، العمال) بجدية كانت محجوزة تقليدياً للتاريخ والدين. 7. الانطباعية — رائدها كلود مونيه؛ الفكرة: نقل "الانطباع" اللحظي للضوء والطبيعة عبر الرسم في الهواء الطلق، خارج مؤسسة الصالون الرسمي. 8. التكعيبية — مؤسساها بيكاسو وبراك؛ الفكرة: تفكيك الشكل إلى زوايا هندسية متعددة، تحليل عقلاني بارد لبنية الأشياء. 9. المستقبلية — مؤسسها فيليبو مارينيتي؛ الفكرة: احتفال حماسي بالسرعة والآلة والعنف والحرب. 10. الدادائية — لا مؤسس فردي واحد (تريستان تزارا من أبرز روادها)؛ الفكرة: رفض المنطق والمعنى كلياً كاحتجاج على عبثية الحرب العالمية الأولى. 11. السريالية — مؤسسها أندريه بريتون (وسلفادور دالي أبرز رمز بصري لها)؛ الفكرة: استلهام اللاوعي الفرويدي في صور هلوسية شديدة الواقعية. 12. التعبيرية التجريدية — رائدها جاكسون بولوك (وروثكو)؛ الفكرة: تخلٍّ كامل عن التصوير لصالح تعبير وجودي حر عبر اللون والحركة. 13. البوب آرت / ما بعد الحداثة — رائدها آندي وارهول؛ الفكرة: احتفاء بالتكرار والاستهلاك التجاري كمادة فنية، وطرح سؤال "لماذا هذا فن؟" بدل "كيف يبدو الفن؟
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
Amal_Ben_Tahar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
البلاغة عند السوفسطائيين: تأسيس فلسفة الخطاب وإشكالية الحقيق
...
-
أطفال ما بعد الوباء: حين يصمت الجيلُ قبل أن يتكلّم... مقاربة
...
-
شهريار بعد الليلة الألف: في أثر الحكاية على الجلاّد، مقاربة
...
-
3 سيمياء العدد سبعة: من اللغة إلى المخيال الثقافي والكوني.
-
1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني
-
2 سيمياء العدد سبعة: تجلياته في الطقوس والجسد والزمن.
-
التربية الدامجة كمشروع نهضوي في المدرسة المغربية إشكالات الت
...
-
-القصة حين تتوارى الحكاية: إشكالية المفهوم ورهان السرد في ضو
...
-
الزجل المغربي: جذور الهوية وأسئلة الحداثة قراءة في مسار فن ع
...
-
-طفل...والمدينة العاهرة-: قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا ا
...
-
التراث اللامادي عند عبد الفتاح كيليطو — دراسة نقدية موسّعة
-
حين يصبح الصمتُ مِدادًا... قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُ
...
-
حين يصبح الصمتُ مِدادًا...قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُق
...
-
حين يتكلّم الغيم: مقاربة في شعرية القصة القصيرة عند محمد زهي
...
المزيد.....
-
ليلة -إيفان كوبالا- التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير
...
-
فنان مصري يعترف بتعاطيه المخدرات ويكشف عن فترة صعبة
-
بمشاركة فنانين وسياسيين وحقوقيين.. بيان من لجنة الدفاع والتض
...
-
الفنان فضل شاكر يغادر المستشفى العسكري بعد استكمال فحوصاته ا
...
-
صيف يفيض بالمتعة.. فعاليات ثقافية نابضة بالحياة في موسكو خلا
...
-
ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسط
...
-
-جزء من الثقافة الجماهيرية-.. خبير روسي يعلق على دعوات حظر م
...
-
شاهد.. في غزة كتب ناجية من الحرب والأنقاض تغدو مكتبة في خيمة
...
-
تطورات جديدة في قضية إيجي إرتيم.. تقرير أولي يستبعد العنف وا
...
-
البالالايكا.. كيف تحوّلت آلة الفلاحين إلى أشهر رموز الموسيقى
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|