آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 08:29
المحور:
الادب والفن
(لماذا يظل السوفسطائيون سؤالًا لا يُغلق؟( قلّما حظيت مدرسة فكرية في تاريخ الفلسفة الغربية بمثل ما حظي به السوفسطائيون من التباس في التلقي: فهم من جهة أول من أسّس لعلم البلاغة بوصفه معرفة منهجية قابلة للتعليم، ومن جهة أخرى ظلوا لقرون طويلة محكومين بصورة سلبية رسّختها كتابات خصومهم، وفي مقدمتهم أفلاطون، حتى صار اسمهم مرادفًا في الاستعمال الشائع لـ"المغالطة" و"التلاعب بالألفاظ". هذه المفارقة بين الدور التأسيسي والصورة "المشوّهة" تستدعي إعادة قراءة نقدية لا تكتفي باستعادة أطروحاتهم، بل تسائل الآليات التي جعلت خصومهم يكتبون تاريخهم نيابة عنهم.
تسعى هذه الورقة البخثية إلى تجاوز القراءة الأفلاطونية التبخيسية من جهة، والقراءة التمجيدية المعاصرة (ما بعد الحداثية خصوصًا) التي تستعيد السوفسطائيين كسلف للنسبية وتفكيك اليقين من جهة أخرى، نحو قراءة تحاول ضبط ما قالوه فعلًا، ضمن سياقه التاريخي والمعرفي، من دون إسقاط مقولات لاحقة عليه.
1. السياق التاريخي: الديمقراطية الأثينية وولادة الحاجة إلى الخطاب
لا يمكن فهم البلاغة السوفسطائية بمعزل عن التحول السياسي الذي عرفته أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد. فمع تكرّس النظام الديمقراطي بعد إصلاحات كليسثينس، أصبح المواطن الأثيني مطالَبًا بالمشاركة الفعلية في مؤسستين محوريتين: الجمعية العامة (Ekklesia) التي تُتخذ فيها القرارات السياسية بالتصويت بعد المداولة الخطابية، والمحاكم الشعبية (Heliaia) حيث كان المتقاضي مطالَبًا بالدفاع عن نفسه شخصيًا من دون محامٍ محترف بالمعنى الحديث. في هذا السياق، لم تعد القدرة على الإقناع ترفًا ثقافيًا، بل أصبحت شرطًا وجوديًا للمشاركة في الشأن العام وللدفاع عن الحقوق والممتلكات.
من هذه الحاجة العملية وُلدت "التقنية الخطابية" (technē rhētorikē) كمجال معرفي مستقل، وظهر السوفسطائيون كمعلمين متجولين يبيعون هذه المعرفة مقابل أجر، منتقلين بين المدن اليونانية. وهنا تكمن أول نقطة خلاف جوهرية بينهم وبين الفلاسفة من أمثال سقراط وأفلاطون: فبينما رأى هؤلاء أن الحكمة لا تُباع، اعتبر السوفسطائيون أن تقديم معرفة نافعة مقابل أجر عمل مشروع، بل ديمقراطي بامتياز، لأنه يتيح لكل من يملك المال، لا فقط لمن يملك النسب النبيل، أن يكتسب أداة الصعود الاجتماعي والسياسي.
2. من هم السوفسطائيون؟ محاولة في التوصيف بدل التصنيف
من المهم منهجيًا التنبيه إلى أن "السوفسطائية" لم تكن مدرسة موحدة العقيدة، بل كانت أقرب إلى ظاهرة اجتماعية-تعليمية جمعت مفكرين متباينين تحت مسمى مهني مشترك هو "sophistēs" (أي الحكيم أو الخبير الذي يُحسن صنعة ما). الأسماء الكبرى في هذا التيار تشمل:
بروتاغوراس من عبديرا (نحو 490-420 ق.م)، أول من أطلق على نفسه لقب "سوفسطائي" بصراحة، وصاحب المقولة الأشهر: "الإنسان مقياس كل شيء". اشتغل على فكرة "الحجج المتقابلة" (dissoi logoi)، أي إن لكل قضية وجهين متعارضين يمكن الدفاع عن كل منهما بحجج قوية.
جورجياس من ليونتيني (نحو 483-375 ق.م)، أكثر السوفسطائيين ارتباطًا بنظرية البلاغة بما هي كذلك. تركت رسالتاه "مديح هيلين" و"في اللاموجود" أثرًا عميقًا في التفكير حول سلطة الخطاب (logos) على النفس.
هيبياس الإيلي وبروديكوس الكيوسي وأنتيفون الأثيني، أسماء أقل شهرة أسهمت في تطوير أدوات تحليلية دقيقة، خصوصًا في الترادف اللغوي (بروديكوس) والتمييز بين القانون الوضعي والقانون الطبيعي (أنتيفون).
3. نظرية الخطاب عند جورجياس: اللوغوس بوصفه قوة لا وسيلة
تمثل رسالة "مديح هيلين" أحد أهم النصوص التأسيسية في تاريخ نظرية البلاغة، ليس لأنها تبرئ هيلين من تهمة إشعال حرب طروادة فحسب، بل لأنها تطرح، عبر هذا التبرير الأدبي، نظرية فلسفية متكاملة في طبيعة الخطاب وسلطته. يرى جورجياس أن الخطاب (logos) يمتلك قدرة تكاد تضاهي قدرة السحر أو الدواء في التأثير على الجسد: فكما يُدخل الدواء مادة غريبة إلى الجسد فتغيّر حاله، كذلك يُدخل الخطاب معنى إلى النفس فيغيّر قناعاتها، بصرف النظر عن مطابقته للحقيقة الموضوعية من عدمها.
هذه الفكرة تحمل بعدًا إبستمولوجيًا خطيرًا: فإذا كان الخطاب قادرًا على "استعباد" النفس، فإن مسؤولية من يقتنع بخطاب ما لا تقع عليه وحده، بل تتوزع بينه وبين سلطة الكلام ذاتها. وهذا بالضبط ما استثمره جورجياس لتبرئة هيلين: فإن كانت قد اقتيدت بالإقناع الخطابي لا بالقوة الجسدية، فهي ضحية سلطة اللوغوس لا فاعلة مسؤولة.
أما في رسالته الثانية "في اللاموجود أو في الطبيعة"، فيذهب إلى أطروحة أكثر جذرية، صيغت في ثلاث قضايا متتالية: لا شيء موجود؛ وإن وُجد شيء فلا يمكن معرفته؛ وإن أمكنت معرفته فلا يمكن توصيله إلى الغير عبر اللغة. لا ينبغي قراءة هذه القضايا على أنها عدمية أو عبث فلسفي، بل هي على الأرجح تمرين جدلي (يُحاجّ فيه جورجياس برمنيدس ضمنيًا) يكشف حدود اللغة كأداة لنقل المعرفة، ويؤسس بذلك لفصل جذري بين "الوجود" و"الخطاب عن الوجود"، وهو فصل سيصبح لاحقًا أحد الأسس الضمنية لكل تفكير بلاغي: الخطاب لا ينقل الحقيقة، بل يبنيها أو يقترحها.
4. بروتاغوراس والنسبية: أساس فلسفي للممارسة الخطابية
إذا كان جورجياس قد قدّم نظرية في سلطة الخطاب، فإن بروتاغوراس قدّم الأساس الإبستمولوجي الذي يجعل هذه السلطة ممكنة ومشروعة. مقولته "الإنسان مقياس كل شيء" لا تعني، خلافًا لما يُشاع، إنكارًا مطلقًا للحقيقة، بل تعني أن الإدراك والمعرفة نسبيان إلى الذات المدركة وظرفها. من هذه النسبية تنبثق أطروحته حول "الحجج المتقابلة": بما أن لكل شخص إدراكه الخاص للواقع، فإن لكل قضية حجتين متعارضتين، كلتاهما صحيحة بالنسبة لصاحبها، ومهمة الخطيب المتمرّس أن يكون قادرًا على "جعل الحجة الأضعف تبدو الأقوى" (وهي العبارة التي استغلها خصومه لتشويه سمعته، بالرغم من أن المقصود بها منهجيًا هو القدرة على الدفاع عن أي موقف بفعالية متكافئة، لا الغش بالضرورة).
هذه القدرة لم تكن غاية في ذاتها، بل أداة تربوية-سياسية: فالمواطن القادر على استيعاب حجج الطرف الآخر بقوة مماثلة لحججه هو مواطن أكثر قدرة على المداولة الديمقراطية الرشيدة، وأكثر مناعة ضد الانخداع بخطاب أحادي الجانب. بهذا المعنى، "ديالكتيك الحجج المتقابلة" ليس تدريبًا على الكذب، بل تدريب على النقد وتعدد وجهات النظر، وهو ما يجعله أقرب إلى "التفكير النقدي" منه إلى المغالطة المتعمدة.
5. دوكسا مقابل إبيستيمي: الجدل مع أفلاطون
يستحيل تناول البلاغة السوفسطائية من دون مواجهة السؤال الذي هيمن على تلقيها لقرون: هجوم أفلاطون عليها، خصوصًا في محاورتي "جورجياس" و"بروتاغوراس". يميّز أفلاطون بحدة بين "الإبيستيمي" (المعرفة اليقينية بالحقائق الثابتة) و"الدوكسا" (الرأي المتغير بتغير الظروف)، ويصنّف البلاغة السوفسطائية ضمن الصنف الثاني، بل يذهب أبعد فيصفها بأنها ليست "تقنية" (technē) بالمعنى الدقيق، أي معرفة منهجية لها موضوع ثابت كالطب أو الهندسة، بل مجرد "خبرة" أو "تملّق" (kolakeia) يستهدف اللذة الآنية بدل الخير الحقيقي، تمامًا كما يستهدف الطباخ إرضاء الذوق بدل الصحة التي يستهدفها الطبيب.
هذا النقد، بالرغم من قوته، ينبغي أن يُقرأ نقديًا هو ذاته. فأفلاطون لم يكن ناقدًا محايدًا، بل طرفًا في صراع مشروعين متنافسين على تعريف "الحكمة" وموقع الفلسفة في المدينة: مشروع سقراطي-أفلاطوني يبحث عن حقائق كلية ثابتة عبر الديالكتيك الفلسفي، ومشروع سوفسطائي عملي يرى أن المعرفة الإنسانية محكومة بالسياق (وهو ما يعبّر عنه مفهوم "الكايروس" kairos، أي التوقيت الملائم للقول، وهو مفهوم مركزي غاب تقريبًا عن الفلسفة الأفلاطونية). من هذه الزاوية، فإن الصراع بين الفلسفة والبلاغة ليس صراعًا بين الحقيقة والزيف كما صوّره أفلاطون، بل صراع بين أنموذجين معرفيين متنافسين على السلطة الرمزية في أثينا.
من المفيد التذكير بأن أرسطو اتخذ موقفًا أكثر توازنًا في "الخطابة"، إذ اعترف بالبلاغة كتقنية مشروعة، وعرّفها بأنها "القدرة على رؤية وسائل الإقناع المتاحة في كل حالة"، وميّز بين استعمالها المشروع وسوء استعمالها، بدل رفضها جملة كما فعل أفلاطون. هذا التمييز هو الذي أسس فعليًا لعلم البلاغة الكلاسيكي.
6. البلاغة والأخلاق: هل يعلّم السوفسطائيون الفضيلة؟
من القضايا الجوهرية مسألة ادّعاء بروتاغوراس القدرة على تعليم "الفضيلة السياسية" (aretē) مقابل أجر. السؤال المطروح: هل يمكن فصل مهارة الإقناع عن الالتزام الأخلاقي بمضمون ما يُقال؟ لكن قراءة أكثر تدقيقًا لمحاورة "بروتاغوراس" الأفلاطونية تكشف أن بروتاغوراس يقدّم نظرية سياسية-أخلاقية متماسكة: فهو يروي أسطورة بروميثيوس وإبيميثيوس ليؤسس لفكرة أن "الحس السياسي" (الحياء والعدالة) وُزّع على جميع البشر بالتساوي من قبل زيوس، خلافًا للمهارات التقنية المتخصصة، وأن هذا التوزيع المتساوي هو أساس شرعية الديمقراطية. من هذا المنظور، تعليم البلاغة عنده ليس تعليمًا تقنيًا محايدًا أخلاقيًا، بل تكريس لهذه الفضيلة السياسية المشتركة عبر تمكين المواطن من الدفاع عنها في الفضاء العمومي.
7. الإرث: من أثينا الكلاسيكية إلى البلاغة الجديدة
يمكن رصد ثلاثة مسارات لإرث البلاغة السوفسطائية: المسار الأرسطي-الكلاسيكي الذي استوعب أدواتها ضمن نسق فلسفي منظم أعاد لها شرعيتها من دون التخلي عن الرهان الأخلاقي على الحقيقة؛ المسار الرواقي والشكوكي الهلنستي، الذي استلهم أطروحاتها النسبية في بناء مواقف حول تعليق الحكم وحدود المعرفة اليقينية؛ والمسار الحديث، عبر نيتشه الذي رأى فيهم مقاومة للمثالية الأفلاطونية القمعية، وشاييم بيرلمان في "البلاغة الجديدة" التي أعادت الاعتبار لمنطق الحجاج، وصولًا إلى بعض تيارات ما بعد الحداثة التي وجدت في نسبية بروتاغوراس ونقد جورجياس للغة سندًا فلسفيًا مبكرًا لمشروعها في تفكيك اليقينيات الكبرى.
خاتمة: نحو قراءة متوازنة
إن الحكم النهائي على السوفسطائيين بوصفهم "مغالطين"، أو في المقابل "سلفًا لما بعد الحداثة"، يسقط في فخ الإسقاط الأيديولوجي بقدر ما يقع فيه من قرأهم عبر حكم أفلاطون الخصم اللدود. الأقرب إلى الدقة المنهجية هو النظر إليهم كمفكرين عمليين استجابوا لحاجة تاريخية محددة، فأسسوا حقلًا معرفيًا جديدًا هو التقنية الخطابية، وطرحوا عبر ممارستهم أسئلة فلسفية عميقة حول علاقة اللغة بالحقيقة، ونسبية المعرفة، وإمكان تعليم الفضيلة السياسية. هذه الأسئلة لم تُحسم يومًا بشكل نهائي، لا في زمانهم ولا في زماننا، وهو ما يجعل عودة قراءتهم اليوم ضرورة معرفية متجددة لكل تفكير في طبيعة الخطاب وسلطته.
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
Amal_Ben_Tahar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟