أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: تجربة لطيفة توجاني أنموذجًا















المزيد.....

الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: تجربة لطيفة توجاني أنموذجًا


آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية

(Amal Ben Tahar)


الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 08:15
المحور: الادب والفن
    


إشكالية البحث: يطرح الحديث عن "الفن التشكيلي المعاصر في المغرب" سؤالًا منهجيًا قبل أن يكون سؤالًا جماليًا: كيف تُكتب تاريخانية هذا الفن، ومن الذي يقرر أي الأسماء تدخل المتن وأيها يبقى في الهامش؟ تجربة الفنانة لطيفة توجاني (فاس، 1948) تصلح مدخلًا نموذجيًا لهذا السؤال، ليس فقط لغنى مسارها، بل لأنها تختزل بذاتها معضلة أعمق: فنانة أسّست حضورها الفني في لحظة تأسيسية من الحداثة التشكيلية المغربية، ثم غابت عن المشهد قرابة عقدين قبل أن يُعاد الاعتبار لها مؤخرًا. هذا التذبذب بين الحضور والمحو ليس عارضًا شخصيًا فحسب، بل عرَض بنيوي يكشف آليات اشتغال الحقل الفني المغربي ذاته.
1. السياق: من التأسيس إلى تعدد المرجعيات
نشأت توجاني فنيًا في مطلع السبعينات، أي في اللحظة التي كانت فيها الحركة التشكيلية المغربية تعيد صياغة سؤال الهوية بعيدًا عن الاستشراق الاستعماري وعن المحاكاة الأكاديمية الغربية. كانت عضوًا مؤسسًا في الجمعية المغربية للفنانين التشكيليين سنة 1972، وأقامت أول معرض شخصي كبير لها في غاليري باب الرواح بالرباط سنة 1973 . هذا التموقع المبكر يضعها في قلب جيل التأسيس، إلى جانب أسماء مثل محمد المليحي ومحمد القاسمي، لكنه يضعها أيضًا في موقع مختلف نوعيًا داخل هذا الجيل: فخلافًا لتيار "الفن الفطري" الذي مثّلته الشعيبية طلال، أو التصوير التقليدي لمشاهد الحياة اليومية، اشتغل عملها منذ البداية على مساءلة الشرط الاجتماعي، وتحديدًا موقع المرأة داخل المجتمع المغربي، من دون أن تنزلق نحو الفولكلورية أو المحاكاة .
هذا التمايز المبكر يفرض إعادة النظر في التصنيفات السائدة لحداثة الفن المغربي، والتي تميل إلى اختزالها في ثنائية "التجريد الغرافيكي" (مدرسة الدار البيضاء) في مقابل "الفن الفطري الشعبي". تجربة توجاني تكشف عن مسار ثالث: فن ملتزم سياسيًا واجتماعيًا، يوظف الوسائط المتعددة – من الرسم الزيتي إلى الحفر إلى التصوير الفوتوغرافي التوثيقي – في خدمة مشروع نقدي متماسك.
2. الحرف العربي: من الزخرفة إلى السؤال الكوني
يمثل اشتغال توجاني على الحرف العربي إحدى أكثر لحظات تجربتها دلالة معرفية. فقد وظّفت الحرف، خصوصًا في أعمال الحفر والملصقات المنجزة بمناسبة القمة العربية بالرباط سنة 1974، لا بوصفه زخرفة أو استعادة للتراث الخطاطي الكلاسيكي، بل بوصفه أداة لبناء بعد كوني وتجريدي يرفع الحرف إلى مستوى بصري يتجاوز وظيفته اللغوية المباشرة. في معرضها الأخير بمراكش، تتكشف هذه الرؤية في نضجها: نصوص بصرية متعددة الطبقات تتقاطع فيها المرجعية الدينية والصوفية بالرمزية الكونية، ضمن معرض يمزج بين التقليد والتجريد في توظيف الحرف العربي.
هذا المسار يضع تجربتها ضمن سياق أوسع تعرفه الحروفية المغربية، التي انتقلت تدريجيًا منذ الثمانينات من موقع الزخرفة إلى فضاء التفكير البصري النقدي، حيث لم يعد الحرف مجرد إعادة تشكيل للخط بل صار يشتغل على مساءلة النص واللغة ذاتهما. لكن الإشكال المنهجي هنا هو: هل يمكن اعتبار توجاني سابقة لهذا التحول أم أنها اشتغلت بمعزل عنه، ضمن مشروعها الفردي المرتبط بالتزامها الفلسطيني والنسوي أساسًا؟ المعطيات المتاحة تُرجّح الفرضية الثانية: فتوظيفها للحرف كان جزءًا من مشروع تسييسي أوسع، وليس بحثًا تشكيليًا خالصًا في بنية الخط بذاته.
3. الجسد والتوثيق: تفكيك المسكوت عنه
تكشف مرحلة السبعينات من عملها عن بعد آخر لا يقل أهمية: تصويرها للجسد الأنثوي في لوحات زيتية تُظهر أجسادًا منحنية تحت وطأة قهر غير مرئي، إلى جانب تصويرها الفوتوغرافي لمواسم دينية شعبية – كموسم مولاي إدريس وموسم عيسى بمكناس – حيث وثّقت أجسادًا نسائية في حالة نشوة صوفية، متحررة من قيود الرقابة الاجتماعية في عمل يحمل طابعًا توثيقيًا غير مسبوق وقوة تجاوزية، لأن هذه الطقوس كانت تُعتبر آنذاك محظورة على أعين الآخرين (Diptyk Magazine) .
هنا تتقاطع توجاني، عبر شبكة علاقاتها الفكرية، مع فاطمة المرنيسي، صديقة طفولتها التي شاركتها في صياغة مطلب حقوقي نسائي مبكر سنة 1975. هذا التقاطع ليس تفصيلًا سير ذاتيًا عابرًا، بل مفتاح تأويلي: فالعمل الفوتوغرافي التوثيقي لأجسادٍ نسائية متحررة من الكبت في سياق طقوسي، يوازي بصريًا ما كانت المرنيسي تصوغه نظريًا حول الجسد والفضاء والسلطة الذكورية في المجتمع المغربي. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة عمل توجاني بمعزل عن حقل الفكر النسوي المغربي في تلك اللحظة، بل هو امتداد بصري له، وربما سبقه في بعض تجلياته.
4. القضية الفلسطينية: الالتزام بوصفه شرطًا جماليًا
تمثل فلسطين محورًا ثابتًا في عمل توجاني منذ بداية السبعينيات، أي قبل تعرّفها على محمود درويش (1972) أو محمد المليحي (1971). كانت الفنانة المغربية الوحيدة المشاركة في بينالي بغداد سنة 1974، والمرأة المغربية الوحيدة في المعرض الجماعي المتنقل "فلسطين" الذي طاف الرباط والجزائر وتونس سنة 1975 (CMG Marrakech) (CMG Marrakech) . هذا الحضور الاستثنائي يطرح إشكالًا نقديًا: كيف نقرأ فنًا نسائيًا مغربيًا ينخرط في قضية أممية عربية بهذا العمق، في وقت كانت فيه الحركة النسوية المحلية لا تزال تخوض معاركها التأسيسية داخليًا؟ الجواب الأقرب هو أن توجاني لم تفصل بين تحرر المرأة وتحرر الأرض، بل جعلت من الجسد والحرف والصورة الفوتوغرافية أدوات لخطاب تحرري واحد متعدد الواجهات.
5. إشكالية المحو: من الحضور المؤسس إلى الغياب المديد
اللحظة الأكثر دلالة في مسار توجاني هي انقطاعها عن المشهد الفني بعد آخر معرض لها سنة 1999، سواء بغاليري باب الرواح بالرباط أو ضمن موسم "زمن المغرب" الثقافي بمتحف نانسي (Aujourd hui le Maroc) . غيابها الممتد لعقدين تقريبًا، قبل إعادة اكتشافها مؤخرًا عبر معرض "لطيفة، رائدة أيضًا!" بغاليري كومبتوار دي مين بمراكش، يفرض سؤالًا منهجيًا حول آليات الإقصاء داخل الحقل الفني المغربي: هل يتعلق الأمر بانسحاب فردي، أم بميكانيزم بنيوي يهمّش الأصوات النسائية غير المندرجة ضمن شبكات السوق الفني وصالاته المهيمنة؟
المعطى الدال هنا هو أن اسم توجاني ظل، لعقود، شبه غائب عن الكتابة المؤسساتية لتاريخ الفن المغربي الحديث، بالرغم من مكانتها التأسيسية. هذا يكشف فجوة جوهرية بين "الفعل الفني" و"الفعل التأريخي": فالحضور في اللحظة التاريخية لا يضمن الحضور في الذاكرة المؤسساتية، لأن كتابة تاريخ الفن ليست انعكاسًا محايدًا للإنتاج، بل هي ذاتها ممارسة سلطوية تختار وتُقصي وفق معايير السوق والشبكات والرأسمال الرمزي، لا وفق الجودة أو الأسبقية التاريخية وحدها.
على سبيل الختم:
تكشف تجربة لطيفة توجاني، حين تُقرأ بوصفها حالة أنموذجية، عن ثلاث إشكالات متشابكة تحكم الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: أولًا، تعدد المرجعيات التأسيسية لهذا الفن بما يتجاوز الثنائية المختزلة بين التجريد الغرافيكي والفن الفطري؛ ثانيًا، الوظيفة المزدوجة للحرف العربي بوصفه في آن واحد أداة هوياتية وأداة تجريد كوني نقدي؛ وثالثًا، وهو الأخطر منهجيًا، أن تاريخ الفن المغربي لا يزال في طور إعادة الكتابة، وأن كثيرًا من التجارب التأسيسية – خصوصًا النسائية منها – تنتظر إعادة اعتبار تنقلها من هامش الذاكرة إلى متن التأريخ. بهذا المعنى، فإن "استعادة" توجاني اليوم ليست فقط تكريمًا لفنانة، بل هي مساءلة لشروط إنتاج المعرفة الفنية نفسها في المغرب المعاصر.



#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)       Amal_Ben_Tahar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سرديّة التحوّل: قراءة نقدية في مراحل المدارس التشكيلية ومنطق ...
- البلاغة عند السوفسطائيين: تأسيس فلسفة الخطاب وإشكالية الحقيق ...
- أطفال ما بعد الوباء: حين يصمت الجيلُ قبل أن يتكلّم... مقاربة ...
- شهريار بعد الليلة الألف: في أثر الحكاية على الجلاّد، مقاربة ...
- 3 سيمياء العدد سبعة: من اللغة إلى المخيال الثقافي والكوني.
- 1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني
- 2 سيمياء العدد سبعة: تجلياته في الطقوس والجسد والزمن.
- التربية الدامجة كمشروع نهضوي في المدرسة المغربية إشكالات الت ...
- -القصة حين تتوارى الحكاية: إشكالية المفهوم ورهان السرد في ضو ...
- الزجل المغربي: جذور الهوية وأسئلة الحداثة قراءة في مسار فن ع ...
- -طفل...والمدينة العاهرة-: قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا ا ...
- التراث اللامادي عند عبد الفتاح كيليطو — دراسة نقدية موسّعة
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا... قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُ ...
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا...قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُق ...
- حين يتكلّم الغيم: مقاربة في شعرية القصة القصيرة عند محمد زهي ...


المزيد.....




- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...
- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال
- ثقافة -البالة- في العراق: من ملاذ للفقراء إلى -صيد ذكي- للما ...
- السينما المصرية في مواجهة -سحر المونديال-: تراجع الإيرادات و ...
- ليلة -إيفان كوبالا- التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير ...
- فنان مصري يعترف بتعاطيه المخدرات ويكشف عن فترة صعبة


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: تجربة لطيفة توجاني أنموذجًا