أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - آمال بن الطاهر - اللغة العربية والتواصل المهني: حين تصبح الهوية استثمارًا لا عبئًا















المزيد.....

اللغة العربية والتواصل المهني: حين تصبح الهوية استثمارًا لا عبئًا


آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية

(Amal Ben Tahar)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 10:25
المحور: قضايا ثقافية
    


المقدمة: ثنائية اللغة الأم واللغات الأجنبية: كثير من الطلبة العرب اليوم ينظرون إلى الإنجليزية أو الفرنسية على أنها "لغة المستقبل والوظيفة"، بينما تُختزل العربية في وجدانهم إلى لغة المدرسة والدين والتراث فقط، لا لغة الاجتماع المهني ولا الاقتصاد ولا العلم. هذا التصور، بالرغم من انتشاره، لا يصمد أمام الوقائع: فبينما يتراجع الاهتمام بالعربية داخل بعض بيئاتها الأصلية، تتزايد قيمتها ومكانتها في مؤسسات وجامعات غير عربية حول العالم، بوصفها لغة استراتيجية للتواصل الدبلوماسي والاقتصادي والبحثي.
1. العربية كأصل مهني لا كترفٍ ثقافي:
اللغة ليست مجرد أداة تواصل عابرة، بل هي البنية التي يُفكَّر ويُصاغ بها المعنى المهني: التقارير، والعقود، والتفاوض، والإقناع. حين يتقن الطالب لغته الأم بعمق، فإن مهاراته في التحليل والصياغة تنتقل بسهولة أكبر إلى أي لغة أجنبية يتعلمها لاحقًا؛ فالضعف في اللغة الأولى غالبًا ما ينعكس ضعفًا في التفكير المنظم بأي لغة أخرى، وهي ملاحظة تتكرر في الأدبيات التربوية العربية التي ترصد ضعف الطلبة الجامعيين في العربية وأثره على مخرجات التعلم عمومًا.
كما أن العربية اليوم لغة اقتصاد حقيقي: فهي اللغة الرسمية في أكثر من عشرين دولة، ولغة تواصل يومي لأكثر من 400 مليون إنسان، وهو ما يجعلها بوابة مباشرة لأسواق الطاقة والتجارة والاستثمار في الخليج والشام وشمال إفريقيا. أي مهني -مترجمًا كان أو دبلوماسيًا أو رجل أعمال- يتقن العربية بجانب لغة أجنبية يملك ميزة تفاوضية لا يملكها من يتقن لغة أجنبية واحدة فقط.
2. حين تستثمر دول غير عربية في العربية:
المفارقة اللافتة أن دولًا لا تتحدث العربية أصلًا أدركت قيمتها الاستراتيجية وبنت لها مؤسسات راسخة:
بولندا: تضم جامعات مثل وارسو وكراكوف وجامعة أدم ميتسكيفيتش في بوزنان أقسامًا ومعاهد متخصصة في الدراسات العربية والإسلامية، بعضها تأسس منذ عشرينات القرن الماضي، وتنشط فيها بحوث علمية دائمة حول اللغة والأدب العربيين.
فرنسا: يُعد المعهد العربي في باريس، المؤسَّس عام 1980، من أعرق المراكز الأوروبية التي تُدرّس العربية وتحتفي بثقافتها، إلى جانب أقسام متخصصة في جامعات فرنسية كبرى.
تركيا: توسّعت جامعات تركية، خصوصًا في إسطنبول، في افتتاح برامج أكاديمية كاملة تُدرَّس بالعربية في تخصصات كالعلوم الإسلامية والآداب والهندسة، استجابة لإقبال متزايد من الطلبة العرب والأتراك على حد سواء.
الولايات المتحدة: تقدّم عشرات الجامعات، من بينها جامعات كبرى، تخصصات كاملة في اللغة العربية وآدابها، وتصنّفها ضمن "اللغات الحرجة" ذات الأولوية في برامج التمويل الحكومي للدراسات اللغوية.
بريطانيا وهولندا: مثل جامعة ليدن الهولندية التي تخصص برامج كاملة لدراسات الشرق الأوسط تركز على اللغة والثقافة العربيتين كمدخل أساسي لفهم المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا.
هذا الإقبال الغربي ليس حنينًا استشراقيًا، بل استثمار عملي: فهم من يريد العمل في الدبلوماسية أو الاستخبارات أو التجارة أو الطاقة مع المنطقة العربية يدرك أن إتقان العربية شرط مهني لا رفاهية أكاديمية.
3. المفارقة العربية - إقصاء اللغة من ميادينها الحيوية
في المقابل، تشير أدبيات عربية متعددة إلى أن العربية تتعرض للإقصاء داخل أوطانها من قطاعات حيوية كالاقتصاد والتقنية والتعليم العالي، ليس بفعل إرث استعماري مباشر كما كان الحال سابقًا، بل نتيجة سياسات سوق العمل ذاتها: فبعض الأسر والمؤسسات التعليمية العربية تُقنع نفسها بأن التدريس بلغة أجنبية -خصوصًا في العلوم والرياضيات- هو الطريق الوحيد لتفادي البطالة ولاستيفاء شروط التوظيف في الشركات الكبرى.
هذه الظاهرة تعني عمليًا أن كثيرًا من الجامعات العربية تشترط لغة أجنبية للقبول في التخصصات "المربحة" كالطب والهندسة وإدارة الأعمال، بينما تُترك العربية كمادة ثانوية أو شكلية، بالرغم نت أنها اللغة التي يفكر بها الطالب "ويحلم" ويتفاوض بها اجتماعيًا قبل أي لغة أخرى. والنتيجة مفارقة صريحة: تتزايد أقسام العربية وبرامجها في الجامعات الأوروبية والأمريكية، بينما تتراجع مكانتها العملية داخل بعض الجامعات في موطنها الأصلي.
4. نحو تصالح لا تناقض
القضية ليست العربية في مواجهة الأجنبية، بل إتقان الاثنتين معًا كرأس مال مهني مركّب. الطالب الذي يتقن عربية فصيحة وسليمة إلى جانب لغة أجنبية أو أكثر لا يخسر شيئًا من فرصه، بل يكتسب ميزة تفاوضية وثقافية لا يملكها من يتقن لغة أجنبية وحدها، لأن العربية تفتح له أسواقًا وشبكات علاقات وفرص عمل في الإعلام والترجمة والدبلوماسية والقطاع الثقافي، وهي مجالات تشهد طلبًا متزايدًا عالميًا كما تُظهر التجربتان البولندية والأمريكية.
5. مجتمع المعرفة والعربية بوصفها جسرًا لا حاجزًا
نعيش اليوم في ما يُصطلح عليه "مجتمع المعرفة"، حيث لم يعد التفوق مرتبطًا بلغة واحدة مهيمنة، بل بالقدرة على التنقل بين اللغات وتبادل المعرفة والتلاقح الثقافي بين الحضارات. وهذا المجتمع بالذات، القائم على الانفتاح لا على الإقصاء، هو من يمنح تعلّم العربية شرعيته ويؤكد ضرورته، لا كلغة هوية منغلقة على ذاتها، بل كأحد روافد المعرفة الإنسانية المشتركة التي يحتاجها الباحث أينما كان تخصصه.
ومن الأمثلة الدالة على هذا الحضور المعرفي للعربية، أن عددًا من الطلبة في المغرب اليوم يواصلون إعداد أطاريح دكتوراه في الطب باللغة العربية )كلية الطب التابعة لجامعة ابن زهر مثلا(، وهو اختيار لا يعبّر عن تراجع علمي كما قد يُتصوَّر، بل عن استمرارية لتقليد علمي عريق: فالعربية كانت يومًا لغة الطب والعلم بامتياز، حين قدّم أطباء عرب ومسلمون قدامى -كالرازي وابن سينا والزهراوي- إسهامات أسّست لعلم الطب الحديث ذاته، وظلت مؤلفاتهم مراجع تُدرَّس في جامعات أوروبا لقرون. فحين يكتب طالب مغربي أطروحته الطبية بالعربية اليوم، فهو لا يعزل نفسه عن المعرفة العالمية، بل يعيد وصل الحاضر بجذور علمية عربية سبقت كثيرًا من التقاليد الطبية الغربية نفسها.
واللافت أن هذا الاعتراف بقيمة اللغة الأم في بناء المعرفة لا يقتصر على العرب أنفسهم، بل نجده أيضًا في مؤسسات تعليمية غربية: فبعض المدارس في فرنسا تتيح للطلبة من أصول عربية اجتياز امتحانات أو مباريات معينة بلغتهم الأم، إدراكًا من هذه المؤسسات أن التمكّن من اللغة الأصلية للمتعلم يخدم تحصيله العلمي عمومًا، ولا يتناقض مع اندماجه في محيط فرنكفوني أو أجنبي. وهذه الممارسة، القادمة من خارج العالم العربي، تُذكّر الطلبة العرب أنفسهم بأن التخلي عن لغتهم الأم بحجة "مواكبة العصر" ليس شرطًا للنجاح، بل قد يكون، على العكس، تفريطًا في أداة معرفية لا بديل عنها.
خلاصة:
حين تبني دول لا تنطق بالعربية أصلًا أقسامًا جامعية ومراكز بحثية كاملة لتعليمها، بينما تتراجع مكانتها العملية في بعض بيئاتها الأصلية، يصبح واضحًا أن المشكلة ليست في اللغة نفسها، بل في تصورنا لدورها. العربية ليست خصمًا للإنجليزية أو الفرنسية في سوق العمل، بل شريكة ضرورية لهما، ومن يهملها يهمل جزءًا من فرصه المهنية لا عبئًا يتخلص منه.



#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)       Amal_Ben_Tahar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المهارات الناعمة(Soft Skills) في حياة طالب ما بعد البكالوريا ...
- ملعقتان، وقمرٌ يبكي: في شعرية -تلك الملعقة... طفل... ليلة بك ...
- الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: تجربة لطيفة توجاني أنموذجًا
- سرديّة التحوّل: قراءة نقدية في مراحل المدارس التشكيلية ومنطق ...
- البلاغة عند السوفسطائيين: تأسيس فلسفة الخطاب وإشكالية الحقيق ...
- أطفال ما بعد الوباء: حين يصمت الجيلُ قبل أن يتكلّم... مقاربة ...
- شهريار بعد الليلة الألف: في أثر الحكاية على الجلاّد، مقاربة ...
- 3 سيمياء العدد سبعة: من اللغة إلى المخيال الثقافي والكوني.
- 1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني
- 2 سيمياء العدد سبعة: تجلياته في الطقوس والجسد والزمن.
- التربية الدامجة كمشروع نهضوي في المدرسة المغربية إشكالات الت ...
- -القصة حين تتوارى الحكاية: إشكالية المفهوم ورهان السرد في ضو ...
- الزجل المغربي: جذور الهوية وأسئلة الحداثة قراءة في مسار فن ع ...
- -طفل...والمدينة العاهرة-: قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا ا ...
- التراث اللامادي عند عبد الفتاح كيليطو — دراسة نقدية موسّعة
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا... قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُ ...
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا...قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُق ...
- حين يتكلّم الغيم: مقاربة في شعرية القصة القصيرة عند محمد زهي ...


المزيد.....




- وسط موجات حر قياسية في أوروبا.. شركة تستثمر في قطارات تتحمل ...
- في عيد استقلالها.. جزر البهاما تفجع بكارثة جوية
- جائزة أفضل هدف بدور الـ16 لقذيفة -الظاهرة- هالاند في البرازي ...
- نيبينزيا يحدد طريقة لإيقاف تمجيد النازيين
- -حرب الممرات-.. -وكالة فارس-: الرد على الهجوم الأمريكي على - ...
- رعب في الأجواء.. إنقاذ مسافر سُحب خارج طائرة بعد انفصال إحدى ...
- -ألف صاروخ جاهز-.. ترمب يهدد إيران بالإبادة وطهران تؤكد أنها ...
- مصاحف ممزقة وشوادر بلاستيكية.. كيف يتعلم أطفال غزة القرآن وس ...
- كيف تعيد الحرب في إيران رسم الخريطة الجيوسياسية لأفريقيا؟
- شاهد.. فيضانات مدمرة تضرب ولاية ميسوري الأمريكية بشكل مفاجىء ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - آمال بن الطاهر - اللغة العربية والتواصل المهني: حين تصبح الهوية استثمارًا لا عبئًا