آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 07:17
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
مقدمة: تمثل لحظة الحصول على شهادة البكالوريا منعطفًا حاسمًا في المسار الدراسي والمهني للتلميذ المغربي، إذ تفتح أمامه آفاقًا متعددة نحو التعليم العالي والتكوين المهني، وتضعه في مواجهة مباشرة مع متطلبات جديدة تختلف جذريًا عمّا ألفه في التعليم الثانوي؛ حيث تُفتح بعد الحصول على شهادة الباكالوريا أبواب متعددة نحو التعليم العالي والتكوين المهني، وتصبح مرحلة اختيار التوجيه المناسب قرارًا مصيريًا يحدد المسار المهني لسنوات قادمة. غير أن النجاح في هذا المسار الجديد لا يتوقف على التحصيل المعرفي والتقني وحده، بل يرتبط بشكل متزايد بمجموعة من الكفايات العرضية المعروفة بـ"المهارات الناعمة" (Soft Skills)، وهي القدرات التي تمكّن الفرد من التواصل والتكيف والعمل الجماعي وإدارة ذاته في بيئات دراسية ومهنية متغيرة.
إشكالية المقال وأهدافه:
ينطلق هذا المقال من إشكالية مركزية: إلى أي حد تُعد المهارات الناعمة عنصرًا حاسمًا في نجاح طالب ما بعد البكالوريا داخل المنظومة المغربية، وما هي أبرز هذه المهارات وأكثرها إلحاحًا في السياق المدرسي والجامعي المغربي الراهن؟ ويهدف المقال إلى: تحديد الإطار المفهومي للمهارات الناعمة، وربطها بالإصلاحات التربوية المغربية الحديثة، وتحليل أهميتها في مسار التكيف الدراسي والمهني، واستخلاص توصيات عملية.
منهجية المقاربة:
نعتمد في هذه القراءة منهجا وصفا تحليليا قائما على تحليل المحتوى (Content Analysis)، من خلال مراجعة أدبيات ودراسات ووثائق مؤسساتية ذات صلة بموضوع المهارات الناعمة في التعليم عمومًا وفي السياق المغربي خصوصًا. وقد تم الاعتماد على ثلاثة أصناف من المصادر: أولًا، الوثائق الرسمية المؤطرة للإصلاح التربوي المغربي؛ ثانيًا، الدراسات الأكاديمية المنشورة في مجلات محكّمة حول المهارات الناعمة لدى الطلبة؛ وثالثًا، مواد تحليلية حول واقع التوجيه والتعليم العالي بالمغرب. ويتقاطع هذا المنهج مع طبيعة الموضوع الذي يستدعي الربط بين الإطار النظري العام والسياق المؤسساتي الخاص بالمدرسة المغربية.
1. الإطار المفهومي: ما المقصود بالمهارات الناعمة؟
تُعرَّف المهارات الناعمة بكونها مجموعة واسعة من الكفايات التي تساعد الأفراد على التكيف مع مختلف المواقف والتحديات في حياتهم اليومية والشخصية والمهنية، وهي ليست مجرد معارف أكاديمية بل قدرات عملية تُمكّن المتعلم من التفكير النقدي واتخاذ القرارات وحل المشكلات والتواصل الفعال وإدارة الذات وبناء علاقات إيجابية . وتختلف هذه المهارات عن "المهارات الصلبة" (Hard Skills) المرتبطة بالتخصص التقني أو المعرفي المحدد، ذلك أنها تكمّل المهارات الفنية والمعرفة الوظيفية، وتمثل عنصرًا أساسا لتحقيق النتائج المثلى في المجال المهني، كما أنها قابلة للتطوير والتحسين من خلال التدريب والممارسة المستمرة.
من بين هذه المهارات نجد، إلى جانب التواصل والعمل الجماعي، مهارة الاحتراف الرقمي التي باتت ضرورية في ظل التحول الرقمي المتسارع، إذ تتمثل في التوظيف الأمثل للتقنية والرغبة في التعلم المستمر والبحث عن المعلومات والمستجدات وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومهارة التفاوض التي تتجلى في القدرة على التفاوض مع الأفراد والمؤسسات، والقدرة على الإقناع، ومهارة العرض والتقديم.
2. المهارات الناعمة في السياق المؤسساتي المغربي:
لم يعد الاهتمام بالمهارات الحياتية والناعمة اختيارًا هامشيًا في المدرسة المغربية، بل تحوّل إلى توجه استراتيجي رسمي. فقد نصت الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2015-2030 على ضرورة اعتماد مقاربة الكفايات مع التأكيد على دمج القيم، والتشجيع على التفكير النقدي والمبادرة والإبداع والتفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي. وقد تُرجم هذا التوجه لاحقًا إلى مشروع مندمج خاص بتنمية المهارات الحياتية، إذ يندرج ذلك في إطار تنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتفعيلًا للرافعة الثانية عشرة من الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، عبر المشروع المندمج رقم 8 الرامي إلى تطوير النموذج البيداغوجي وتجويد التعلمات .
ويُلاحظ أن هذا الاهتمام المؤسساتي يأتي في سياق مواكبة أوسع، إذ تتعدد المشاريع التربوية التي تروم تجويد الممارسة التربوية بالمدرسة المغربية، من الرؤية الاستراتيجية للإصلاح إلى القانون الإطار 51.17 إلى خارطة الطريق 2022-2026، وكلها مشاريع تصبو إلى الرقي بالفعل التربوي على المستوى التنظيمي والتنزيلي، مما يؤكد أن المهارات الناعمة لم تعد مجرد إضافة بيداغوجية بل أصبحت جزءًا من الرؤية الشمولية لإصلاح المدرسة المغربية.
3. لماذا تكتسي المهارات الناعمة أهمية خاصة لطالب ما بعد البكالوريا؟
أ- لحظة التوجيه واتخاذ القرار:
تُعد مرحلة اختيار المسار بعد البكالوريا من أكثر اللحظات ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا على التلميذ المغربي، حيث تفرض جل الأسر المغربية على أبنائها اختيار شعبة علمية أو تقنية تتوافق مع متطلبات سوق العمل أو مع نمط ثقافي واجتماعي مرتبط بمهن بعينها، وهو ما يضع التلميذ تحت ضغط الحصول على معدل عالٍ يمكّنه من الولوج إلى المدارس العليا. وفي غياب مهارات ناعمة أساس كاتخاذ القرار والتفكير النقدي ومعرفة الذات، يجد كثير من التلاميذ أنفسهم رهينة اختيارات الأسرة أكثر من كونهم فاعلين واعين بمسارهم، لا سيما أن التلميذ يبقى مرهونًا في الغالب باختيارات والديه، حتى لو كان يتمتع بذكاء أو ميول مغايرة.
ب- التكيف مع بيئة التعليم العالي:
يواجه عدد كبير من الطلبة المغاربة صعوبات حقيقية في التأقلم مع النظام الجامعي الجديد بعد البكالوريا. وتشير معطيات ميدانية إلى أن نسبة مهمة من الطلبة تنقطع عن الدراسة بسبب هذه الصعوبات، فالكثير من الطلبة وجدوا صعوبات في التأقلم مع النظام الدراسي فقرروا التخلي عن التعليم والبحث عن فرصة عمل تدر عليه دخلا ماديا يساعده على تلبية احتياجاته، علمًا أن أكثر من 143 ألف طالب يتخرجون سنويًا من الجامعات الحكومية المغربية وسط فرص عمل محدودة. هذا الانتقال من نظام الثانوي المؤطَّر بشكل كبير إلى نظام جامعي يقوم على الاستقلالية الذاتية يستدعي امتلاك مهارات تنظيم الوقت، والانضباط الذاتي، والمرونة في التكيف مع أنماط تعليمية وتقييمية جديدة.
ج- الاستعداد لسوق الشغل:
تكشف دراسة أُجريت على طلبة كلية التربية أن امتلاك المهارات الناعمة يظل متفاوتًا بين الطلبة بالرغم من أهميته المتزايدة في سوق الشغل، وقد بيّنت نتائج بحث مماثل حول طلبة دبلوم التأهيل التربوي أن درجة امتلاك أفراد عينة الدراسة للمهارات الناعمة جاءت بدرجة مرتفعة بشكل عام، مع تصدر مهارة المرونة والتكيف مع المتغيرات، تلتها مهارة الذكاء العاطفي، في حين جاءت مهارة التفاوض في المرتبة الأخيرة . وقد اعتمد هذا البحث على أداة قياس شملت ثماني مهارات ناعمة هي: الاتصال والتواصل، والتفاوض، والذكاء العاطفي، والقيادة، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والمرونة والتكيف، ومهارة تنظيم الوقت، وهي منظومة يمكن اعتمادها كمرجعية تحليلية لواقع طلبة ما بعد البكالوريا بالمغرب.
4. أبرز المهارات الناعمة المطلوبة في هذه المرحلة:
انطلاقًا مما سبق، يمكن تصنيف أهم المهارات الناعمة التي يحتاجها طالب ما بعد البكالوريا في المدرسة المغربية إلى ما يأتي:
أ- مهارة التواصل الفعّال: ضرورية للتفاعل مع الأساتذة والزملاء في بيئة جامعية أكثر تنوعًا وانفتاحًا من الثانوي.
ب- العمل ضمن فريق: وتتمثل في القدرة على بناء فريق عمل، والتعاون مع فريق العمل، والاتباع الواعي للتعليمات والقواعد، وهي مهارة أساس في المشاريع الجامعية والتكوينات المهنية.
ج- الذكاء العاطفي والمرونة: تتصدر هذه المهارة سلم أولويات الطلبة، لكونهما يساعدان على مواجهة ضغوط التغيير المفاجئ في نمط الحياة الدراسية.
د- إدارة الوقت والتنظيم الذاتي: تعويض لغياب التأطير الصارم الذي كان سائدًا في الثانوي.
ه- حل المشكلات واتخاذ القرار: خصوصًا في لحظة التوجيه وإعادة التوجيه.
و- الاحتراف الرقمي: بالنظر إلى التحول الرقمي المتسارع في وسائل التعلم والبحث.
5. التحديات التي تواجه تنمية المهارات الناعمة في المدرسة المغربية
على الرغم من الإرادة المؤسساتية المعلنة، ما تزال هناك فجوة بين النصوص التوجيهية والممارسة الفعلية. فمن جهة، لا تزال المناهج الدراسية التقليدية غالبًا ما تُهمل التركيز على المهارات الناعمة، بالرغم من أن بعض الجامعات والمدارس اتخذت مبادرات لتعزيز تدريسها من خلال المشاريع الجماعية والمحاضرات التفاعلية، ومع ذلك تبقى هذه المبادرات محدودة أمام تحديات من قبيل محدودية الوقت وصعوبة قياس هذه المهارات. ومن جهة أخرى، يشير تقرير رسمي حول واقع الجامعة المغربية إلى ضرورة جعل الطالب في صلب إصلاحات وإجراءات تحسين أداء التعليم العالي، وتشجيع البحث العلمي، وضمان استقلالية مؤسسات التعليم العالي، وهو ما يستدعي بالضرورة تمكين الطالب من كفايات عرضية تجعله فاعلًا لا متلقيًا سلبيًا.
6. توصيات
في ضوء ما سبق، يمكن اقتراح جملة من التوصيات لتعزيز المهارات الناعمة لدى طلبة ما بعد البكالوريا بالمغرب:
أ- دمج وحدات تكوينية صريحة في المهارات الناعمة ضمن السنة الأولى من التعليم العالي، أسوة مع ضرورة وضع خطط وبرامج تدريبية لتطوير هذه المهارات ودمجها ضمن المقررات الدراسية.
ب- تعزيز دور مستشاري التوجيه التربوي والمهني في تدريب التلاميذ على مهارات اتخاذ القرار قبل اجتياز مرحلة التوجيه.
ج- تفعيل بيداغوجيا المشاريع والعمل الجماعي والمحاكاة كآليات عملية لتنمية هذه المهارات داخل الأقسام والمدرجات.
د- إشراك الأسرة في التوعية بأهمية استقلالية القرار لدى التلميذ، تفاديًا لإعادة إنتاج الضغط الاجتماعي على اختيار المسار.
ه- تطوير أدوات تقييم موضوعية لقياس تطور هذه المهارات، تجاوزًا لصعوبة قياسها المشار إليها في الأدبيات.
خاتمة:
يتضح من خلال هذا التحليل أن المهارات الناعمة لم تعد عناصر ثانوية في مسار طالب ما بعد البكالوريا بالمغرب، بل أصبحت شرطًا أساسا لنجاح انتقاله من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي أو التكوين المهني، ولتمكينه من مواجهة تحديات التوجيه والتكيف والاندماج في سوق الشغل. وقد أظهر هذا المقال أن الإصلاح التربوي المغربي، عبر الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار 51.17، أرسى إطارًا مرجعيًا لدمج هذه المهارات، لكن الفجوة بين النص المؤسساتي والممارسة الصفية ما تزال قائمة، مما يستدعي مقاربة تشاركية تجمع بين المدرسة والأسرة والمؤسسات الجامعية لتفعيل هذا التوجه على أرض الواقع.
بيبليوغرافيا البحث:
• المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء.
• القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية.
• "المهارات الناعمة لدى طلبة الجامعة"، مجلة ديالى للبحوث الإنسانية، المجلد 2، العدد 106 (2025)، ص 139-160.
• آمال بن الطاهر: المهارات الناعمة (Soft Skills) في أقسام تحضير شهادة التقني العالي (BTS): من ضرورة التكوين إلى متطلبات سوق الشغل. مجال البحث: علوم التربية، وديداكتيك الكفايات. مركز جسور للتنمية والأبحاث، مجلة المعرفة للدراسات والأبحاث، العدد الواحد والأربعون، يوليوز 2026.
• "مدى امتلاك طلبة دبلوم التأهيل التربوي لبعض المهارات الناعمة في العصر الرقمي من وجهة نظرهم"، Journal of Educational and Human Sciences (2024).
• "المهارات الناعمة في عصر التحول الرقمي"، مجلة البحث في العلوم الإنسانية والمعرفية.
• مجلة مدارات التربية والتكوين، العدد الخاص بالمهارات الحياتية 2، المجلد 7، العدد 10 (2023).
• الجزيرة نت، "نصف طلبة المغرب يغادرون الجامعات دون شهادات و19% نسبة البطالة بين الخريجين" (سبتمبر 2025).
• صحيفة العرب، "مستقبل الأبناء بعد البكالوريا يقلق الأسر المغربية" (2020)
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
Amal_Ben_Tahar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟