آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:08
المحور:
الادب والفن
هجير الليالي الباردة… شذرات شعرية…. عبد الرحمن بوطيب
1/ غمزة وجه قديم.
على ناصية الدرب القديم رسم وجهَ أمه القديمة وبقايا وشم على خد وطن…
مساءً؛
والوحدةُ شاردة
لملم حروفَه وعميقَ جراح
قبّل وجهَ أمه الغريب
غمزته عينٌ لا تنام
ابتسم…
حمل في قلبه غُصّةً من وطن تخلف عن حضور حفل تدشين مرسم فارغ من زوار…
ورحل
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ ابتسامة كئيبة.
على هامش الطريق المنسية
تحت ظلال الزيزفونة العارية…
صادفها
تحمل في قلبها وردة حمراء عطشانة…
وخريطة وطن شاردة
إلى القلب منها نظر
شدته إلى وريدها والقلب يخفق
تعطر بأريج وردتها الحمراء الجامد
لَفّتْ قلبَه بخريطة وطن…
وقطرة حليب قديم من ثديها الملتهب
تَحمّم بقطرة حزينة
ارتمي في حضن خريطة ووتين حبيبة صغيرة نائمة في حضن جدة تليدةٍ
بين جذع نخلة وتمرات متساقطة
غمزته حبيبة صغيرة نائمة
ابتسم
على خد جبهته الصامدة
تبسّمت كآبة
ما كانت غداً أمس اليوم بعد عام وقرون شاحبة
احتضن حبيبته بين رموشٍ هامسة وقُبلةٍ على صدر خريطة شاردة…
ورحل
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3/ نخب.
اشرب نخب انحداراتك العطشانة لِدُنِّ نور
منكسر القامة تمشي هوناً على هون وما المزار بعيد عن ديار
كل الصباحات هرمت في قميصك الباهت
ومن ليلك هذيانُ رعاف
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4/ انتظار.
اِنتظرْ من ليلكَ القديمِ فجرا…
لا يتنفس؛
كل دروب عبقر أقفرت…
هي الحروف انتحرت؛
ومن الدواوين الباهتات دنانُ عطش…
هرمت انزياحات وقصيد…
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5/ رحيق.
برحيقِ ثغرٍ جافّ
رسمتُ رقصةَ عرقِ جبينِ أمي
وبعضَ بقايا شارداتٍ من أحلام قديمة
في وطن بلا دفتر أحلام
طويتُ جبينَ أمي بين الضلوع مني
ورحلتُ أعيدُ رسمَ أحلامٍ في لا وطن
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
6/ عرجون البلح المر.
بين سطر ونهد من أرض سماء بلا سماء
ترنحت قصيدة بتراء
سقطت هوناً على صدر وطن ضياع دمعةً
ورعشةَ يوم ميلاد لم يولد بعد
قالت العرافة
اليوم يومك ابتداء
تلك النهايات منك أمسِ دواوينُ ضياع
ومنك عرجون ألف جائع… وجياع
عد
اصمت
اشرب نخب لمة ما التأمت
امضغ تلاوين خيبات
وغرد على هامش لحن السؤال الأول اللا ينتهي منه فيه به له السؤال
نامت الأرض على جلدة سماء باردة
وذاك الشاعر البئيس رحل
وفي حلق قصيدته الأولى حبة بلح مر
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7/ دنان.
في دواوين عبقر أحلام
صبايا للرقص وأرداف
دنان تصب في جب دنان
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
8/ وقوف.
قف
تمهل
انظر خلفكَ أمامكَ مكانكَ في المرايا تُكَحِّلُ العينَ منها بعسل “الدغموسِ”…
عسل “تَلِّ الزّعتر”…
وشرابٍ من خابيات الخيبة مسكوبٍ سراً وعلانية
في دهاليز كهوف ضريرة تتشظى
قطعاً مرايا مهشَّمةً ترسم وجوهاً سوداءَ
بألف لون ولون من سواد…
ولا ألوان
لا أبريل
لا نيسان
لا زيتونة
لا عرعارة
لا… وردة حمراء
لا
ر
ج
ا
ل
لا
ن
س
و
ا
ن
وأنا…
أنا المنسي في قلب نسيان
أنا أنسى أنني أنا
أنسى شغب عبث بِخصلات شَعْرِ صغيرتي حبيبتي “الأميرة النائمة” في حضن جدتي المتصوفة بين “أعمدة” ترسم على الجدران من “مغارة هرقل” جنب “سبو” لوحةَ فارس يطير بالأميرة النائمة على “بساط الريح”… يهديها قلبَه حَبَّةَ قمحٍ تتشظى سنابلَ لؤلؤٍ في “عرس الأطلس” تٌزَيِّنُ نبضَ وتينٍ حارقٍ محروقٍ ساعةَ سَحَرٍ من فجرٍ قادم يخترق جُبَّ غدٍ يرتمي في أحضان وطن “ذاكرة الرهبان”
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
9/ فينوس.
ارحل وانزياحاتٍ منكَ استعارات
فينوسُكَ هانتْ عانتْ والحروف
هُزّي الصدورَ النحورَ يا طبولُ
ذي للترديدِ الرّجْعِ تُجاريكِ في هَزٍّ دفوف
وذاك الشاعر اَلْكان غداً أمسِ الآن يَحْلُمُ بغد لطفل ووليد
ما عادت منه أساطيرُ حكاياتٌ حمراواتٌ قديماتٌ زَأْرَتَهُ تُرَدِّدُ…
تحكي…
تحلم…
ترسم…
تعرق…
تسهر…
وتعيد
ما على صفيحِ جليدِ لهبِ قريتي غُمّتي غيرُ أحلامِ جدّةٍ عتيقةٍ
ترنو لجائع في وطن عبقر
وشهيد
اصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
10/ صمت.
ارحل… والحروف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الرحمن بوطيب.
المغرب
*******
توطئة: لماذا الزمن، ولماذا الشذرة؟
ثمة سؤال منهجي ينبغي أن يُطرح قبل أي مقاربة: لماذا اختار عبد الرحمن بوطيب "الشذرة" تحديدًا - لا القصيدة الممتدة ولا الديوان المتصل - وعاءً لهذا الاشتغال على الزمن؟ الجواب كامن في طبيعة الشذرة نفسها بوصفها شكلًا زمنيًّا قبل أن تكون شكلًا بلاغيًّا.
ولا بد هنا من تمييز أدق بين ثلاثة أشكال كثيرًا ما تختلط: المقطوعة التي تنتمي إلى كلٍّ أكبر غائب وتنتظر اكتماله، والقصيدة القصيرة التي تكتفي بذاتها لكنها تحترم منطق البداية والنهاية، والشذرة بالمعنى الذي أسّس له نوفاليس وشليغل في الرومانسية الألمانية، والذي نظّر له لاحقًا موريس بلانشو وريتشارد سيبيرث - شكل يرفض الاكتمال بوصفه قيمة، ويتعمّد أن يُقرأ كجرحٍ لا كبناء. الشذرة ليست جزءًا ناقصًا من كلٍّ غائب، بل زمنٌ مكتفٍ بذاته، ينفجر ويُطفأ من دون أن يُلزم نفسه بالاستمرار.
حين يقسّم بوطيب نصه إلى عشر شذرات مرقّمة - رقمٌ يستحضر لا شعوريًّا صورة "الوصايا" أو "المقامات" - فإنه يصنع زمنًا حلزونيًّا: كل شذرة تبدأ من جديد، ثم تُختم بلازمة "اصمت" التي تقطع الخيط قبل أن يُشرَع في نسج التالي. اختيار الشكل هنا فعلٌ أنطولوجي قبل أن يكون بلاغيًّا: الزمن الذي يُكتب عنه - زمن الوطن المفقود، زمن الأم، زمن الخمرة - لا يحتمل شكلًا مكتملًا لأنه هو نفسه غير مكتمل. الشكل مرآة الموضوع، لا وعاء له.
1. العنوان بوصفه مفارقة زمنية أولى:
"الهجير" حرارة نهارٍ لاهبة، و"الليالي الباردة" برودة زمنٍ مضاد. حين يلتقي الاثنان في تركيب واحد، لا نكون أمام مفارقة بلاغية عابرة، بل أمام إعلانٍ بأن الزمن هنا لن يكون خطًّا مستقيمًا، بل حرارةً وبرودة متجاورتين في اللحظة ذاتها - ما يسمّيه باشلار "جدلية المدة": تعايش الأزمنة المتنافرة داخل اللحظة الشعرية الواحدة.
ويستحق هذا التقاطب أن نتوقف عنده أطول. يرى باشلار في كتابه عن جدلية الزمن أن الزمن الحقيقي - الزمن المعيش لا الزمن المقيس بالساعة - ليس متصلًا بل سلسلة من "اللحظات" المنفصلة التي يربط بينها الوعي ربطًا وهميًّا. حين يجمع بوطيب "الهجير" و"البرد" في تركيب واحد، فهو لا يصنع أوكسيمورون بلاغيًّا فحسب، بل يُجسّد بالضبط هذا الانقطاع: لحظة الحرارة القصوى تتجاور مع لحظة البرودة القصوى من دون توسّط، كأن الفصول انهارت في نقطة واحدة. ويمكن أن نضيف إلى هذا بُعدًا آخر: العنوان يستحضر أيضًا صورة الحمّى، تلك الحالة التي يشعر فيها الجسد بالبرد وهو محترق فعلًا. الهجير الذي يرتدي "ثوب البرد" ليس مناخًا وصفيًّا، بل عرضًا مرضيًّا لجسدٍ - هو جسد النص، وجسد الوطن، وجسد الذات الكاتبة معًا - يعاني من زمنٍ لا ينتظم في فصول.
2. الزمن كجرح لا كترتيب:
تفتتح شذرة "غمزة وجه قديم" بوجه الأم القديم يُرسم على درب قديم، في مساء تشرد فيه الوحدة - ثلاث طبقات زمنية متراكبة من دون فواصل واضحة، أشبه بـ"المفارقات الزمنية" عند جينيت. والأفعال غالبًا أمرية معلّقة خارج زمن محدد، بينما المشاهد التي تستدعيها ماضويةٌ صرفة. صيغة الأمر تتكاثف حيث تخاطب الذات نفسها مبتعدة عن حدثٍ لا تطيقه، بينما الفعل الماضي التام ينسحب كلما اقترب النص من الأم - كأن حضور الأنثى الأصل وحده يستحق أن يُروى كحدث مكتمل. هذا قريب من "الزمن النسائي" عند كريستيفا: زمن الأم دائري، وزمن الذات في الحاضر مبتور.
ويمكن تعميق هذا التقابل عبر مفهوم "الزمن النحوي بوصفه موقفًا وجوديًّا" الذي طوّره إميل بنفنيست: الفعل الماضي، في اللغة، فعلٌ يملك "شاهدًا" - أي إن المتكلم يُقرّ بأن الحدث وقع فعلًا وانتهى. أما صيغة الأمر فلا شاهد لها؛ إنها فعلٌ معلّق في أفق الاحتمال، لم يقع بعد، وربما لن يقع أبدًا. حين يلجأ بوطيب إلى الأمر كلما ابتعد عن الأم، وإلى الماضي التام كلما اقترب منها، فهو يرسم خارطة نفسية دقيقة: الأم هي اليقين الوحيد في نص لا يقين فيه، والذات - حين تخاطب نفسها بالأمر - إنما تحاول أن تصطنع يقينًا مماثلًا لا تملكه، أن "تأمر" الزمن بأن يتصرف كما لو كان قد وقع، تعويضًا عن غياب الشاهد الحقيقي.
وفي شذرة "نخب" تهرم الصباحات لا المساءات - عطبٌ يصيب منبع الزمن لا نهايته.
3. "اصمت": لازمة تقطع الزمن لا توقفه
تتكرر "اصمت" كعلامة ترقيم زمنية أكثر منها كلمة دلالية، تعمل عمل "القفلة" في الموشح الأندلسي، حيث الصمت كثافة قصوى لا غياب. كل "اصمت" تغلق دورة زمنية صغرى لتفتح أخرى - "زمن دائري" بتعبير ريكور. وهي موجَّهة غالبًا للقصيدة نفسها لا لمخاطَب خارجي: حين يأمر الشاعر نصه بالصمت، يغتصب من الزمن سلطته الحصرية في الإنهاء، فيستعيد زمامًا فقده في كل مكان آخر.
ويمكن أن نضيف إلى هذا بُعدًا لسانيًّا-تداوليًّا: بحسب أوستن وسيرل، "اصمت" فعل كلامي توجيهي يفترض وجود مخاطَب قادر على الامتثال. لكن حين يوجَّه الأمر إلى القصيدة نفسها - أي إلى كيان لا "يسمع" بالمعنى الحرفي - يتحوّل الفعل التوجيهي إلى فعل إنجازي من نوع خاص: القول "اصمت" لا يطلب صمتًا، بل ينتج الصمت بذاته، بمجرد النطق به. الشاعر لا يصف انتهاء الشذرة، بل يستخدم اللغة لتُنهيها فعليًّا - وهو ما يمنح الكلمة سلطة تكاد تكون سحرية، أقرب إلى "كن فيكون" مقلوبة: "اصمت فيصمت".
4. الجسد الأنثوي بوصفه أرشيف الزمن:
الأم والحبيبة والجدة وفينوس لسن موضوعًا غزليًّا بل أرشيفًا يحفظ الزمن من التلف. في "ابتسامة كئيبة" يتماهى ثدي الحبيبة بخريطة الوطن حتى يصيرا كيانًا زمنيًّا واحدًا: الرضاعة، أول زمن يعيشه الإنسان، استعارة لعلاقة أولى بالوطن يُراد استعادتها فلا تُستعاد. هذا يعيد إنتاج نمط الوقوف على الأطلال الجاهلي، لكن مقلوبًا: الأطلال هنا أوطان لم تُحضَر أصلًا، والمرأة ليست راحلة بل الحاضرة الوحيدة.
حين يستعير الشعر العربي الحديث - من درويش إلى القاسم إلى بوطيب هنا - جسد المرأة ليصف الوطن، فإنه لا يفعل ذلك بوصفه استعارة مجانية، بل لأن الجسد الأنثوي هو المكان الوحيد الذي يحتفظ فيه الإنسان بذاكرة ما قبل اللغة: الرضاعة، الحضن، الدفء الأول. حنين الشاعر إلى الوطن هو - بنيويًّا - الحنين نفسه إلى تلك اللحظة التي كان فيها الزمن كلّه حاضرًا، غير مُجزَّأ، قبل أن يدخل النص والذات معًا في نظام اللغة والانقسام والغياب.
وإذا كانت الأم "زمنًا دائريًّا حاضنًا" كما سيتضح لاحقًا، فإن الحبيبة في "ابتسامة كئيبة" تمثل مرحلة وسيطة: جسدٌ يُراد له أن يكون أمًّا بديلة، أرشيفًا آمنًا، لكنه يحمل في الوقت نفسه إمكان الخيانة أو الرحيل، بخلاف الأم التي لا ترحل أبدًا في المخيال الشعري. هذا ينتج توترًا إضافيًّا: الجسد الأنثوي أرشيفٌ مهدَّد، لا أرشيفٌ مطمئن كليًّا.
5. الخمرة والدنان: زمن الانغماس مقابل زمن الوعي
في شذرة "دنان"، الخمر يُصبّ في خمرٍ بلا استقرار - صورة تحاكي بنيويًّا فكرة العَود الأبدي عند نيتشه، وتعكس بنية النص كله: شذرة تُصبّ في شذرة من دون ختام حاسم يوقف الدوران.
ويمكن أن نضيف إلى هذا قراءة مكمّلة من منظور باختين: الخمرة، في التراث الأدبي، فضاء كرنفالي - زمنٌ استثنائي يُعلَّق فيه النظام العادي، نظام الوطن ونظام الأخلاق ونظام الزمن الخطي، لصالح فوضى مؤقتة ومحرِّرة. لكن اللافت في شذرة بوطيب أن الكرنفال هنا لا يُفضي إلى تحرر، بل إلى دوران عقيم: "خمرٌ يُصبّ في خمر" لا يُنتج نشوة متصاعدة بل تكرارًا مغلقًا، أشبه بعقاب سيزيفي. الانغماس هنا ليس هروبًا ناجحًا من الوعي، بل تأكيدًا إضافيًّا على استحالة الهروب - الذات تحاول أن تُغرق زمن الوعي المؤلم في زمن الانغماس، فلا تجد إلا انعكاسًا للبنية الدائرية العقيمة نقسها.
6. الوطن بوصفه زمنًا مفقودًا لا مكانًا فقط:
الوطن هنا خريطةٌ شاردة ودفتر أحلام غائب، وهو من "يتخلف عن الحضور" لا الشاعر - انقلابٌ في العلاقة المعتادة يذكّر بتنظير إدوارد سعيد للمنفى: الحنين ليس إلى مكانٍ تُرك، بل إلى زمنٍ وُعِد به ولم يتحقق.
ويمكن أن نضيف إلى هذا بُعدًا دريدايًّا: الوطن في شذرات بوطيب أقرب إلى ما يسمّيه دريدا "الأثر" - حضورٌ يتشكّل فقط من خلال غيابه، لا يمكن الإمساك به إلا كفراغ يشير إلى شيء لم يعد موجودًا، أو لم يوجد أصلًا بالشكل الذي يُتخيَّل. حين يقول النص إن الوطن "يتخلّف عن الحضور"، فهو يصف بدقة بنية الأثر هذه: لا يوجد أصلٌ نقيّ نعود إليه، بل سلسلة من الإحالات المؤجَّلة أبدًا - الوطن الذي نكتب عنه اليوم يحيل إلى وطنٍ متخيَّل بالأمس، والذي بدوره يحيل إلى وطن آخر أبعد، من دون أن نصل أبدًا إلى نقطة استقرار.
7. الجدة والطفلة: الزمن الدائري في مواجهة التشظي
في شذرة "وقوف" تتفكك الكلمات حرفًا حرفًا في محاكاة بصرية لانهيار البنية. لكن هذا ليس مجرد محاكاة بصرية، بل تعطيل متعمّد للإيقاع العروضي التقليدي، الذي هو أصلًا نظام زمني قائم على التكرار المنتظم؛ التفعيلة تعود بانتظام كعقارب الساعة. حين يكسر بوطيب الكلمة نفسها، فهو يهاجم الوحدة الزمنية الصغرى للإيقاع العربي، أي المقطع الصوتي، فيجعل التصدّع الزمني في نصه ظاهرة صوتية-بصرية قبل أن تكون دلالية: القارئ يشعر بتقطّع الزمن في فمه وعينه قبل أن يفهمه بعقله.
ومقابل هذا الانهيار، تبرز صورة الجدة والطفلة النائمة جزيرة زمنية مضادة: زمنٌ أسطوري يتكئ على الحكاية الشفوية لا التقويم.
تركيب شامل: ثلاثة أزمنة متصارعة
يمكن الآن أن نُجمِل بنية الزمن في هذه الشذرات في ثلاثة مستويات متصارعة: زمنٌ خطي متشظٍّ يمثله الوطن والصباحات الهرمة، وزمنٌ دائري حاضن تمثله الأم والجدة، وزمنٌ ثالث توسّطي هو زمن الكتابة نفسها - "اصمت" - يقف حارسًا على الحدود بين الأول والثاني، يمنح الذات سلطة وهمية على الانقطاع والاستئناف. هذه الأزمنة الثلاثة لا تتعايش في سلام؛ كل شذرة إعادة تفاوض بينها، تُحسم لصالح أحدها مؤقتًا قبل أن تُفتح المعركة من جديد في الشذرة التالية.
خاتمة: قصيدة كساعة معطوبة عن قصد
شذرات بوطيب ساعة مصمَّمة كي تُخطئ، لأن الزمن الذي تصفه لا يُقاس بعقارب منتظمة. الهجير الذي بدأنا به يعود باردًا في الختام: الزمن هنا ليس ما يمضي، بل ما يعود دائمًا متنكّرًا في ثوبٍ آخر.
وإذا أردنا صياغة أدق لهذه الخاتمة، فإن هذه الشذرات ليست نصًّا يصف الزمن المتصدّع من الخارج، بل هي أثرٌ لذلك التصدّع - بمعنى أنها لا تمثّل الزمن المكسور بل هي نفسها قطعة من ذلك الزمن، وقعت على الورق كما تقع شظية على الأرض بعد انفجار. القارئ لا يقرأ عن الوطن المفقود، بل يعيش - في بنية النص نفسها، في انقطاعاته وتكراراته ولازمة "اصمت" التي تعود ولا تنتهي – هي التجربة نفسها التي عاشها الشاعر: وطنٌ لا يُستعاد بالحنين، بل يُكتَب ويُصمَت عنه، مرارًا، إلى ما لا نهاية من الشذرات الآتية.
#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)
Amal_Ben_Tahar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟