أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - الاستعارة التصورية: من -كونية الجسد- إلى نقدٍ عربي مضاد














المزيد.....

الاستعارة التصورية: من -كونية الجسد- إلى نقدٍ عربي مضاد


آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية

(Amal Ben Tahar)


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:11
المحور: الادب والفن
    


. من الزخرفة إلى الإدراك
منذ أن قدّم جورج لايكوف ومارك جونسون كتابهما الاستعارات التي نحيا بها سنة 1980، انتقلت الاستعارة من كونها زينة بلاغية هامشية إلى كونها آلية إدراكية مركزية تُنظّم بها العقول البشرية فهمَها للعالم، عبر إسقاط بنية مجال تصوري ملموس (المصدر) على مجال آخر مجرّد (الهدف). تُرجم هذا الكتاب إلى العربية على يد اللساني المغربي عبد المجيد جحفة سنة 1996، وصدرت طبعته الثانية عن دار توبقال سنة 2009، وهو من مؤلفاته ومترجماته اللسانية المعروفة في المغرب. هذه الترجمة كانت بوابة المقاربات العربية الأساس إلى ما يُعرف اليوم بـ"اللسانيات المعرفية".
لكن أغلب الدراسات العربية التي تلت هذه الترجمة اكتفت بموقع "التطبيق": أُخذت النظرية جاهزة من لايكوف وجونسون، ثم بُحث عن "شواهد" عربية تُصادِق عليها. وهذا ما نريد أن نقترحه كمقاربة مغايرة له.
2. المقاربة الجديدة: عكس اتجاه الاستدلال
الفرضية التي نطرحها هنا هي الآتي: بدل أن تُستدعى البلاغة العربية القديمة، وخصوصًا نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز، لتُزيَّن بها الأمثلة على نظرية غربية جاهزة، يمكن قلب الاتجاه: جعل نظرية الجرجاني نفسها أداة نقدية تُساءِل الادعاء المركزي لنظرية لايكوف وجونسون، وهو ادعاء "الكونية الجسدية" (bodily universalism) القائل بأن كل الاستعارات التصورية تنبثق في النهاية من تجربة الجسد الإنساني المشتركة (أعلى/أسفل، داخل/خارج، حركة...).
الجرجاني لم يفصل الاستعارة عن التركيب والسياق كما تفعل كثير من قراءات لايكوف السطحية؛ فمعنى الاستعارة عنده لا يقوم في الكلمة المفردة بل في "النظم"، أي في العلاقات النحوية والدلالية التي تربط الألفاظ ضمن سياق ثقافي-تداولي كامل. هذا يعني أن الجرجاني كان يمتلك، قبل ثمانية قرون من لايكوف، حدسًا بأن الاستعارة بناء ذهني-سياقي لا زخرفة معزولة، لكنه في الوقت نفسه لم يفترض أن هذا البناء جسدي كوني، بل ربطه بـ"غرض" المتكلم وبيئته الثقافية. الباحث عبد الإله سليم استثمر هذا الخط في دراسته "بنيات المشابهة في اللغة العربية: مقاربة معرفية"، الصادرة عن دار توبقال بالدار البيضاء سنة 2001 ، حين حاول مقاربة أنساق التشبيه العربي من زاوية معرفية من دون التخلي عن خصوصيتها الثقافية.
هذا يفتح الباب أمام سؤال نقدي جديد: هل الاستعارات التصورية "كونية" فعلًا كما يزعم لايكوف، أم أن ما يبدو كونيًا هو في الحقيقة أثرٌ لهيمنة لغوية-ثقافية غربية (اللغة الإنجليزية والتجربة الحضرية الأمريكية) أُسقط على بقية اللغات باعتباره "الإدراك الإنساني" بإطلاق؟
3. اختبار الفرضية: حقول استعارية عربية أصيلة
لاختبار هذا النقد، لا يكفي أن نستلهم من العربية أمثلة "أعلى/أسفل" أو "الغضب حرارة" التي تشترك فيها العربية مع الإنجليزية (فهذا يؤكد فرضية الكونية ولا يختبرها). المقاربة الجديدة تقتضي البحث عن حقول تصورية لا مصدر لها في الجسد الكوني، بل في التجربة الثقافية-البيئية العربية الخاصة، ثم فحص ما إذا كانت تخضع مع ذلك لآليات الإسقاط نفسها التي وصفها لايكوف. من أبرز هذه الحقول:
أ) حقل الصحراء والإبل بوصفه مصدرًا استعاريًا لا معادل غربيا مباشرا له:
"فلان ناقة الحيّ" (يُحمَّل أعباء الجميع)، "أطلق العنان" (من إطلاق زمام الناقة، تُستعمل اليوم للحرية والانفعال من دون وعي بأصلها الجسدي-الحيواني لا الجسدي-الإنساني).
"شدّ الرحال"، "حطّ رحاله" لمفهوم الاستقرار/البدء، حيث المصدر ليس الجسد بل أداة الترحال في بيئة صحراوية.
ب) حقل الخيمة والقبيلة لتصور "الوطن" و"الانتماء":
"بيت القصيد"، "عمود الخيمة"، "سقف الوطن واحد" — هذه استعارات تصورية للجماعة السياسية مصدرها بنية الخيمة لا "الحاوية" المجردة التي يتحدث عنها لايكوف وجونسون في نموذج CONTAINER الكوني.
ج) حقل قرآني يقاوم الاختزال الجسدي:
استعارة النور في قوله تعالى "اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... نُورٌ عَلَى نُورٍ" تُسقط مجالًا حسيًا (النور) على مجال إلهي متعالٍ لا جسدي بالمعنى الذي يقصده لايكوف؛ وقوله "خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ" يُسقط فعل "الختم" (إغلاق الوعاء) على "الفهم"، في اتساق جزئي مع نموذج الحاوية، لكن ضمن غائية عقدية لا إدراكية بحتة. دراسة عفاف موقو حول التعبير بالاستعارة التصورية عن التقابلات الوجدانية في القرآن الكريم تناولت هذا الحقل بمنهج معرفي مباشر.
د) الخطاب السياسي العربي المعاصر (حقل مهمَل نسبيًا في الدراسات العربية):
"نزيف الاقتصاد"، "جسد الأمة الممزق"، "الحراك الشعبي"، "الربيع العربي" (استعارة موسمية-زراعية لا جسدية) — هذه تستحق دراسة مقارنة مع الاستعارات المعادِلة في الإعلام الغربي ("bleeding economy", "Arab Spring") لمعرفة أين يتطابق الإسقاط التصوري وأين ينحرف بفعل الخصوصية الثقافية.
4. الخلاصة النقدية
الأمثلة أعلاه تكشف نمطًا مزدوجًا: بعض الاستعارات العربية تؤكد فعلًا شيئًا من الكونية الجسدية التي افترضها لايكوف وجونسون (كحقل الحاوية والحرارة)، بينما تكشف أمثلة أخرى — الإبل، الخيمة، النور القرآني — عن مستوى استعاري مصدره التجربة الثقافية-التاريخية لا الجسد البيولوجي المجرد. هذا يقترح أن نظرية الاستعارة التصورية بحاجة إلى تعديل بنيوي: ليست كل الاستعارات "جسدية كونية بامتياز"؛ بل ثمة طبقة وسيطة من "الاستعارات الثقافية-التداولية" التي تُبنى فوق الجسد لكنها تتشكل بمرشِّح البيئة واللغة والدين والتاريخ — وهذا بالضبط ما كان الجرجاني يلمّح إليه حين ربط دلالة الاستعارة بـ"النظم" و"الغرض" لا بالكلمة المعزولة.
بهذا المعنى، لا تكون البلاغة العربية القديمة "تطبيقًا" لاحقًا لنظرية غربية حديثة، بل شريكًا نظريًا يمكن أن يُصحِّح فرضًا كونيًا متسرعًا، ويفتح بابًا لدراسة مقارنة أوسع بين تراثين نظريين للاستعارة كُتب لهما ألا يلتقيا إلا متأخرًا.



#آمال_بن_الطاهر (هاشتاغ)       Amal_Ben_Tahar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مشروع عبد الرحمن بوطيب: نحو شعرية للنثر أم نثرٌ يتوسّل ال ...
- الترجمة: خيانةٌ جميلة، أم إنقاذُ ما يوشك أن يضيع؟
- المهارات الناعمة (Soft Skills) في زمن العمل عن بعد: ...
- اللغة العربية والتواصل المهني: حين تصبح الهوية استثمارًا لا ...
- المهارات الناعمة(Soft Skills) في حياة طالب ما بعد البكالوريا ...
- ملعقتان، وقمرٌ يبكي: في شعرية -تلك الملعقة... طفل... ليلة بك ...
- الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: تجربة لطيفة توجاني أنموذجًا
- سرديّة التحوّل: قراءة نقدية في مراحل المدارس التشكيلية ومنطق ...
- البلاغة عند السوفسطائيين: تأسيس فلسفة الخطاب وإشكالية الحقيق ...
- أطفال ما بعد الوباء: حين يصمت الجيلُ قبل أن يتكلّم... مقاربة ...
- شهريار بعد الليلة الألف: في أثر الحكاية على الجلاّد، مقاربة ...
- 3 سيمياء العدد سبعة: من اللغة إلى المخيال الثقافي والكوني.
- 1- سيمياء العدد سبعة: من البنية الكونية إلى النص القرآني
- 2 سيمياء العدد سبعة: تجلياته في الطقوس والجسد والزمن.
- التربية الدامجة كمشروع نهضوي في المدرسة المغربية إشكالات الت ...
- -القصة حين تتوارى الحكاية: إشكالية المفهوم ورهان السرد في ضو ...
- الزجل المغربي: جذور الهوية وأسئلة الحداثة قراءة في مسار فن ع ...
- -طفل...والمدينة العاهرة-: قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا ا ...
- التراث اللامادي عند عبد الفتاح كيليطو — دراسة نقدية موسّعة
- حين يصبح الصمتُ مِدادًا... قراءة نقدية في ديوان «خرائط لا تُ ...


المزيد.....




- زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو ...
- مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره ...
- ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر ...
- عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر ...
- وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث ...
- قصة قصيرة: بصراتو.. خَارِجَ البُرْوَازِ
- -الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي ...
- إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن ...
- بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
- -الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آمال بن الطاهر - الاستعارة التصورية: من -كونية الجسد- إلى نقدٍ عربي مضاد