أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية















المزيد.....

الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 18:27
المحور: قضايا ثقافية
    


تسبق المجتمعات علماءها في كثير من الأحيان، فقبل أن يجلس الباحثون والخبراء على مكاتبهم لصياغة المفاهيم ومراجعة الأدبيات ويختلفون حول التعريفات يكون الناس قد رصدوا الظاهرة وراقبوا تحولاتها وابتكروا لها اسمًا يتداولونه في حياتهم اليومية دون أن يدركوا أنهم ربما يضعون أيديهم على قضية تستحق أن تصبح موضوعًا للبحث العلمي. يحدث ذلك لأن المجتمع يعيش التحولات قبل أن يدرسها الباحثون ويروا آثارها في الشارع والبيت ومكان العمل ووسائل المواصلات وفي تفاصيل الحياة اليومية، بينما يحتاج الباحث إلى وقت أطول حتى يميز بين الانطباع العابر وبين الظاهرة الاجتماعية المستقرة.

تبدو كلمة “الفلحوسرسج” واحدة من هذه الكلمات. لا يشغلني في هذا المقال أصلها ولا أول من استخدمها ولا حتى تركيبها اللغوي، لأن هذه كلها أسئلة يمكن أن ينتظر البحث فيها. الذي يشغلني هو السؤال الأهم: لماذا شعر المجتمع بالحاجة إلى ابتكار هذا المصطلح أصلًا؟ وما الذي رآه الناس حولهم ولم يجدوا في قاموسهم التقليدي كلمة تصفه فاضطروا إلى نحت كلمة جديدة تحمل هذا القدر من الكثافة والدلالة؟

لا أتعامل مع هذه الكلمة بوصفها سخرية من فئة اجتماعية ولا باعتبارها حكمًا أخلاقيًا على أشخاص بعينهم. لا أقصد بها الفلاح المصري الذي كان عبر قرون طويلة يمثل نموذجًا للعمل والانضباط والتكافل واحترام الكلمة كما لا أقصد بها سكان الأحياء الشعبية الذين أنتجوا ثقافة مدينية ثرية وأسهموا في تشكيل الشخصية المصرية الحديثة، ولا أقصد بها المتدينين لأن التدين في جوهره علاقة أخلاقية وروحية لا تختزل في المظهر، وإنما أحاول أن أقرأ الكلمة باعتبارها محاولة شعبية لتسمية نمط اجتماعي وثقافي جديد لا يبدو أنه ينتمي بالكامل إلى الريف ولا إلى المدينة ولا يمكن تفسيره بالفقر وحده أو بالثراء وحده أو بالتعليم وحده أو بالتدين وحده.

تكمن المشكلة في أننا كثيرًا ما نبحث عن سبب واحد لكل ظاهرة اجتماعية فنلقي بالمسؤولية مرة على التعليم ومرة على الإعلام ومرة على الاقتصاد ومرة على أنماط التدين، بينما لا تتحرك المجتمعات بهذه البساطة. الواقع الاجتماعي أكثر تركيبًا من أن يفسره عامل واحد، لأن التحولات الكبرى تنشأ عادة من تفاعل طويل بين عوامل عديدة يظل أثرها يتراكم عامًا بعد عام حتى يصبح المجتمع أمام واقع جديد دون أن يشعر على وجه الدقة باللحظة التي بدأ فيها هذا التحول.

شهدت مصر منذ سبعينيات القرن الماضي تغيرات عميقة ومتزامنة يصعب أن نجد لها نظيرًا في تاريخها الحديث، فقد تضاعف عدد السكان واتسعت الهجرة الداخلية وسافر ملايين المصريين إلى دول الخليج ثم عادوا وتحولت أنماط الاستهلاك وأعيد تشكيل الخريطة الطبقية واتسعت الهوامش الحضرية وظهرت أحياء كاملة لم تكن ريفًا بالمعنى التقليدي ولم تصبح مدينة بالمعنى التاريخي للكلمة. لم تكن أي من هذه التحولات سلبية في ذاتها، بل إن كثيرًا منها حمل آثارًا إيجابية لا يمكن إنكارها، لكن اجتماعها في فترة زمنية متقاربة خلق واقعًا اجتماعيًا مختلفًا يحتاج إلى قراءة تتجاوز التفسيرات التقليدية.

ربما كانت أكبر مفارقات هذه المرحلة أن العمران سبق المدينة، فقد توسعت القاهرة والإسكندرية والمدن الكبرى بوتيرة لم تعرفها من قبل وامتدت الكتل الخرسانية إلى مسافات بعيدة وامتلأت أطراف المدن بملايين السكان، لكن المدينة ليست عمارات وشوارع وكباري فقط، فالمدينة قبل كل شيء ثقافة وسلوك ونظام قيم واحترام للمجال العام وإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين وقدرة على التعايش مع المختلف. يستطيع المجتمع أن يبني مدينة من الحجر في سنوات قليلة، لكنه يحتاج إلى عقود طويلة حتى يبني مدينة في العقول.

أصبح الانتقال إلى المدينة أسهل كثيرًا من الانتقال إلى ثقافة المدينة، وهنا أتصور أن مفهوم “التمدن غير المكتمل” يفتح بابًا مهمًا للفهم، فقد انتقل ملايين المصريين إلى المجال الحضري بينما ظلت عملية اكتساب الثقافة المدنية أبطأ بكثير من حركة العمران، ونشأت مساحات واسعة على الهامش الحضري أعادت فيها الجماعات البشرية إنتاج أنماطها الاجتماعية في بيئة جديدة لم تكن ريفًا ولم تكتمل فيها بعد خصائص المدينة. لا يحمل هذا الوصف أي إدانة لتلك الجماعات، بل هو محاولة لفهم الكيفية التي يتشكل بها السلوك الاجتماعي عندما يسبق التغير المكاني التغير الثقافي.

جاءت الهجرة إلى دول الخليج لتضيف بعدًا آخر إلى هذه الصورة، فلم يعد المهاجرون يحملون معهم الأموال وحدها، وإنما عادوا أيضًا بأفكار جديدة عن النجاح والعمل والاستهلاك والمكانة الاجتماعية وأشكال التدين والحضور في المجال العام. لا أقول ذلك انتقاصًا من تجربة الهجرة التي أسهمت في تحسين حياة ملايين الأسر المصرية، وإنما لأن الهجرة في جوهرها عملية انتقال للأفكار والقيم بالقدر نفسه الذي هي انتقال للأفراد ورؤوس الأموال، وهي قضية ناقشتها من قبل في كتابي “الهجرة والثقافة والهوية” وأعتقد أنها تستحق أن تُقرأ مرة أخرى في ضوء التحولات التي شهدها المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة.

أتصور أن كلمة “الفلحوسرسج” ليست سوى محاولة عفوية من المجتمع لتلخيص هذه التحولات كلها في وصف واحد. لا تصف شخصًا بقدر ما تصف حالة يصبح فيها المظهر أحيانًا أهم من الجوهر ويغدو الاستعراض وسيلة لإثبات المكانة ويحل الرمز محل القيمة الحقيقية ويختلط التمدن العمراني بالتمدن الثقافي حتى يصعب التمييز بينهما. قد يكون هذا الوصف صائبًا وقد يكون قاصرًا، لكنه في الحالتين يكشف عن إحساس جمعي بأن شيئًا ما قد تغير في المجتمع وأن اللغة القديمة لم تعد تكفي لوصفه.

لا أدعي في هذا المقال أن “الفلحوسرسج” أصبح مفهومًا معتمدًا في العلوم الاجتماعية، ولا أزعم أنني أقدم تفسيرًا نهائيًا لهذه الظاهرة، وإنما أطرح فرضية تستحق النقاش. تبدو اللغة الشعبية أحيانًا أكثر جرأة من الباحثين لأنها لا تنتظر اكتمال الأدلة حتى تمنح الأشياء أسماءها، بينما تظل العلوم الاجتماعية مطالبة بأن تختبر هذا الحدس وأن تضعه في إطاره النظري وأن تقبل بتعديله أو رفضه إذا أثبت البحث ذلك. لهذا السبب أعمل حاليًا على إعداد دراسة علمية أكثر تفصيلًا تحاول أن تؤصل هذه الفكرة في ضوء أدبيات التمدن غير المكتمل والتحولات الاجتماعية والثقافية والهجرة والتحويلات الاجتماعية، لأنني أعتقد أن السؤال الذي تطرحه هذه الكلمة قد يكون أهم بكثير من الكلمة نفسها، وهو سؤال يستحق أن تنتقل الإجابة عنه من لغة الشارع إلى لغة العلوم الاجتماعية.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر


المزيد.....




- مصر.. جدل حول تأثير -نظام الطيبات- على تراجع أسعار الدواجن
- الشرع يكشف: نعمل على اتفاق أمني مع إسرائيل.. ودمشق لن تتدخل ...
- البرازيل ترفض منح تأشيرتين لمسؤولين أميركيين كانا يعتزمان عق ...
- سيارات تتحول إلى أسلحة.. هجمات دهس دامية في ألمانيا
- الجيش الإسرائيلي يعلن تصفية قائد خلية المسيرات التابعة لحماس ...
- هولندا.. أمستردام تعزز إجراءات الأمن حول احتفالات -وورلد برا ...
- -وول ستريت جورنال-: أمريكا وإيران عالقتان في دوامة من التصعي ...
- بوتين: روسيا لم تبدأ الصراع في أوكرانيا بل ردت على حرب شنها ...
- بوتين يصف غرب أوكرانيا بأنه كان هدية لكييف من ستالين
- -سيصبح هدفا لنا-.. زيلينسكي يثير حفيظة وسخط إيران


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية