أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - حين يتكلم الفقر بلغة لا يفهمها الحب















المزيد.....

حين يتكلم الفقر بلغة لا يفهمها الحب


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


ليست أكثر المآسي الزوجية وجعاً تلك التي يولدها انعدام الحب، بل تلك التي يولدها اختلاف اللغة التي يُعبِّر بها كل طرف عن الحب. فكثير من الأزواج لا ينفصلون لأن قلوبهم فرغت من المودة، وإنما لأنهم فقدوا القدرة على ترجمة ما يشعرون به إلى لغة يفهمها الطرف الآخر. الرجل، في كثير من المجتمعات، ينشأ وهو يحمل في داخله تصوراً بأن قيمته تتجسد في قدرته على الحماية والإنفاق وتحمل المسؤولية، فيرى في عمله وعرقه وتعبه الكلمات التي يقول بها "أنا أحبكم" والمرأة، في المقابل، قد تقرأ الحب من خلال الحضور والاحتواء والاهتمام والاستقرار العاطفي، فترى أن الكلمة الحانية، والإصغاء، والطمأنينة، هي البرهان الحقيقي على العلاقة. وما دام كل طرف يتحدث بلغته الخاصة، فإن الحياة تمضي في هدوء نسبي. لكن عندما يقتحم الفقر البيت، لا يسرق المال فقط، بل يسرق القاموس الذي كان كل منهما يترجم به مشاعره. فيصبح الرجل عاجزاً عن التعبير باللغة التي تربى عليها، وتصبح المرأة عاجزة عن قراءة ما تبقى من لغته، فينشأ بينهما صمت لا يشبه الصمت، بل يشبه انهيار جسر كان يصل روحين، حتى يظن كل واحد منهما أن الآخر لم يعد يحبه، بينما الحقيقة أن كليهما ما زال يحب، لكنه لم يعد يعرف كيف يقول ذلك.

الفقر ليس نقصاً في الدخل فحسب، بل قوة اجتماعية تعيد تشكيل النفس الإنسانية. إنه لا يدخل البيوت كضيف، بل كمهندس يعيد ترتيب العلاقات والأدوار والصور التي يحملها الإنسان عن نفسه. الرجل الذي كان يرى نفسه سنداً، قد يبدأ بالنظر إلى المرآة وهو يشعر بأنه فقد مكانته، لا لأن زوجته قالت ذلك، بل لأن المجتمع همس في أذنه منذ طفولته أن الرجولة تُقاس بما يستطيع أن يوفره. وحين يعجز، يشعر بأن كل لحظة صمت في البيت هي محاكمة، وكل نظرة من أطفاله سؤال، وكل احتياج لا يستطيع تلبيته إعلان هزيمة. وقد تفسر المرأة هذا الانسحاب على أنه برود أو لا مبالاة، بينما هو في الحقيقة انسحاب رجل يخجل من ألمه أكثر مما يخجل من فقره. وهنا تبدأ المأساة، إذ يصبح الطرفان ضحيتين لفكرة اجتماعية أكبر منهما، فكرة تجعل قيمة الإنسان مرهونة بما يملك لا بما هو عليه.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال المرأة في صورة من لا يفهم احتياجات الرجل. فالمرأة أيضاً تحمل تاريخاً طويلًا من البحث عن الأمان، لأن الأمومة نفسها تجعلها تنظر إلى المستقبل بعين مختلفة. إنها لا تخاف على نفسها وحدها، بل على أطفالها، وعلى البيت الذي تخشى أن يتداعى فوق رؤوسهم. ولذلك قد تبدو أكثر قلقاً وأكثر إلحاحاً في طلب الاستقرار، ليس لأنها مادية بالضرورة، وإنما لأنها ترى أن اهتزاز الأساس الاقتصادي يهدد الكيان كله. غير أن المأساة تبدأ عندما يتحول هذا القلق إلى لغة اتهام، فيسمع الرجل فيها حكماً على كرامته، بينما ترى المرأة في صمته تجاهلًا لخوفها. وهكذا يتحدث كلاهما عن الألم، لكن أحدهما يسميه كرامة، والآخر يسميه أماناً، فيظنان أنهما يختلفان، بينما هما في الحقيقة يصفان الجرح نفسه بكلمتين مختلفتين.

ومن أعقد الظواهر الاجتماعية أن كثيراً من الأمهات لا يربين أبناءهن فقط، بل يضعن داخلهم نسخاً من أحلامهن المؤجلة، أو يعالجن من خلالهم جراح طفولتهن. فالأم لا تنقل الطعام والحنان فحسب، بل تنقل أيضاً ذاكرتها، ومخاوفها، وطموحاتها، وصورتها عن العالم. وقد تجد نفسها ترى في ابنها الرجل الذي تمنته، أو في ابنتها المرأة التي حلمت أن تكونها. وهذا أمر إنساني لا يعني أن كل أم تفعله بالدرجة نفسها، لكنه يحدث بدرجات متفاوتة. ولذلك فإن انهيار العلاقة الزوجية لا يهدد الزواج وحده، بل يهدد المشروع النفسي الذي بنته الأم داخل أبنائها. إنها لا تخسر شريكاً فقط، بل تشعر أحياناً بأن جزءاً من المستقبل الذي كانت تنسجه قد تمزق.

ولهذا قد تبدو بعض القرارات صادمة، كأن تتنازل امرأة عن حضانة أولادها أو تبتعد عنهم. وليس من الصواب تفسير ذلك دائماً على أنه غياب للأمومة أو ضعف في المحبة. فلكل قصة ظروفها، وقد يكون القرار نابعا من إنهاك نفسي شديد، أو من شعورها بأنها لم تعد قادرة على توفير بيئة مستقرة، أو من اعتقادها بأن بقاء الأطفال مع والدهم أصلح لهم. وفي حالات أخرى قد يكون القرار مؤلماً ومفروضاً بفعل ضغوط اجتماعية أو اقتصادية أو قانونية. إن اختزال هذه اللحظة في حكم أخلاقي سريع يحجب عنا تعقيد النفس البشرية، ويمنعنا من رؤية الألم المختبئ خلف القرار.

إن المشكلة الكبرى ليست أن الرجل والمرأة مختلفان، بل أن المجتمع كثيراً ما يعلمهما أدواراً جامدة، ثم يتركهما وحدهما عندما تتغير الظروف. فإذا كان الرجل لا يستطيع التعبير عن ضعفه خوفاً من أن يُتهم بالعجز، وكانت المرأة لا تستطيع التعبير عن خوفها إلا في صورة احتجاج أو مطالبة، فإن العلاقة تتحول إلى ساحة يدافع فيها كل طرف عن صورته، بدل أن يكشف ضعفه للآخر. وهنا يصبح الحوار مستحيلًا، لأن كل جملة تُسمع باعتبارها اتهاماً، لا استغاثة.

ولعل أخطر ما يفعله الفقر أنه يحول الإنسان من شخص ينظر إلى شريكه، إلى شخص ينظر إلى نفسه بعين الخسارة. فينشغل الرجل بما فقده من قدرة، وتنشغل المرأة بما فقدته من طمأنينة، ويضيع بينهما المعنى الذي جمعهما في البداية. وعندما يكبر الأبناء في هذا المناخ، فإنهم لا يرثون الفقر المالي فقط، بل يرثون أيضاً طريقة في فهم العلاقات، فيتعلمون أن الحب مهزوم أمام الضغوط، وأن الكرامة تتصارع مع الحاجة، وأن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، لكنه أكثر تدميراً.

ومع ذلك، فإن تجاوز هذه المأساة لا يبدأ بزيادة الدخل وحدها، بل بإعادة تعريف القيمة الإنسانية داخل الأسرة. فالرجل ليس قيمته فيما ينفق فقط، والمرأة ليست قيمتها فيما تضحي فقط، والبيت لا يقوم على دور واحد، بل على قدرة كل طرف على رؤية الإنسان الكامن خلف الدور. عندما يدرك الرجل أن الاعتراف بضعفه ليس سقوطاً، وتدرك المرأة أن الخوف يمكن أن يُقال بلغة المشاركة لا بلغة الاتهام، يصبح الفقر أزمة يمكن مقاومتها، لا حكماً بالإعدام على العلاقة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل علماء الاجتماع والمربين والأزواج معاً وهو كم من البيوت لم يهدمها الفقر ذاته، بل هدمها سوء ترجمة الألم؟ وكم من رجل ماتت كرامته لأنه ظن أن قيمته انتهت بانتهاء قدرته على الإنفاق، وكم من امرأة انكسرت لأنها لم تجد من يفهم أن خوفها لم يكن اعتراضاً على الرجل، بل استغاثة من المستقبل؟ لعل أعظم ما تحتاجه الأسرة ليس ثروة أكبر، بل لغة أعمق، لغة ترى الإنسان قبل الدور، والقلب قبل الجيب، والرحمة قبل الأحكام، لأن البيوت لا تنهار حين يقل المال فقط، بل حين يصبح كل طرف غريباً عن اللغة التي يتألم بها الآخر.
طرابلس- لبنان - الأحد في 26 تموز 2026 الساعة الواحدة والنصف ظهراً



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا سيبقى منك لو نُزعت عنك ألقابك
- دراما الحياة اليومية بين التحديات الداخلية والخارجية
- يا حفيدي، كيف استطاعت كلمة عابرة أن تصنع جرحاً لا يشبه حجمها ...
- إلى ابني في عيده الثامن والثلاثين
- هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقد ...
- متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ...
- رحلة درامية رمزية مع المداح الجزء الأخير
- لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟
- مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العا ...
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟


المزيد.....




- حب وصداقة وشغف بالثقافة .. لماذا يتعلّم الألمان اللغة الكردي ...
- لماذا توارت السينما الإيرانية وراء عيون الأطفال؟
- فيلم يحكي عن عائلة ثرية ومهووسة بالموضة.. كيف تحولت أزياؤها ...
- سوريا تودّع الأديب مازن المبارك.. 7 عقود في خدمة اللغة العرب ...
- متحف رويريخ في موسكو يفتتح معرضا جديدا يضم 250 قطعة فنية
- من عمرو دياب إلى الشامي وتوليت.. كيف تغيرت صناعة النجم في ال ...
- -حذر زواره وأصدر مرسوما جديدا-.. لماذا أعلن ترمب الحرب على ا ...
- ألمانيا.. مديرة مهرجان -بايرويت للموسيقى- تحذر من الانزلاق ن ...
- الموت يُغيّب فيلسوف الموسيقى العراقية فاروق هلال
- بيت المدى يستذكر شاعر القصة وراهب المسرح جليل القيسي


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - حين يتكلم الفقر بلغة لا يفهمها الحب