أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - ما وراء الرماد: هل تخرج الضفة الغربية عن السيطرة؟















المزيد.....

ما وراء الرماد: هل تخرج الضفة الغربية عن السيطرة؟


خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 12:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لمقدمة: تفكيك السؤال التقليدي
لم يعد السؤال الذي تطرحه صالونات السياسة ومراكز الدراسات حول ما إذا كانت الضفة الغربية "ستشتعل" سؤالاً راهناً، بل غدا سؤالاً متأخراً عن إدراك الميدان. فالواقع يؤكد أن الضفة لا تقف على حافة الانفجار فحسب، بل تعيش تصعيداً بنيوياً تُديره منظومة الاحتلال الصهيوني ضمن مسار منهجي.
إن ما يجري ليس مجرد ردود أفعال أمنية أو جولات احتواء عابرة، بل هو تطبيق العملي لإستراتيجية "حسم الصراع" والضم الفعلي للضفة الغربية. وفي ظل هذا التوجه الإسرائيلي المعلن لتصفية الوجود السياسي الفلسطيني، تدلف المنطقة مرحلة تتآكل فيها أدوات الضبط التاريخية—سواء لدى الاحتلال أو السلطة الفلسطينية—مما يفتح الباب أمام أنماط غير مسبوقة من المواجهة.
أولاً: "هندسة الجغرافيا" كمقدمة لفرض الضم النهائي
لا يمكن قراءة التوسع الاستيطاني بمعزل عن طموح الكيان الصهيوني في فرض السيادة والضم النهائي على الضفة. لقد تجاوز الاستيطان مفهوم "التوسع العمراني" ليغدو أداة جيوسياسية لإعادة تشكيل الجغرافيا؛ حيث يجري ربط المستوطنات بشبكات طرق وبؤر ردمت الفواصل بين المناطق، لتقطيع أوصال أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة.
ويترافق ذلك مع تتفيه عملي للتقسيمات الإدارية التي أرستها اتفاقيات أوسلو (أ، ب، ج)، إذ يُسقط الاحتلال عمداً هذه الحدود عبر الاجتياحات اليومية، وتوظيف الأدوات الإدارية (كإعلان "أراضي الدولة" و"المحميات الطبيعية") لتسريع عملية المصادرة. إن الكيان لا يكتفي بتجزئة الأرض، بل يسعى إلى مأسسة الضم الواقعي وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جيوب معزولة محاطة بالسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
ثانياً: "التدمير الممنهج" والتهجير القسري الناعم
تتحمل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية المباشرة عن سياسة "التفتيت المنظم" للبنية العمرانية والخدمية، خاصة في مدن ومخيمات شمال الضفة. إن تجريف البنى التحتية وتعطيل شبكات الحياة اليومية ليس مجرد تكتيك أمني، بل هو سلاح إفراغ ديمغرافي يهدف إلى جعل الحياة غير قابلة للاستمرار.
تتكامل سياسات الهدم والتضييق الاقتصادي لتنتج "تهجيراً صامتاً" ومباشراً، يحاول من خلاله الاحتلال دفع السكان نحو الرحيل أو إعادة التموضع. غير أن هذه الإستراتيجية الصهيونية لتفريغ الأرض كثيراً ما تؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ يتحول الاحتقان والضغط إلى محرك صلب للمواجهة، وتتحول سياسة الاقتلاع إلى وقود يُغذّي دوافع المقاومة لدى أجيال جديدة.
قالثا: تفكيك أدوات السيطرة وتفريغ السلطة من مضمونها
إن الأزمة الوجودية التي تواجهها السلطة الفلسطينية هي نتيجة مباشرة للإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض أي كيان سياسي فلسطيني جامع. فمن خلال سلب صلاحيات السلطة الميدانية، ومواصلة الاقتحامات في مناطق (أ)، تحرص سلطات الاحتلال على إظهار السلطة ككيان بلا سيادة، مما يجرف مشروعيتها وشعبيتها لدى الشارع.
ويكتمل هذا المسار بـ القرصنة المالية واحتجاز أموال المقاصة، وهو ما يُعد حرباً اقتصادية مُمنهجة لشل المؤسسات الفلسطينية. إن الإصرار الصهيوني على إضعاف السلطة وتجريدها من أدواتها لا يخلق بيئة للسيطرة، بل يدفع باتجاه الفراغ وتحفيز التشكيلات اللامركزية ولجان الحماية المجتمعية التي تتجاوز الأطر الرسمية والتنظيمية التقليدية.
رابعاً: مأزق "القبضة الحديدية" وحدود الردع الصهيوني
تُراهن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية على كثافة النار والردع المفرط كأداة حاسمة، غير أن هذا الرهان يصطدم بالطبيعة الجغرافية والديمغرافية المعقدة للضفة الغربية. إن التداخل المباشر بين المدن الفلسطينية، والمستوطنات، والمحاور الشريانية التي يمر منها المستوطنون، يجعل السيطرة الأمنية المطلقة أمراً معقداً للغاية.
إن السعي الإسرائيلي للحسم العسكري يفرض على جيش الاحتلال توزيعاً دائماً للقوات واستنزافاً لوجستياً أبدياً. وكما أثبتت المحطات التاريخية، فإن العقيدة الأمنية الصهيونية القائمة على "هندسة الهدوء بالقوة" تفشل دائماً في إلغاء الحقيقة السياسية؛ فالقمع لا يعالج جذور الصراع، بل يؤجل الانفجار ليأتيه بأشكال أكثر شراسة.
خامساً: ملامح الانتفاضة القادمة: اللامركزية في مواجهة مشروع الحسم
أمام إغلاق الأفق السياسي والإصرار الصهيوني على فرض خيار "الاستسلام أو التهجير"، تتشكل ملامح حراك فلسطيني جديد يختلف عن محطات الماضي. يتميز هذا الحراك بـ اللامركزية الشديدة، والاعتماد على مجموعات شبابية وشبكات مجتمعية تتجاوز الهياكل التنظيمية والقيادات التاريخية.
إن خطورة هذا المشهد بالنسبة للاحتلال تكمن في صعوبة التنبؤ به أو اختراقه، حيث تتعدد بؤر الاحتكاك وتتوزع على امتداد جغرافية الضفة، مما يُربك أجهزة الاستخبارات والجيش الإسرائيلي ويجعل أدوات السيطرة التقليدية بلا قيمة فعلية.
سادساً: الكلفة الداخلية على الكيان الصهيوني: أرباك مشروع الضم
إن التمسك الإسرائيلي بمشروع الضم والتوسع يترافق مع فاتورة باهظة يُحاول المستوى السياسي في إسرائيل تجاهلها. فكلما اتسعت رقعة المواجهة، ارتفعت كلفة حماية المستوطنين والطرق الالتفافية، وزاد استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية للكيان على جبهة استنزاف داخلية لا تتوقف.
هذا الواقع يزيد من حدة الأزمة السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث يتعمق الجدل حول جدوى تحمّل هذه التكاليف الباهظة لحماية مشروع استيطاني فاشستي يضع الكيان بأكمله في حالة خطر وجودي واستنزاف دائم.
سابعاً: البعد الدولي: تعرية الصهيونية وإرباك الحلفاء
يضع هذا المسار المتصاعد المجتمع الدولي وحلفاء الكيان الصهيوني أمام مأزق أخلاقي وسياسي متزايد. فاستمرار السياسات الاستيطانية وشرعنة البؤر العشوائية يعري الادعاءات الإسرائيلية حول "الدفاع عن النفس"، ويكشف أمام العالم ماهية النظام القائم باعتباره نظام فصل عنصري (أبارتهايد) واستعمار استيطاني.
ومع ارتفاع الكلفة الإنسانية وتصاعد وتيرة الانتهاكات، تزداد الضغوط الدبلوماسية والقانونية على الكيان في المحافل الدولية، مما يجعل من الصعب على القوى الدولية الاستمرار في توفير الغطاء السياسي لمشروع الضم دون كلفة إستراتيجية عالية.
الخاتمة: انفجار تراكمي في وجه مشروع الحسم
تؤكد المعطيات أن الضفة الغربية تخوض مرحلة فارقة؛ فالمواجهة الحالية ليست مجرد اضطراب أمني عابر، بل هي تصدٍ متراكم لمشروع صهيوني يستهدف إلغاء الوجود الفلسطيني وحسم قضية الضفة الغربية بالضم والتفريغ.
إن اجتماع التوسع الاستيطاني الشرس، والقرصنة المالية، وتجريف المجال العام، وإغلاق الأفق السياسي، يخلق بيئة تجعل خروج الأوضاع عن السيطرة أمراً حتمياً. إن الانفجار المرتقب ليس حدثاً فجائياً، بل هو النتيجة الطبيعية والمباشرة لإصرار الاحتلال على محو جغرافية وثوابت الشعب الفلسطيني، ليتحول "خروج الضفة عن السيطرة" من مجرد احتمال تحذيري إلى الجدار الصلب الذي ستتصادم معه أوهام الحسم الصهيوني.



#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)       Khorshied_Nahi_Alhussien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة الاستباحة: كيف تُحوّل عقيدة -المناطق الآمنة- إسرائيل ج ...
- المفاوضات مع إسرائيل... لماذا تبدأ الأزمة قبل توقيع الاتفاق؟
- ضمانات أمريكا... يا طالب الدبس من طيز النمس
- السلة الكاملة: اتفاق ينهي الحرب ويبني الدولة
- اتفاق الإطار الثلاثي: السيادة المشروطة وخريطة الانتحار اللبن ...
- السنة في لبنان:أزمة زعامة ….وزحمة مستزعمين
- نعم للخيانة... لا للتخوين: نحو مسطرة وطنية لفرز المواقف
- الشرق الأوسط المُدار وفلسطين: من هندسة التوازنات إلى اختبار ...
- أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال
- التلاحم الوظيفي بين سردية المحتل وأبواق الانحراف الداخلي
- الدولة كملف إداري؛ تحولات السيادة في عصر -الإدارة التقنية- ل ...
- ما وراء الردع المتآكل: إعادة صياغة الشرق الأوسط في فضاء ما ب ...
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: من -قوننة- الاستثناء إلى انك ...
- المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب ال ...
- من غزة إلى الجنوب: صراع -الجذور- ضد مشروع الاقتلاع
- لبنان: الدولة التي لم نتفق عليها... ولا على أعدائها
- الهوية الفلسطينية...صراع الوجود
- مسقط : مفاوضات لمنع الحرب… لا لصناعة السلام
- ما بعد طوفان الأقصى: بناء الحاضنة السياسية للمقاومة الفلسطين ...
- المقاومة بين منطق الدولة وغريزة الفناء


المزيد.....




- كيتي بيري -مصدومة وغاضبة- من البيت الأبيض
- القوات الإسرائيلية تعتقل عشرات الفلسطينيين في الضفة الغربية ...
- مشاهد تحبس الأنفاس لرياح عاتية من إعصار -نول- في الصين
- الحرس الثوري الإيراني: استفدنا من فترة وقف إطلاق النار على ع ...
- تقرير: لماذا تراهن إيران على صاروخ -خيبر شكن- في هجماتها الب ...
- غداة دعوة غوتيريش لـ-وقف الانتهاكات-.. قصف مدفعي وتوغل إسرائ ...
- إيران توقف هجماتها بعد تعليق الضربات الأمريكية.. وعراقجي: لا ...
- إيران تعلن تعليق هجماتها -الانتقامية- على دول الخليج
- انخفاض منسوب الراين ـ الجفاف يضرب أهم ممر نهري في ألمانيا
- وزير التعليم العالي يترأس اجتماع المجلس الأعلى للجامعات بمقر ...


المزيد.....

- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - ما وراء الرماد: هل تخرج الضفة الغربية عن السيطرة؟