أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - الشرق الأوسط المُدار وفلسطين: من هندسة التوازنات إلى اختبار الوجود















المزيد.....

الشرق الأوسط المُدار وفلسطين: من هندسة التوازنات إلى اختبار الوجود


خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)


الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 13:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: من التغيير الحاسم إلى التبريد المستدام

يبدو المشهد في الشرق الأوسط اليوم أقرب إلى لوحة تتبدل ألوانها بسرعة، دون أن تتضح ملامحها النهائية بعد. ما يجري ليس مجرد أحداث متفرقة، بل تحولات متزامنة تشير إلى إعادة صياغة أوسع لطبيعة الصراع ووظيفة الإقليم نفسه.

منذ سنوات، كان الخطاب السائد يقوم على فكرة "إعادة تشكيل الشرق الأوسط": تغيير الأنظمة، إسقاط أخرى، وإعادة رسم الخرائط عبر أدوات عسكرية وأمنية. لكن ما يظهر اليوم هو انتقال تدريجي من منطق "التغيير الحاسم" إلى منطق أكثر تعقيداً: "إدارة التوازنات وتبريد الأزمات".

لم تعد الحروب تُطرح كمدخلات لحلول نهائية، بل كأزمات تُضبط حدودها وتُدار إيقاعاتها. الهدف لم يعد إنهاء التوترات بقدر ما هو منع انفجارها الشامل، وتثبيت خطوط اشتباك منخفضة الشدة تسمح باستمرار الحركة السياسية والاقتصادية دون انهيار شامل.

في هذا السياق، تتقدم الاعتبارات الاقتصادية على كثير من الحسابات التقليدية. فالممرات التجارية، وأمن الطاقة، ومشاريع الربط الإقليمي، باتت جزءاً مركزياً من التفكير الاستراتيجي العالمي. لا يمكن لمشاريع كبرى تربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا أن تعمل في بيئة مفتوحة على حروب دائمة أو انهيارات متكررة. وهنا يصبح "التبريد الإقليمي" هدفاً بحد ذاته، لا مجرد نتيجة عرضية.



أولاً: وهْم الجِدة في إدارة الصراع

إن الحديث عن "إدارة الصراع" كظاهرة طارئة أو وليدة اللحظة ينطوي على قصور في القراءة التاريخية. فالحقيقة الراسخة أن "الإدارة بدل الحسم" هي الاستراتيجية المهيمنة على الإقليم منذ عقود؛ ولطالما شكلت اتفاقيات مثل "كامب ديفيد" وسياقات مثل "أوسلو" وتفاهمات خطوط التماس تجليات قاسية لهذه السياسة.

الجديد اليوم ليس المبدأ، بل التحول الجذري في الأدوات والفاعلين. فالقوى الدولية والإقليمية لم تعد تبحث عن حسم الصراعات بقدر ما تسعى إلى "مأسستها"، وتحويل الأزمات المشتعلة إلى ملفات بنيوية قابلة للتحكم والتوجيه وضبط الانفجار.

ضمن هذا المشهد، تبدو أدوار القوى الإقليمية في حالة إعادة تعريف. فإيران، التي جرى التعامل معها طويلاً كخصم يجب احتواؤه، تبدو اليوم كطرف لا يمكن تجاوزه في أي معادلة استقرار. وفي المقابل، تُطرح أسئلة أكثر حساسية حول موقع إسرائيل: هل تبقى الطرف الذي يفرض شروطه على الإيقاع الإقليمي، أم تتحول تدريجياً إلى طرف يُطلب منه التكيّف مع حدود جديدة للرعاية الأمريكية؟

أما دول الخليج، ومعها مصر وتركيا بدرجات مختلفة، فهي تتحرك في مساحة دقيقة بين هواجس الأمن الإقليمي ومتطلبات الاقتصاد والتحولات العالمية. هذا التوازن يدفعها إلى لعب أدوار مزدوجة: احتواء التوتر من جهة، والمشاركة في صياغة ترتيبات جديدة من جهة أخرى، دون الانزلاق إلى صدامات مفتوحة لا تخدم استقرارها الداخلي أو مشاريعها المستقبلية.

النتيجة: ليست اصطفافاً صلباً كما في السابق، بل شبكة توازنات متداخلة، تُدار أكثر مما تُحسم.



ثانياً: فلسطين.. من مركز الصراع إلى أزمة الفاعل

وسط هذا كله، لا تختفي القضية الفلسطينية، لكنها تتغير وظيفتها داخل المشهد. الصيغ الكلاسيكية التي حكمت الخطاب لعقود—حل الدولتين، السلام الشامل، التطبيع كمدخل للاستقرار—تبدو اليوم أقرب إلى أطر سياسية عامة تُستخدم في التوصيف أكثر من كونها مشاريع قابلة للتطبيق الفعلي على الأرض.

ما يتشكل عملياً هو حالة مختلفة: إدارة مستمرة للصراع بدل الوصول إلى تسوية نهائية.

وهنا يقع الخطأ التحليلي الشائع: مقاربة القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد "موضوع" خارجي تُمارس عليه سياسات الإدارة والتبريد، مع إغفال أن المتغير الداخلي الفلسطيني هو الذي يمنح هذا النظام الإقليمي شرعيته وقدرته على الاستمرار.

إن أزمة التمثيل الفلسطينية، والهشاشة البنيوية، وغياب القيادة الموحدة، ليست مجرد ارتدادات جانبية للصراع، بل هي الشرط الشارح الذي يجعل إدارة الملف من الخارج ممكنة أصلاً. النظام الإقليمي لا يفرض الإدارة على فاعل فلسطيني صلب، بل يستثمر في "أزمة الوكالة" ليملأ الفراغ، ويعيد صياغة القضية وفقاً لمتطلبات التوازن الاستراتيجي للقوى المهيمنة.



ثالثاً: الفصل الجغرافي كأداة بنيوية لا كعارض سياسي

تتبدى عبقرية "إدارة الصراع" في تسييل الجغرافيا وتفكيكها؛ فالمنظومة الراهنة لا تتعامل مع فلسطين ككتلة سياسية واحدة، بل تقوم استراتيجيتها على الفصل الوظيفي والجغرافي الفعلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

هذا الفصل ليس عيباً طارئاً في المشهد، بل هو آلية عمل منظمة؛ حيث يُدار القطاع بمعادلات أمنية وجودية ممتدة إقليمياً، بينما تُدار الضفة الغربية عبر صيغة مركبة تجمع بين الضبط الأمني والاحتواء الإداري.

غياب هذا التفريق يجعل أي تحليل سياسي غارقاً في العموميات، فالإدارة لا تستهدف التهدئة الشاملة، بل تستهدف "تجزئة المشتعل" للتحكم بكل جزء على حدة. وهكذا تتحول فلسطين من قضية وطنية موحدة إلى مجموعة من الملفات الأمنية والإدارية المنفصلة، كل منها يُدار وفق منطق مختلف.



رابعاً: المقاومة كصيرورة تاريخية لا كحالة آنية

في قلب هذه الهندسة، تبرز المقاومة كحالة تصادمية مع نظام الإدارة. غير أن توصيف المقاومة كعنصر ثابت في شبكة التوازنات الإقليمية يُسقط من الحساب دينامياتها الداخلية.

المقاومة ليست صيغة عسكرية جامدة، بل هي صيرورة تاريخية خاضعة للتحول المستمر، تبعاً لتغير بيئتها الحاضنة، وتبدل قدرات الإسناد الإقليمي ومحاوره—من العمق اللبناني المتمثل في حزب الله، وصولاً إلى البعد الاستراتيجي الإيراني.

إن مستقبل الفعل المقاوم ليس محكوماً بالبقاء المطلق أو الزوال التام، بل بتحول شكله وأدواته. فالتاريخ السياسي يثبت أن انسداد الآفاق السياسية وتفريغ الأطر المنظمة لا ينهي المقاومة، بل يدفعها للتحول إلى أنماط أكثر تشتتاً وتنوعاً، وأكثر عصياناً على الاحتواء والأمننة.

لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بالسلاح بقدر ما يتعلق بالبيئة: من يحتضن المقاومة سياسياً وإعلامياً واستراتيجياً؟ الصراع اليوم لم يعد فقط على الفعل المقاوم، بل على شروط وجوده واستمراره أو تفكيكه.



خامساً: نظام إدارة متعدد الطبقات

ما يزيد الصورة تعقيداً أن لا طرف يبدو قادراً على فرض هندسة كاملة منفردة. الولايات المتحدة لا تدير الإقليم كمالك قرار مطلق، بل كمدير توازنات يحدّ من الانفجار أكثر مما يصنع حلولاً نهائية. إسرائيل ليست خارج النظام، لكنها ليست حرة داخله بالكامل. والقوى الإقليمية ليست أدوات صافية ولا شركاء متساوين، بل أطراف داخل شبكة مصالح متشابكة، تتحرك بين الضغط والتفاوض والاحتواء.

النتيجة: لا يوجد فاعل واحد، بل نظام إدارة متعدد الطبقات للصراع، حيث يُعاد توزيع الأدوار باستمرار، وتُعاد هندسة الأزمات بدلاً من حسمها.



خاتمة: فلسطين.. الاختبار الأصعب

في المحصلة، تبقى فلسطين ليست ملفاً عادياً داخل الشرق الأوسط، بل الاختبار الأوضح لحدود هذا النظام الجديد. فلسطين ليست فقط جغرافيا متنازعاً عليها، بل هي سؤال شرعية، سؤال هوية، سؤال مقاومة، وسؤال تمثيل سياسي.

فلسطين لن تُحلّ، ولن تُدار بمعزل عن أزمة فاعليها، بل ستُعاد إنتاجها كقضية مفتوحة؛ لأن النظام الإقليمي الجديد بارع في احتواء التوترات لكنه عاجز عن إنهاء المسببات.

لكن الخطر الوجودي الحقيقي هنا لا يكمن في فعل "الإدارة" بحد ذاته، بل في أن تؤدي الإدارة المطولة والممنهجة إلى تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي والوطني التحرري، وتحويلها تدريجياً وبشكل دائم إلى مجرد "سلسلة من الأزمات الإنسانية والمعادلات الأمنية المتكررة".

وهنا تحدد فلسطين وظيفتها الكبرى: إنها ليست مجرد ملف في درج الشرق الأوسط، بل هي الاختبار الذي يكشف زيف الاستقرار المُدار، والحد الفاصل بين التهدئة المؤقتة والسلام الحقيقي. فربما لا يُقاس شكل الشرق الأوسط الجديد بما يُحلّ فيه من أزمات، بل بما يفعله بالقضية الفلسطينية: هل يحلّها، أم يديرها، أم يعيد إنتاجها بشكل جديد؟



#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)       Khorshied_Nahi_Alhussien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال
- التلاحم الوظيفي بين سردية المحتل وأبواق الانحراف الداخلي
- الدولة كملف إداري؛ تحولات السيادة في عصر -الإدارة التقنية- ل ...
- ما وراء الردع المتآكل: إعادة صياغة الشرق الأوسط في فضاء ما ب ...
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: من -قوننة- الاستثناء إلى انك ...
- المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب ال ...
- من غزة إلى الجنوب: صراع -الجذور- ضد مشروع الاقتلاع
- لبنان: الدولة التي لم نتفق عليها... ولا على أعدائها
- الهوية الفلسطينية...صراع الوجود
- مسقط : مفاوضات لمنع الحرب… لا لصناعة السلام
- ما بعد طوفان الأقصى: بناء الحاضنة السياسية للمقاومة الفلسطين ...
- المقاومة بين منطق الدولة وغريزة الفناء
- مسقط 2026: دبلوماسية اللحظة الأخيرة تحت ظلال -المطرقة-
- «ثقافة إبستين»: حين تتحول الفضيحة إلى دستورٍ غير معلن للنخب ...
- أوروبا بعد -المظلة- الأمريكية: هل تنجح سياسة الاعتماد على ال ...
- مجلس ترامب حكومة التوحش الأممي: من السيادة الوطنية إلى إدار ...
- هندسة الصمت الكبير: كيف حوّل ترامب العالم إلى نظام إدارة أزم ...
- السنة في لبنان من (عصب العروبة) الى ملحق على (هامش الدولة)
- لبنان 2026: بين مطرقة السلاح وسندان الصناديق
- -الجوع بركة-: دليل الشعوب السعيدة بخرابها


المزيد.....




- كان من أشد مؤيديه لعقود.. تاكر كارلسون يسحب دعمه للحزب الجمه ...
- رسالة مرتبطة بقضية نانسي غوثري تزعم أنها ماتت بعد اختطافها
- سلطنة عُمان وإيران تؤكدان الحفاظ على عبور مضيق هرمز -بلا رسو ...
- بوتين يصدر مرسوما بتعيين رئيس أوسيتيا الجنوبية مستشارا له
- -الموت الذي هربنا منه ما زال يلاحقنا-
- -10 سنوات على بريكست، والوعود لم تتحقق- – ديلي إكسبريس
- حالة طوارئ مناخية في أوروبا، فماذا عن صيف البلاد العربية؟
- وزير الخارجية الأمريكي يبدأ جولة خليجية لبحث مذكرة التفاهم م ...
- 40 رئيس بلدية حول العالم يتحدون لمواجهة توسع مراكز بيانات ال ...
- قتيلان وجريح بنيران إسرائيلية في جنوب لبنان.. وحزب الله: -ان ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - الشرق الأوسط المُدار وفلسطين: من هندسة التوازنات إلى اختبار الوجود