|
|
مجلس ترامب حكومة التوحش الأممي: من السيادة الوطنية إلى إدارة الملفات العالمية
خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 15:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لمقدمة: من الحرب العالمية الثانية إلى حكومة التوحش الأممي
تخيل نفسك على القمر، تطل على الكرة الأرضية الزرقاء. ما تراه ليس حدودًا، ولا خطوطًا سياسية، ولا أسماء دول على الخريطة. ما تراه هو لوحة تحكم عالمية، لوحة ألوان وأرقام، ملفات وتقارير، خرائط احتواء وتجارب. الألوان تتوزع هكذا: الأحمر: مناطق “الخطر” – سوريا، السودان، اليمن، العراق، ليبيا. الأخضر: مناطق “الاستقرار” – إسرائيل، السعودية، الإمارات. الأسود: مناطق الاختبار والمختبرات – غزة، الصومال، ليبيا، أجزاء من لبنان. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اتخذت الولايات المتحدة موقع القائد في النظام الدولي الجديد. ليس فقط كقوة عسكرية أو اقتصادية، بل كـمهندس للعالم. بدأت مع خطة مارشال في أوروبا الغربية، ثم توسعت لتصبح مراقبًا ومقررًا في كل الملفات الدولية الكبرى: التمويل، الأمن، الإعلام، القانون الدولي. لكل منطقة سياسة مختلفة، لكل دولة قواعد خاصة، ولكل أزمة بروتوكول إدارة. العالم العربي كان منذ البداية نقطة مركزية في هذا التصميم، بسبب: الموقع الجغرافي الاستراتيجي: مفاتيح النفط، ممرات التجارة، وقربه من ممرات بحرية دولية حساسة. الثروات الطبيعية: النفط والغاز والمعادن النفيسة، التي شكلت العمود الفقري للاستراتيجيات الغربية. الدين والثقافة: الإسلام، بوصفه قوة حضارية وروحية، والعرب كمركز للحضارة الإسلامية، مما يجعل أي سيطرة على العالم العربي لها بعد رمزي واستراتيجي طويل المدى. في هذا السياق، بدأ ما يمكن تسميته بـهندسة التوحش الإداري: السيطرة على الشعوب ليست عبر الاحتلال المباشر فحسب، بل عبر تحويل الدولة إلى ملف رقمي، والسيادة إلى رخصة قابلة للسحب، والتحكم عبر المال والإعلام والنخب المحلية. الإدارة الأمريكية لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على أدوات أكثر ذكاءً ودقة: المالية: السيطرة على التمويل الدولي، الدين العام، وعقوبات “ذكية” تجعل الدول رهينة لأدائها المالي. الأمنية: شبكات التجسس، المراقبة التقنية، التدريب الأمني للمؤسسات المحلية وفق معايير الولايات المتحدة وإسرائيل. الإعلامية والثقافية: الشركات العابرة للقارات، النخب المثقفة والمهنيين المشترين، التي تعيد إنتاج الرؤية الأمريكية بشكل شبه تلقائي في المنطقة. القانونية: تحويل المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن، إلى أدوات رسمية فقط، بينما يصبح القرار الفعلي في أيدٍ سرية، تقاريرية، أو “تقنية”. وفي عصر ترامب، أخذ هذا النظام خطوة جديدة: إعلان مجلس السلام أو ما يمكن تسميته بـ“حكومة التوحش الأممي“. لم يعد الحديث عن الشرعية الدولية، بل عن الكفاءة الإدارية، الامتثال، وإدارة الملفات العالمية. لم تعد الدولة تُسأل عن إرادة شعبها أو تاريخها، بل عن مدى قابليتها للرقابة، للتقييم، للتصنيف، للعيش ضمن قواعد النظام العالمي الجديد. هذه المقدمة ليست مجرد سرد تاريخي. إنها دعوة لفهم اللعبة الجديدة: العالم لم يعد يُدار بالقوانين، بل بالبروتوكولات. وكل دولة، وكل شعب، وكل إنسان، أصبح ملفاً في قاعدة بيانات معقدة، تتوزع فيها القوة، المال، والسلاح. المستقبل سيحدد قدرة الشعوب على استعادة زمام المبادرة، وعلى إعادة الإنسانية والسيادة إلى العالم الذي يبدو، من القمر، مجرد لوحة تحكم كبيرة. الفصل الأول: تفكيك السيادة – من الشرعية السياسية إلى الأهلية التقنية تخيل العالم بعد الحرب العالمية الثانية: دول منهكة، اقتصاد مدمّر، شعوب تبحث عن أمان، وقوى جديدة تتسيد الساحة. الولايات المتحدة، بصفتها القوة الصاعدة، لم تنظر فقط إلى الجيوش أو الأراضي؛ بل إلى الملفات، إلى آليات التحكم عن بعد. لم يعد السؤال: من يملك الأرض؟ بل أصبح: من يملك القدرة على الإدارة؟ من مجلس الأمن إلى مجالس التقارير عقود من الزمن، مركز القرار العالمي كان مجلس الأمن: صوت لكل دولة، حق النقض، شرعية دولية، ومصداقية قانونية. لكن هذا المجلس كان بطيئًا، مثقلًا بالفيتو، مرهقًا بالاجتماعات الطويلة والاعتراضات المتكررة. الإمبراطورية اكتشفت شيئًا مهمًا: السيطرة لا تحتاج إلى نصوص، بل إلى أدوات تقنية أكثر فاعلية. هكذا بدأت رحلة نقل السلطة الفعلية من السياسة إلى التقارير: المؤسسات المالية: صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، مؤسسات التصنيف الائتماني، أصبحت أدوات لتحديد “جدارة الدولة” و”أهلية الإدارة”. الهيئات الأمنية والفنية: مجموعة العمل المالي (FATF) لمكافحة غسل الأموال، وكالات مكافحة الإرهاب الدولية، أصبحت تحدد حدود التصرف المالي للدول. المنظمات غير الحكومية والنخب المشتركة: “الشفافية الدولية”، مؤشرات الحوكمة، تقارير حقوق الإنسان ذات الأجندات الانتقائية، صارت تُعطي المشروعية أو تجرّد الدولة من حقوقها. في هذا النظام، السيادة لم تعد حقًا مقدسًا. أصبحت رخصة مشروطة تمنح أو تُسحب حسب توافق الدولة مع بروتوكولات النظام العالمي، وفق معايير مالية وأمنية وتقنية، وليس سياسية بحتة. معايير الدولة “الجيدة” لم تعد الدولة تقاس بتمثيلها لإرادة شعبها أو بحريتها في اتخاذ القرار. بدلاً من ذلك، يُقيمها النظام العالمي وفق: القابلية للإدارة: مدى سهولة إدراج الدولة ضمن أنظمة الرقابة العالمية، من مراقبة المالية إلى البيانات السكانية. الانضباط المالي: الالتزام بالشفافية، التحكم بالدين العام، تسليم السجلات والبيانات دون اعتراض. التوافق الأمني: الانصياع للمعايير الأمنية الدولية، التعاون الاستخباراتي، واتباع بروتوكولات الحرب الذكية دون نقاش. السرعة في الامتثال: القدرة على تنفيذ التوصيات فور صدورها، دون نقاش سياسي طويل أو مقاومة معلنة. هنا يظهر أول انقلاب صامت في التاريخ السياسي الحديث: الدولة لم تعد مطلوبة أن تحمي شعبها أو أرضها. المطلوب أن تكون قابلة للإدارة، سريعة التنفيذ، ومطابقة للمعايير التقنية العالمية. تصنيفات الدولة في النظام الجديد الدولة المتمردة: ترفض التقييمات أو تحاول فرض إرادتها المستقلة. تُوصف بـ”خطر عالمي”. الدولة غير المنضبطة: تفاوض، تتأخر، أو تحاول التملص من المعايير. تُصنف على أنها غير كفؤة. الدولة الخاضعة: تنفذ التعليمات بدقة، تطبق المعايير، وتحصل على “حق الحياة الاقتصادية”. هذه ليست مجرد كلمات. إنها آليات عمل حقيقية: من خلال التمويل، العقوبات، المساعدات، والتصنيفات، يتم ضبط الدول الكبرى والصغرى على حد سواء، دون أن يُرفع سلاح واحد أو يُحتل مكان فعلي. التفاعل بين القوة التقليدية والقوة الجديدة هذا النظام لا يعمل ميكانيكيًا. هناك تفاعل دائم بين: القوة العسكرية التقليدية: لا تزال مؤثرة، تحدد الحدود إذا اقتضى الأمر، وتخدم النظام كأداة تهديد نهائية. القوة التقنية والمالية: هي القادرة على إدارة الدولة عن بعد، فرض العقوبات، تحديد مستقبل الشعوب دون مقاومة مباشرة. مقاومة الدول الصاعدة: الصين، روسيا، وإيران تحاول إيجاد أنظمة موازية، أحيانًا بالتعاون، أحيانًا بالمواجهة، ما يخلق صراعًا على شكل النظام العالمي وليس فقط على السلطة المباشرة. قراءة مستقبلية السيادة، كما عرفها العالم منذ وستفاليا، لم تعد موجودة بالمعنى التقليدي. لم يعد الحديث عن دولة حرة، بل عن ملف قابل للفتح والإغلاق حسب المعايير العالمية. مستقبل الدول يعتمد على مدى التوافق مع البروتوكولات الجديدة، وليس على الإرادة الشعبية وحدها. الفصل الثاني: الصراع على الشرق الأوسط – مركزية العرب والدين الإسلامي في استراتيجيات الهيمنة بعد أن فهمنا كيف تم نقل السلطة من مجلس الأمن إلى مجالس التقارير، يأتي السؤال الأهم: لماذا الشرق الأوسط؟ ولماذا العرب؟ الجغرافيا أولًا الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة على الخريطة. إنه مفترق طرق استراتيجي عالمي: بين القارات: آسيا، أفريقيا، وأوروبا. بين المحيطات: البحر الأحمر، الخليج العربي، والبحر الأبيض المتوسط. ممرات الطاقة: النفط والغاز الطبيعي، الشريان الاقتصادي الحيوي للقوى الصناعية. هذه الجغرافيا تجعل العرب هدفًا دائمًا للتأثير والتحكم، ليس فقط بسبب الموارد، بل بسبب الموقع الذي يسمح بالسيطرة على تدفق الطاقة والطرق التجارية. الدين الإسلامي والحضارة العربية الدين الإسلامي، بكونه أكبر دين عالمي نشأ في الشرق الأوسط، يضيف بعدًا آخر: الرمزية التاريخية: مكة والمدينة، والمقدسات في القدس، تجعل المنطقة قلبًا للحضارة الإسلامية. الهوية الحضارية: العالم العربي هو وعاء الرسالة الأولى للإسلام، وبالتالي أي تحكم بالعرب يعني تحكمًا ضمنيًا بأكثر من مليار مسلم حول العالم. التنافس الحضاري: الهيمنة الغربية، ممثلة بالولايات المتحدة وأوروبا، لا تبحث عن مجرد موارد أو جغرافيا؛ بل عن تحطيم المقابل الحضاري للحضارة الغربية، أي التأثير على العقلية، التعليم، الإعلام، والقيم. أدوات الهيمنة: الإعلام والنخب والشركات العابرة للقارات السيطرة على العالم العربي لا تقتصر على الجيوش أو السياسة، بل تشمل عناصر القوة الناعمة: الإعلام العالمي: شبكة ضخمة من القنوات الإخبارية والصحف الرقمية، تركز على تشكيل الرأي العام، تحريف الوقائع، وتحويل الأحداث إلى سردية مناسبة لأجندة الهيمنة. المنظمات غير الحكومية (NGOs): بعض هذه المنظمات تعمل تحت شعارات حقوق الإنسان أو التنمية، لكنها في الواقع أداة ضغط سياسية واقتصادية. النخب المشتركة: المثقفون، الأكاديميون، صناع القرار في القطاع الخاص والعام الذين يتبعون أطرًا غربية، غالبًا دون وعي، ويصبحون جسور نفوذ داخل الدولة العربية. الشركات متعددة الجنسيات: تمتلك القدرة على توجيه الاقتصاد الوطني أو تأجيل نموه، التحكم بالاستثمار والتوظيف، وتوجيه التكنولوجيا، بما يجعل الدولة غير قادرة على القرار السيادي الحقيقي. النظام المالي العالمي كأداة ضغط النفط والغاز والبنوك ليست أدوات مجردة، بل وسائل ضغط مستمرة: تمويل المشاريع: يعتمد على التقييمات الدولية، ويُعطى حسب التوافق مع الأجندة الأمريكية والغربية. العقوبات الاقتصادية: تستخدم لتخويف الدول أو تحطيم سياساتها دون اللجوء للحرب. التحكم بالعملة: الدولار الأمريكي، كمحرك رئيسي للنظام المالي، يجعل أي دولة عربية مرتبطة بالأسواق العالمية تحت تأثير مباشر وغير مرئي. حالات تطبيقية: العراق، لبنان، فلسطين، وسوريا العراق: بعد 2003، لم يكن الاحتلال فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وثقافيًا: إعادة رسم الدولة، التحكم بالبنية التحتية، فرض الديون، إدارة الإعلام المحلي. لبنان: نموذج لتفكيك الدولة عبر الطائفية، الإعلام، النخب، والشركات الدولية، بحيث تصبح الدولة حاضنة لتناقضاتها الداخلية أكثر من كونها وحدة سياسية مستقلة. فلسطين: قضية مفتوحة تُستخدم كأداة ضغط سياسية وإعلامية، وتحول الصراع إلى ملف تحكمي يمكن استثماره عالميًا. سوريا: الحرب لم تكن مجرد مواجهة مسلحة، بل تدخل متعدد الأبعاد: الإعلام، المساعدات، العقوبات، التحالفات الإقليمية والدولية، لتفكيك الدولة من الداخل قبل محاولة السيطرة العسكرية المباشرة. الخلاصة الاستراتيجية الأمريكية الغربية لا تركز فقط على السيطرة على الأرض أو الحكومات، بل على التحكم بالعقلية، الموارد، القيم، والشبكات الاقتصادية والاجتماعية. كل خطوة، كل قرار، كل مشروع، يتم تحليله مسبقًا وفق معايير الهيمنة الناعمة والقوة الاقتصادية والتقنية. العالم العربي، بموارده، موقعه، ودوره الحضاري، أصبح مركز الصراع، وميدان اختبار لأحدث أساليب السيطرة، وليس فقط حربًا تقليدية أو سياسية. الفصل الثالث: التحالفات الاستراتيجية وأدوات النفوذ الغربية في العالم العربي بعد أن فهمنا لماذا يُعد الشرق الأوسط محور الاهتمام الأمريكي والغربي، وكيف تُوظَّف الجغرافيا والدين والنخب والإعلام والنظام المالي كأدوات ضغط، يأتي السؤال: كيف تُترجم هذه الأدوات إلى تحالفات واستراتيجيات فعلية؟ التحالفات ليست مجرد اتفاقيات سياسية، بل هي شبكات معقدة تجمع حكومات، شركات، نخب، منظمات، وجيوشًا رسمية وغير رسمية، تعمل بتناغم لإدامة الهيمنة، وبأشكال متعددة: مباشرة، غير مباشرة، معلنة وسرية. المحور الأول: التحالفات السياسية النظام العربي الرسمي: كثير من الدول العربية، تحت ضغوط اقتصادية وعسكرية وسياسية، انخرطت في تحالفات ظاهرة مع أمريكا أو الغرب، من خلال اتفاقيات أمنية، سياسية، أو اقتصادية. المحور الدولي: الولايات المتحدة تحافظ على شبكة من التحالفات مع حلفاء دوليين، مثل فرنسا وبريطانيا، لتوسيع نطاق النفوذ في الشرق الأوسط، وضمان الضغط المتعدد الاتجاهات على الدول العربية المستقلة. التوازن بين القوى: أمريكا تستثمر في خلق توازنات داخلية وإقليمية بحيث تبقي الدول العربية في حالة اعتماد مستمر على الحماية الغربية، سواء عبر الدعم العسكري أو التمويل الاقتصادي. المحور الثاني: التحالفات الاقتصادية الشركات متعددة الجنسيات: تتحكم في النفط والغاز، البنية التحتية، الاتصالات، والتكنولوجيا، بحيث كل دولة عربية تصبح جزءًا من شبكة اقتصادية عالمية تتحكم بها الولايات المتحدة. الاستثمارات المشروطة: التمويل الغربي غالبًا ما يأتي مع شروط سياسية أو اجتماعية، مثل تعديل السياسات الاقتصادية، قبول مشاريع تعليمية أو إعلامية، أو دعم مبادرات معينة تتوافق مع مصالح الهيمنة. البنوك والدين: الاعتماد على النظام المالي الدولي، بالدرجة الأولى الدولار الأمريكي، يجعل أي دولة عربية عرضة للعقوبات أو لتعديل سياساتها تحت الضغط المالي. المحور الثالث: التحالفات العسكرية والأمنية المعاهدات الأمنية: اتفاقيات الدفاع المشترك، بيع الأسلحة، برامج التدريب، كلها تجعل الدول العربية تعتمد على المعدات والتقنيات الغربية، وبالتالي تصبح قراراتها العسكرية مرتبطة بالغرب. الوجود العسكري المباشر: القواعد الأمريكية في الخليج، البحر الأحمر، ومناطق استراتيجية، تُستخدم كمراكز ضغط وتحكم في الأزمات. التمارين المشتركة والمراقبة الاستخباراتية: تُرسخ اعتماد الدول العربية على الدعم اللوجستي والاستخباراتي الأمريكي، مع فرض نمط السيطرة على المعلومة والتحليل العسكري. المحور الرابع: التحالفات الاجتماعية والثقافية الإعلام الدولي والإقليمي: يُستخدم لنشر سرديات محددة، سواء لتشويه صورة الحكومات المقاومة، أو لتسويق مشاريع “التطوير الديمقراطي” التي تُفرض تحت هيمنة الغرب. النخب المشتركة: المثقفون والأكاديميون الذين يدرسون أو يعملون في الغرب، يصبحون جسور نفوذ فكرية وثقافية، يروجون لخطط الهيمنة بطريقة تبدو طبيعية ومقبولة. المنظمات غير الحكومية: تُقدم الدعم المجتمعي والتنموي، لكنها غالبًا ما تُحرك وفق أهداف سياسية، ما يجعل المجتمعات المحلية خاضعة لتوجيه خارجي دون وعي كامل. المحور الخامس: الأمثلة التطبيقية العراق بعد 2003: السيطرة الاقتصادية والسياسية، تحطيم مؤسسات الدولة، فرض مشاريع اقتصادية وثقافية مدروسة. لبنان بعد الحرب الأهلية: إدارة الطائفية والنخب والاقتصاد لتفكيك الدولة بشكل تدريجي. سوريا: حرب متعددة الأبعاد، استخدام الإعلام، العقوبات، المنظمات، والتحالفات الإقليمية لضغط داخلي طويل الأمد. فلسطين: تحويل القضية إلى أداة سياسية دولية، تحكم الولايات المتحدة بالتمويل والمفاوضات، وإعادة صياغة السرد التاريخي. الخلاصة التحالفات الغربية ليست مجرد اتفاقيات رسمية، بل هي شبكة معقدة متعددة الأبعاد: سياسية، اقتصادية، عسكرية، ثقافية، إعلامية، مالية. الهدف النهائي هو خلق حالة دائمة من الاعتماد والاستنزاف، بحيث تكون كل خطوة عربية مدروسة وفق أجندة الهيمنة الغربية، دون أن يشعر العالم العربي بوجود الهيمنة بشكل مباشر. الفصل الرابع: أدوات الهيمنة الحديثة على العالم العربي لقد شهد العالم العربي في العقود الأخيرة تحولاً جذريًا في طبيعة السيطرة الخارجية، لم تعد الهيمنة فقط عبر التحالفات العسكرية والسياسية، بل أصبحت تقنية، مالية، إعلامية، وثقافية. هذه الأدوات الحديثة تسمح للغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، بفرض السيطرة بشكل غير مباشر، أكثر فاعلية، وأقل تكلفة، مع الحفاظ على صورة شرعية دوليًا. المحور الأول: الإعلام الرقمي والتحكم بالرأي العام شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت أداة استراتيجية للتحكم بالوعي الجماهيري، عبر بث رسائل محددة، التضليل، ونشر سرديات تدعم الهيمنة الغربية. الشركات الكبرى مثل فيسبوك، تويتر، ويوتيوب تعمل كأدوات مراقبة وتحليل للسلوكيات الاجتماعية والسياسية، مع التأثير على التوجهات السياسية. الحملات الرقمية المنظمة تستهدف تفكيك القيم المحلية، نشر الانقسام الداخلي، وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية. الفضائيات العربية والأجنبية القنوات المدعومة خارجيًا أو الممولة من رؤوس أموال مرتبطة بالغرب، تروج لمفاهيم «التحديث» و«الديمقراطية» بطريقة تخدم مصالح الهيمنة. نشر محتوى مشوه عن المقاومة، تبرير الحروب، وتشويه التاريخ العربي الإسلامي، كلها استراتيجيات لإضعاف المقابل الحضاري للغرب. المحور الثاني: الأنظمة المالية والاقتصادية الربط بالدولار الأمريكي والنظام المالي الدولي التحكم في تحويل الأموال، العقوبات الاقتصادية، والتمويل المشروط يجعل الدول العربية خاضعة بالكامل للإملاءات الأمريكية. المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تعمل كأدوات ضغط سياسي واقتصادي تحت ستار التنمية الاقتصادية. الشركات العابرة للقارات الشركات الكبرى تتحكم في البنية التحتية الحيوية، من الطاقة إلى الاتصالات، مما يمنحها القدرة على الضغط المباشر وغير المباشر على الحكومات. الاستثمارات الكبيرة غالبًا ما تأتي مع شروط سياسية، تفرض إعادة ترتيب السياسات الداخلية بما يتوافق مع مصالح الهيمنة. المحور الثالث: النخب المشتركة والمنظمات غير الحكومية المثقفون والأكاديميون هناك شبكة من النخب التي درست وعملت في الغرب، وتصبح أدوات نشر السرديات الغربية داخل المجتمعات العربية، سواء في الجامعات أو المراكز البحثية. هذه النخب غالبًا ما تقدم السياسات الغربية على أنها «علمية، حديثة، وضرورية للتقدم». المنظمات غير الحكومية تمارس دورًا مزدوجًا: تقديم دعم تنموي ومجتمعي، وفي الوقت نفسه توجيه السياسات الداخلية والمجتمعية بما يخدم أهداف الهيمنة. هذه المنظمات تعمل في مجالات حقوق الإنسان، التعليم، الصحة، لكنها غالبًا ما تُسخّر لأجندة استراتيجية غربية بعيدة عن مصالح الدول المحلية. المحور الرابع: استراتيجيات الهيمنة الجديدة الضغط النفسي الجماعي: استخدام الإعلام الرقمي والنخب لتوجيه السلوكيات والآراء العامة. التفكيك الحضاري: استهداف القيم الدينية، الاجتماعية، والثقافية لتقويض أي مقاومة فكرية أو سياسية. إعادة صياغة التاريخ: التلاعب بالذاكرة التاريخية للمجتمعات العربية لإضعاف الهوية الوطنية والقومية. التحكم بالأزمات: خلق أزمات اقتصادية، سياسية، أو اجتماعية، ومن ثم تقديم «حلول» تتوافق مع الهيمنة الغربية، بما يترك الدولة العربية في حالة اعتماد دائم. الفصل الخامس: السيطرة على الثروات والموارد: محور الهيمنة الاستراتيجي العالم العربي ليس مجرد مساحة جغرافية، بل قلب العالم الاستراتيجي: يمتلك الخطوط البرية التي تربط قارات العالم الثلاث: آسيا، إفريقيا، وأوروبا. الموانئ المطلّة على أهم المسارات البحرية الدولية. أعظم احتياطيات النفط والغاز الطبيعي والمعادن النفيسة في العالم. ولذلك، لم تكن الهيمنة على العالم العربي مجرد طموح عابر، بل ضرورة استراتيجية للسيطرة على الاقتصاد العالمي وضمان التفوق الجيوسياسي للغرب. المحور الأول: النفط والغاز: السيطرة على قلب الاقتصاد النفط كأداة ضغط منذ منتصف القرن العشرين، أصبح النفط العربي الوقود الأساسي للاقتصاد العالمي، ووسيلة أمريكا وحلفائها للتحكم بالقرار العربي. أي محاولة عربية لاستقلال الأسعار أو الإنتاج كانت تلقائيًا مهددة بالحصار، العقوبات، أو التدخل العسكري المباشر. الغاز الطبيعي والمعادن الاستراتيجية الغاز أصبح اليوم أداة نفوذ مهمّة، خاصة مع التحول العالمي للطاقة. المعادن الاستراتيجية (الليثيوم، الفوسفات، الذهب) تسيطر على التكنولوجيا الحديثة، ما يجعل أي دولة عربية مرتبطة بالأسواق الغربية، وبدون استقلالية حقيقية. صناديق الثروة والسيطرة الأجنبية حتى الأموال التي تبدو عربية مثل صناديق النفط أو الاستثمار في البنى التحتية غالبًا ما تكون مربوطة بالمؤسسات المالية الغربية، أي أن الدول العربية لا تتحكم بشكل كامل بأموالها. مثال واضح: التحكم بالدولار الأمريكي، الربط بالنظام المالي الدولي، وتوجيه الاستثمارات الأجنبية، كلها تجعل القرار العربي الاقتصادي مرهونًا بالغرب. المحور الثاني: الموانئ والخطوط البحرية: مواقع القوة الممرات البحرية الاستراتيجية قناة السويس، مضيق هرمز، باب المندب، ومضائق المتوسط الشرقية هي شرايين الاقتصاد العالمي. السيطرة على هذه النقاط تمنح القدرة على فرض الضغط الاقتصادي، عرقلة التصدير والاستيراد، وتحديد مسار التجارة الدولية. الموانئ العربية الكبرى تم الاستثمار فيها غالبًا من قبل شركات عالمية أو بتراخيص مرتبطة بشروط سياسية. أي تهديد للأمن البحري العربي يتحوّل فورًا إلى أزمة دولية تستغلها القوى الكبرى لتوجيه السياسات المحلية بما يخدم مصالحها. المحور الثالث: الأراضي الزراعية والمياه: أداة إضافية للسيطرة الأراضي الخصبة والمياه الصالحة للري تعتبر موردًا حيويًا للأمن الغذائي. الاستثمارات الأجنبية في الزراعة والمياه غالبًا تخضع لشروط الاستفادة الغربية أولاً، مع إبقاء المجتمعات المحلية تحت قيود الاستهلاك والتوزيع. التحكم بهذه الموارد يُستخدم أحيانًا كأداة ضغط سياسي داخلي وخارجي، مثل دعم حكومات معينة أو تهميش أخرى. المحور الرابع: السياسات الاقتصادية والتحكم بالقرارات العقوبات الاقتصادية والتحكم بالتمويل أي دولة عربية تحاول استقلال القرار المالي تتعرض للعقوبات، تجميد الأصول، أو منع وصول تمويل دولي. المثال الأبرز هو العراق وليبيا وسوريا سابقًا، حيث تم استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي مباشر. الديون والقروض الموجهة القروض من المؤسسات الدولية غالبًا ما تأتي مع شروط سياسية صارمة، بما يجعل الدول غير قادرة على وضع استراتيجيات مستقلة للتنمية. غياب التحكم الحقيقي بالموارد اليوم، وحتى في أغنى الدول العربية، الأموال ليست ملكًا حقيقيًا للدولة أو الشعب. التحكم غالبًا يكون للمصالح الغربية والشركات متعددة الجنسيات، مع إبقاء الدول العربية في حالة اعتماد دائم. الخلاصة أن الهيمنة الأمريكية والغربية على العالم العربي لا تتوقف عند السياسة أو الإعلام، بل تمتد إلى أعماق الأرض والموارد: النفط والغاز والمعادن تضمن السيطرة على الاقتصاد العالمي. الموانئ والخطوط البحرية تعطي قوة استراتيجية هائلة. المياه والأراضي الزراعية أدوات ضغط إضافية. السياسات الاقتصادية، الديون، والقروض تجعل القرار العربي محدودًا ومستعارًا. باختصار، العالم العربي غني، لكنه محكوم بعدم التحكم الكامل بأمواله وموارده، مما يجعل أي مشروع استقلال أو مقاومة حقيقية محاولة شجاعة، لكنها صعبة ومكلفة جدًا الفصل السادس: أدوات الهيمنة على العالم العربي – من الاقتصاد إلى الدين والإعلام لا يمكن فهم مسار السيطرة على العالم العربي دون النظر إلى أدوات الهيمنة المختلفة التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها عبر العقود، والتي تراوحت بين اقتصادية، إعلامية، ثقافية، وأيديولوجية، وصولاً إلى استخدام الدين كآلية للتوجيه والتحكم. هذه الأدوات ليست عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية محكمة تهدف إلى إبقاء المنطقة تحت النفوذ الغربي، وتحجيم أي مقاومة أو استقلال حقيقي. 1. الهيمنة الاقتصادية والمالية العالم العربي، بموارده النفطية والمعدنية، كان هدفاً طبيعياً لأي مشروع إمبريالي حديث. السيطرة على النظام المالي تمثل حجر الزاوية: من خلال التحكم في العملات، البنوك، والتجارة الدولية، تمكنت القوى الغربية، وعلى رأسها أمريكا، من فرض ضغط مستمر على الدول العربية. الديون والسياسات الاقتصادية المفروضة: منذ ستينات القرن الماضي، استخدمت الولايات المتحدة والبنوك العالمية سياسة “الإقراض المشروط” التي تربط التمويل بتنفيذ إصلاحات اقتصادية محددة، غالباً على حساب السيادة الوطنية. التجارة والنفط: شركات نفط غربية وإقليمية كانت تتحكم في جزء كبير من إنتاج النفط العربي، ليس فقط لتوجيه الإيرادات، بل لتحديد سياسات الطاقة العالمية بما يخدم مصالح الغرب. تجويع الابتكار المحلي: عبر السيطرة على البنية التحتية الاقتصادية والاستثمار في مشاريع غير إنتاجية، تم تقليص القدرة العربية على تطوير صناعات محلية تنافسية، وجعل الاقتصادات المحلية مرتبطة بالغرب بشكل كامل. 2. الإعلام وصناعة الرأي العام الإعلام هو أداة القوة الأكثر تأثيراً في العالم الحديث، والعالم العربي لم يكن استثناءً: التحكم في الإعلام التقليدي: شبكات تلفزيونية وصحف تمتلكها جهات غربية أو موالية لها، تعمل على صياغة الرواية الإعلامية بما يخدم المصالح الاستراتيجية. التحكم في السوشيال ميديا والمنصات الرقمية: شركات عملاقة مثل “فيسبوك”، “تويتر”، و”يوتيوب” أصبحت أدوات ضغط على الرأي العام العربي، من خلال السيطرة على المحتوى، الترويج للأيديولوجيات الموجهة، وحجب المحتوى المقاوم. خلق النخب المشترات: عبر دعم مجموعات “مثقفين” و”ناشطين” ذوي توجهات محددة، يتم توجيه النقاش العام وتحجيم أي صوت معارض. الهدف هو تحويل الإعلام إلى ساحة لصنع التبعية والارتباك الفكري. 3. الدين كأداة تحكم الدين الإسلامي كان، ولا يزال، محورياً في إدراك الهيمنة الغربية: فهو لا يمثل فقط بعداً روحياً وثقافياً، بل أداة استراتيجية. تشويه الدين عبر التعليم والمناهج: تم تعديل المناهج الدراسية في بعض الدول العربية لتقديم تفسير محدود أو مشوه للدين، أو حذف نصوص وآيات يمكن أن تعزز الوعي السياسي والاجتماعي. خلق جماعات دينية مقسمة: تم تأسيس وتدعيم جماعات تنتمي لتفسيرات مختلفة للدين، غالباً متعارضة، بهدف زرع الانقسام وتهيئة الأرضية للتدخل الخارجي. استغلال الدين في الإعلام الرقمي: مواقع إلكترونية، قنوات فضائية، وحسابات وهمية على السوشيال ميديا تعمل على إرباك عقول الشباب وتحويل الدين إلى أداة خوف وطاعة بدلاً من وعي وتمكين. 4. استهداف الشباب والأجيال القادمة الشباب هو محور المعركة الحقيقية، فهم المستقبل والوعي القادم: تدجين العقول عبر الخوف والتضليل: الجمع بين الإعلام الموجه، التعليم المقنن، وضغط أجهزة الأمن يولد شباباً مطواعين، قابلين للاستغلال ومفتقدين للقدرة على التفكير النقدي. تمزيق الهوية الثقافية والدينية: من خلال بث الرسائل المشوهة، وإقصاء المناهج التاريخية والحضارية الأصيلة، يصبح الشباب أداة سهلة للتلاعب، بحيث لا يعرفون هويتهم ولا تاريخهم. تحييد المقاومة الفكرية: عبر استهداف المثقفين الشباب، والمبدعين، ومحاولة محاصرتهم مالياً واجتماعياً، يتم الحد من أي بادرة وعي مقاوم، وبالتالي ضمان استدامة الهيمنة الغربية على المنطقة. 5. أدوات التحكم الشاملة عند تجميع كل هذه الأدوات، يظهر النمط الاستراتيجي المتكامل للهيمنة: السيطرة الاقتصادية تخلق اعتماداً مادياً. الإعلام يشكل وعي الشباب والناس. الدين يصبح أداة لتوجيه السلوك والعقل. النخب والجهات الوسيطة تعمل كحلقة وصل لتسهيل السيطرة. الأجهزة الأمنية تفرض الرعب والامتثال اليومي. هذا التكامل يولد نظاماً متشابكاً للتحكم في المنطقة، يجعل أي محاولة للتحرر أو الاستقلال صعبة، ويخلق واقعاً من الخضوع شبه الكامل، لكن ليس دون مقاومة كامنة. في هذا الفصل، حاولنا كشف العصب الحي للهيمنة الغربية على العالم العربي: من الاقتصاد إلى الدين، ومن الإعلام إلى استهداف الأجيال القادمة. كل هذه الأدوات تعمل معاً لتبني نموذجاً من السيطرة الدقيقة، يضمن بقاء المنطقة تحت النفوذ الغربي، ويجعلها رهينة لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها. الخاتمة: حين نستعيد الإنسان من يد الملف لم نكتب هذا الكتيّب لنضيف نصاً آخر إلى أرشيف الغضب، ولا لنصوغ بياناً عاطفياً يُقرأ ثم يُنسى. كتبناه لأن العالم يتغيّر في صمت، ولأن أخطر التحولات هي تلك التي لا تُعلن نفسها. لم تعد الهيمنة اليوم تُمارس فقط عبر الجيوش والأساطيل، بل عبر الجداول، والتقارير، والتصنيفات، وأنظمة التقييم، حيث تتحول الدول إلى ملفات، والشعوب إلى أرقام، والسيادة إلى بند قابل للحذف أو الإبقاء. في هذا النظام، لم يعد السؤال: من يحتل الأرض؟ بل: من يملك تعريف الواقع؟ من يملك لغة القرار؟ من يحدد ما هو “المقبول” وما هو “الخطر”؟ ومن يقرر من يستحق الحياة الاقتصادية، ومن يُترك ليموت ببطء تحت مسمى “العقوبات” أو “الانتظار الإنساني”؟ حكومة التوحش الأممي ليست مؤامرة تُدار في غرفة مغلقة، بل منطق عالمي صاعد، يتغذى على التقنية حين تُفصل عن الأخلاق، وعلى المال حين يُفصل عن العدالة، وعلى الأمن حين يُفصل عن الكرامة الإنسانية. إنها حكومة لا تحتاج إلى شرعية، لأنها تصنع شرعيتها من قدرتها على التحكم، ومن عجز العالم عن مقاومتها. غزة في هذا السياق لم تعد فقط مأساة وطنية، بل مرآة للعالم القادم. ولبنان لم يعد أزمة سياسية، بل نموذج دولة واجهة. والعالم العربي لم يعد ساحة صراع عابر، بل قلب المعركة على معنى الإنسان، والهوية، والكرامة، والسيادة. ما يُستهدف اليوم ليس الأرض وحدها، بل العقل. ليس الثروة وحدها، بل الوعي. ليس الدين بوصفه عقيدة، بل بوصفه منظومة قيم قادرة على إنتاج إنسان حر. ليس الشباب بوصفهم فئة عمرية، بل بوصفهم المستقبل الممكن أو القابل للتطويع. وحين يُشوَّه الدين، ويُفرَّغ من روحه التحررية، ويُعاد تشكيله عبر شاشات مسيّسة، ومنابر مأجورة، ومنصات رقمية مصنوعة لتفتيت المعنى، فإن الهدف لا يكون الدين ذاته، بل الإنسان الذي يستمد منه هويته وصلابته وقدرته على الرفض. وحين يُربك وعي الشباب، ويُغرق في سيل من التفاهة والخوف واليأس، فإن الأمة لا تُهزم عسكرياً، بل تُستأنس حضارياً. هذا الكتيّب يقول بوضوح: المعركة لم تعد على الحدود، بل على المعنى. لم تعد على الخرائط، بل على الذاكرة. لم تعد على الموارد فقط، بل على تعريف الإنسان لنفسه. لكن كل نظام، مهما بدا متماسكاً، يحمل في داخله نقطة ضعفه. وحكومة التوحش الأممي، رغم قوتها التقنية والمالية، تقوم على فراغ أخلاقي عميق. هي قادرة على إدارة العالم، لكنها عاجزة عن إعطائه معنى. قادرة على التحكم في البشر، لكنها عاجزة عن خلق إنسان حر. من هنا تبدأ مقاومتها الحقيقية. المقاومة اليوم ليست فقط بندقية في الميدان، بل وعياً في العقل. ليست فقط مواجهة سياسية، بل بناء إنساني طويل النفس. ليست فقط رفضاً للهيمنة، بل استعادة لمعنى الكرامة، والسيادة، والهوية. أن نكون مقاومين اليوم يعني: أن نرفض أن نكون ملفات. أن نرفض أن نكون أرقاماً في تقارير الآخرين. أن نرفض أن نُختزل في صورة “شعوب فاشلة” تحتاج إلى إدارة خارجية. أن نصرّ على أننا شعوب صاحبة تاريخ، وقادرة على إنتاج مستقبل. وهنا يصبح الشباب مركز المعركة. ليس لأنهم الأكثر عدداً، بل لأنهم الأكثر قابلية لصناعة القطيعة أو الخضوع. إما أن يُشكَّل وعيهم ليكونوا أدوات في نظام عالمي متوحش، أو يُصاغ وعيهم ليكونوا نواة استعادة الإنسان العربي لمكانته ودوره ومعناه. لسنا بحاجة إلى أبطال خارقين، بل إلى إنسان طبيعي استعاد ثقته بنفسه، وفهم أدوات السيطرة عليه، ورفض أن يكون مادة خاماً في مختبرات السياسة العالمية. هذا الكتيّب لم يُكتب ليعطي أجوبة نهائية، بل ليكسر الوهم الأكبر: وهم أن ما نعيشه قدر لا يُرد، وأن العالم يُدار بقوانين لا يمكن لمسها أو تفكيكها. بل العكس تماماً: ما دام هذا النظام صُنع، فهو قابل للهدم. وما دام بُني على التوحش، فهو محكوم بالانهيار. وما دام يقوم على إلغاء الإنسان، فهو يزرع بذور نهايته بيده. ومن هنا، لا تنتهي هذه الصفحات، بل تبدأ. تبدأ من السؤال الأهم: كيف نبني إنساناً لا يُدار؟ كيف نعيد للوعي العربي قدرته على الفعل؟ كيف نحول الغضب إلى مشروع؟ والرفض إلى بناء؟ والكشف إلى فعل تاريخي منظم.
#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)
Khorshied_Nahi_Alhussien#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هندسة الصمت الكبير: كيف حوّل ترامب العالم إلى نظام إدارة أزم
...
-
السنة في لبنان من (عصب العروبة) الى ملحق على (هامش الدولة)
-
لبنان 2026: بين مطرقة السلاح وسندان الصناديق
-
-الجوع بركة-: دليل الشعوب السعيدة بخرابها
-
oالوحي الشيطاني لرسول الدم :نتنياهو...الأسفار السبعة
-
لبنان من -الميكانيزم- إلى -المُستغفَل-: السقوط العظيم في بئر
...
-
رماد المحاور وجرح غزة: هل يكتب الخلاف السعودي–الإماراتي نهاي
...
-
*النظام العربي الوظيفي: تفكيك بنية -التأثير الصِفري-** **من
...
-
تسييس الركام: قرار مجلس الأمن كأداة لإدارة الفشل لا لإنهاء ا
...
-
*استراتيجية -المحو-: غزة ولبنان تحت مقصلة السلاح والخطاب*
-
استراتيجية -المحو-: هل تنجح مقصلة السلاح والخطاب في صياغة -ا
...
-
-بنية الوهم السياسي: قضية (حسيان وعريمط) كنموذج لتعرية النخب
...
-
هندسة العجز: الخداع الاستراتيجي كعقيدة حكم أميركية*
-
فلسطين تحت الضبط: من الميكانيزم اللبناني إلى حصار غزة وحكم ا
...
-
من قرار الهدنة إلى وصاية القرن: كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط
...
-
النظام السلطوي العربي: استراتيجيات الصمود وتفكك المجتمع
-
من نار كمب ديفيد...الى جحيم ابراهام
-
الصّاروخ المُوجَّه و«شحّاطة» عمّتي: أن تُضرب وتُطالَب بالاعت
...
-
المقاومة بعد وهم السلام: قراءة جديدة في الصراع الفلسطيني الإ
...
-
المقاومة اخر الحصون امام (الشرق الصهيوني الجديد)
المزيد.....
-
مقاطع فيديو تكشف لحظات سبقت نزع عملاء فيدراليين لسلاح يُزعم
...
-
مقبرة ضخمة توثق أهوال الحرب العالمية الثانية ويقول بعض الزوا
...
-
شاهد.. سكان تكساس يقدمون المساعدة في دفع السيارات العالقة با
...
-
بودكاستر أميركي يهاجم إدارة ترامب.. ما علاقة مداهمات الهجرة
...
-
10 سنوات على مقتل جوليو ريجيني في مصر: قضية الباحث الإيطالي
...
-
هل يتجسس تيك توك على التطبيقات الأخرى؟
-
الولايات المتحدة: حرمان الملايين من الكهرباء وإلغاء آلاف الر
...
-
رئيس الوزراء السنغالي سيزور المغرب وسط توتر أشعلته أحداث نها
...
-
التصعيد العسكري يهدد الانتخابات والسلام بدولة جنوب السودان
-
حكومة جديدة في كوت ديفوار تحت شعار الاستمرارية
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|