خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 18:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
البحث عن المعنى في زمن "التيه السياسي
التيه بوصفه أزمة وجود لا أزمة سياسة فقط
في اللحظة التي يمر فيها لبنان بمخاض إعادة تشكيل هويته السياسية في عام 2026، يجد المكون السني نفسه واقفاً أمام مرآة محطمة. ليس التيه الذي تعيشه الطائفة اليوم مجرد "فراغ زعامة" أو غياب رأس هرم سياسي، بل هو أزمة وجودية حضارية تتعلق بفقدان "الدور" وجدوى "المعنى".
لقد كان السني في لبنان، عبر تاريخه الحديث، يرى نفسه "حامل رسالة" وقبساً من نار العروبة الكبرى، لا مجرد رقم في معادلة المحاصصة الطائفية. كانت طرابلس وبيروت وصيدا والقوى الحية في البقاع والعرقوب تعرّف نفسها بصفتها "رئة العروبة" و"خزان المقاومة" وقلب القضية الفلسطينية النابض. أما اليوم، وبعد توالي الهزائم والكسور، من اغتيال "الأب الرمزي" في 2005 إلى انهيار "النموذج الاقتصادي الحريري"، تبدو الطائفة وكأنها تعيش حالة من "اليهودية السياسية" بالمعنى الذي قصده الشاعر مظفر النواب حين صرخ بوجع العرب:
«سنصبح نحن يهود التاريخ.. ونعوي في الصحراء بلا مأوى»
هذا البحث يحاول الإجابة على السؤال المركزي والمؤلم: هل ما يشهده الساحة السنية اليوم هو محاولة صادقة لإعادة بناء دور تاريخي مفقود، أم أنه مجرد "إدارة لانحدار بطيء" لطائفة يُراد لها أن تخرج من معادلة "الفعل" لتستقر في خانة "الوظيفة"؟ هل يُسمح للسنة بعد اليوم أن يكونوا "فكرة" سيادية عابرة للحدود، أم يُراد لهم أن يكونوا مجرد "تقاطع مصالح" ووسطاء تهدئة في مزاد الصراعات الإقليمية؟
الفصل الأول: التأصيل التاريخي لدور السنة في لبنان
من الطائفة الرسالة إلى الطائفة الوظيفة
في هذا الفصل، نقتفي أثر الهوية السنية التي لم تولد من "رحم الطائفية"، بل من "مخاض القومية".
1. إرهاصات الاستقلال: السنة كحملة مشروع لا طالبي حصص
* رفض "لبنان المنعزل": لم يكن رفض النخب السنية (في المؤتمرات الساحلية 1936) لكيان "لبنان الكبير" نابعاً من انغلاق طائفي، بل من إيمان بأن جغرافيا السنة هي امتداد طبيعي لـ "المدى الحيوي العربي".
* جماعة الرسالة: السنة في لبنان لم يتشكلوا كطائفة تبحث عن "امتيازات" داخل النظام، بل كجماعة تحمل "رسالة سياسية" هدفها ربط هذا الكيان بمحيطه.
* الخلاصة: السني في تلك المرحلة لم يولد باحثاً عن "حصة في السلطة"، بل عن "وطن عربي" يتسع لأحلامه.
2. الميثاق الوطني 1943: التنازل الوجودي الأول
* مقايضة الهوية: وافق رياض الصلح على "استقلال لبنان" مقابل "تثبيت عروبته". كان هذا أول "تنازل وجودي"؛ حيث قايض السنة حلم "الوحدة السورية" بمشروع "الدولة اللبنانية" بشرط ألا ينسلخ لبنان عن هويته.
* ثمن الميثاق: السنة هم من دفعوا الثمن الرمزي الأكبر؛ فقد قبلوا بـ "الوطن الصغير" كحل وسط، ليكونوا هم الضامن لعروبته في وجه مشاريع الانعزال.
3. الحقبة الناصرية (1952-1970): ذروة التماهي ومقبرة الأحلام
* الشارع القومي: تحول الشارع السني اللبناني إلى صدى حي لصوت جمال عبد الناصر. هنا، ذابت "الطائفة" في "الأمة"، وأصبح الهمّ في بيروت هو ذاته في القاهرة ودمشق.
* نكسة 1967: لم تكن هزيمة عسكرية لمصر فقط، بل كانت "هزة وجودية" للسنة في لبنان. هنا بدأ التشكيك في جدوى "المشروع القومي" وبدأت بذور التيه الأول تظهر مع انكسار الحلم الكبير.
4. احتضان الثورة الفلسطينية: الانخراط لا التعاطف
* اتفاق القاهرة 1969: شرعن السنة الوجود المسلح للفلسطينيين في لبنان. لم يكن ذلك "عطفاً"، بل كان "انخراطاً" في معركة يرونها معركتهم القومية.
* التوتر مع الدولة: هذا الاحتضان وضع السنة في مواجهة بنيوية مع "فكرة الدولة اللبنانية" ومؤسساتها (خاصة الجيش في حينها)، مما أضعف موقعهم داخل النظام لصالح دورهم كـ "خزان للمقاومة".
5. الحرب الأهلية: الجسر المكسور
* بين الدولة والأمة: وجد السنة أنفسهم في الحرب الأهلية بلا "ميليشيا طائفية" صلبة (مقارنة بالموارنة أو الدروز)، لأن بوصلتهم كانت مشتتة بين "الدولة الوطنية" المتآكلة و"الأمة الجريحة" المتمثلة في منظمة التحرير.
* التصدع الوظيفي: هنا بدأ التحول من "صانعي قرار واستقلال" إلى "أطراف في صراع" يبحثون عن حماية، مما مهد الطريق لاحقاً لقبول "الوساطة" بدلاً من "الريادة".
نقاط للبحث الإضافي (لملحق المراجع):
* مذكرات تقي الدين الصلح: حول كواليس الميثاق الوطني وضريبة العروبة.
* دراسات مركز دراسات الوحدة العربية: حول تأثير الناصرية على الوعي السياسي للسنة في لبنان.
* أرشيف جريدة "السفير" (السبعينيات): لرصد نبض الشارع السني خلال الثورة الفلسطينية.
الطائف وما بعده..
انكسار الرؤية وطغيان الوظيفة
6. اتفاق الطائف: من "الشراكة" إلى "الوساطة"
* الاعتدال الوظيفي: مع نهاية الحرب الأهلية، قَبِل السنة بدور "الوسيط" بين المتصارعين. لم يعد السني هو "المؤسس" الذي يفرض رؤيته للعروبة، بل أصبح "المنظم" الذي يحاول الحفاظ على توازن النظام الطائفي الجديد.
* تحول الموقع: انتقلت الطائفة من موقع "المواجهة" من أجل قضايا الأمة، إلى موقع "الإدارة" للحفاظ على الدولة، مما مهد الطريق لبروز "الحريرية السياسية".
7. الحريرية السياسية: من "العروبة" إلى "الاقتصاد"
* الهوية البديلة: قدم رفيق الحريري للطائفة السنية هوية جديدة تماماً: "النجاح بدل الصراع". استبدل شعارات التحرير والعروبة الكلاسيكية بـ "الإعمار"، "الاستثمار"، و"ربط لبنان بالنظام العالمي".
* تحول حامل القضية: هنا تحولت الطائفة من "حاملة لمشروع سياسي عروبي" إلى "حاملة لنموذج اقتصادي". صار السني اللبناني يُعرّف نفسه بمدى قدرته على إدارة المؤسسات وجذب الأموال، لا بمدى قدرته على قيادة الشارع العربي.
* المال بدل المشروع: خلقت الحريرية طبقة وسطى سنية قوية، لكنها كانت طبقة مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي لا بالصلابة الأيديولوجية.
8. استشهاد الحريري 2005: سقوط الأب وبداية "التيه"
* أبعد من اغتيال زعيم: لم يكن اغتيال رفيق الحريري مجرد غياب لشخصية سياسية، بل كان انهياراً لـ "الصورة الجامعة" التي كانت ترى فيها الطائفة نفسها. سقط "الأب الرمزي" الذي كان يربط الطائفة بالعالم وبالداخل.
* فقدان المرآة: بعد 2005، وجد السني نفسه بلا "مرآة" سياسية. وُلد شارع عريض يمتلك العاطفة الجياشة، لكنه يفتقد للبوصلة السياسية الواضحة. لم يعد هناك مشروع (لا عروبي قديم، ولا اقتصادي حديث)، فبدأ التخبط.
* الصياغة المركزية: إن أزمة السنة بعد 2005 ليست في "من يقودهم"، بل في "إلى أين يقادون؟". لقد فقدوا القدرة على صياغة "معنى" لوجودهم خارج إطار رد الفعل على الآخرين (سواء ضد النظام السوري سابقاً أو ضد سلاح حزب الله لاحقاً).
نقاط للبحث الإضافي (لملحق المراجع):
* كتاب "رفيق الحريري وقدر لبنان" (ماروان خير الدين/نيكولاس بلانفورد): لفهم تحول العقل السني نحو الاقتصاد.
* دراسة لمركز (Carnegie): "ما بعد الحريرية: تشرذم الساحة السنية في لبنان".
* أرشيف محادثات الطائف: رصد كيف تم صياغة صلاحيات "رئاسة الوزراء" كتعويض وظيفي عن الدور السياسي القومي.
الفصل الثاني: الواقع السني اليوم – التيه المركب
عندما تتحول الطائفة من "صانعة قرار" إلى "ساحة صدى
في هذا الفصل، ننتقل من عباءة التاريخ إلى رداء الواقع الممزق، حيث يعيش السني في لبنان حالة من "الاغتراب" داخل وطنه، محاصراً بين انهيار اقتصادي وتفتت سياسي.
1. البعد الديموغرافي والاقتصادي: الانحدار الصامت
* هجرة النخب: رصدت تقارير عام 2025 نزيفاً هائلاً في الكفاءات السنية (أطباء، مهندسون، وأكاديميون) نحو الخليج وأوروبا. هذا النزيف لم يعد مجرد "سفر"، بل هو إفراغ للطائفة من "عقلها المفكر"، مما يترك الساحة للزعامات التقليدية أو القوى الراديكالية.
* جغرافيا الحرمان: تحولت مناطق الثقل السني (طرابلس، عكار، والمنية ،والبقاع،) إلى بؤر للفقر المدقع. عندما تصبح طرابلس "أفقر مدينة على المتوسط"، فإن أي مشروع سياسي يُطرح فيها يتحول بالضرورة إلى محاولة "منع انهيار" لا إعلان قوة. الفقر هنا ليس قدراً، بل هو "أداة تدجين" سياسية.
2. البعد النفسي: من "هوية الحريرية" إلى "اللا معنى"
* أزمة التعريف: يعيش السني اليوم سؤالاً وجودياً: "من نحن؟". بعد سقوط "النموذج الاقتصادي" (الحريرية) وفشل "المشروع القومي" (العروبة الكلاسيكية)، أصبح الشارع السني يعاني من "اللا معنى".
* الدولة بلا شرعية طائفية: يشعر السني أن الدولة اللبنانية الحالية (بتركيبتها الراهنة) لا تمثله طائفياً بإنصاف، وأن موقعه في رئاسة الحكومة بات "وظيفة إدارية" لتصريف الأعمال، وليس موقعاً للشراكة الحقيقية في "صناعة المصير".
3. التيه بين ثلاثة أفلاك (خريطة الولاءات المشتتة)
يعيش الشارع السني في 2026 حالة "تجاذب" بين ثلاثة مشاريع خارجية لا تلتقي:
* فلك المال (الخليج - التكنوقراط): يحاول استقطاب الطبقة الوسطى المتبقية عبر وعود بـ "الاستقرار والنمو"، ويروج لنماذج شخصيات ناجحة في المال والأعمال كبديل للسياسيين.
* فلك الدين والهوية (الجمعيات - تركيا): ينشط بقوة في المناطق الشعبية (طرابلس والشمال) عبر تقديم المساعدات والتركيز على "الهوية الإسلامية" كدرع في وجه التهميش.
* فلك القوة (النموذج السوري الجديد): وهو أخطر الأفلاك؛ حيث يتطلع الشباب المحبط نحو التحولات في سوريا (ما بعد الأسد)، معتبرين أن "القوة والتشدد" هما الوسيلة الوحيدة لاستعادة الكرامة المهدورة أمام "فائض قوة" الآخرين في الداخل اللبناني.
*خرائط التبعية.. "سُنّة المحاور" وانكسار المركز
بعيداً عن الشعارات الجامعة، يستقر الواقع السني في 2026 على تشظٍّ عمودي وأفقي، حيث تتقاسم "الهوية السنية" خمسة تيارات متصادمة، تدور في أفلاك لا تلتقي إلا على مائدة الانتخابات أو الصراع:
* سُنّة "عوكر": تكنوقراط السيادة الباردة
وهم الشريحة التي تراهن عليها واشنطن (عبر سفارتها في عوكر)؛ شخصيات تكنوقراطية، مغتربون ناجحون، وأكاديميون. هؤلاء يرفعون شعار "صندوق النقد الدولي" والشفافية، ويُستخدمون كواجهة مدنية لتمرير مشروع "نزع السلاح" تحت عباءة "الإصلاح الاقتصادي". هم "عقل الطائفة" الذي يعمل ببرودة المحاسب، لكنه يفتقد للنبض الشعبي.
* سُنّة "معراب": التحالف الضرورة
شريحة سنية (سياسية وشعبية) وجدت في التحالف مع "القوات اللبنانية" (معراب) الملجأ الوحيد لمواجهة "فائض القوة". هؤلاء يتبنون الخطاب السيادي الأكثر حدة، لكنهم يواجهون اتهامات داخل بيئتهم بأنهم أصبحوا "ملحقاً" لمشروع مسيحي، مما يعمق جرح "التبعية" بدل "الريادة".
* سُنّة "حزب الله": فائض الحاجة والوظيفة
وهم الشخصيات والقوى (مثل سرايا المقاومة أو الشخصيات المستقلة في البقاع وصيدا) التي تدور في فلك "حارة حريك". هؤلاء يمنحون الحزب "الغطاء السني" الضروري لشرعنة السلاح، مقابل مكاسب خدماتية أو حماية أمنية. هم في نظر الشارع السني "خارج السياق"، لكنهم في معادلة القوة "رقم صعب" يعطل أي إجماع سني ضد السلاح.
* سُنّة "الأسد" مقابل سُنّة "الشرع": صراع الهوية السورية في لبنان
* بقايا سُنّة الأسد: شخصيات تقليدية لا تزال تراهن على "بقايا نفوذ" النظام القديم، وهم في حالة انكماش وذعر بعد سقوط دمشق.
* سُنّة "أحمد الشرع" (سوريا الجديدة): وهو المزاج الصاعد والقلق؛ شباب ورجال دين في الشمال والبقاع يرون في "الثورة السورية المنتصرة" ومحيطها الجديد (بقيادة أحمد الشرع) ظهيراً سنياً قوياً. هؤلاء يرفضون "الاعتدال البارد" ويبحثون عن نموذج "القوة السنية" العابرة للحدود، مما يفتح الباب للراديكالية.
* سُنّة العروبة المنفتحة: الصمت العاجز
وهم النواة الصلبة، العائلات البيروتية، المثقفون، والعروبيون التقليديون الذين يؤمنون بـ "لبنان الرسالة". هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم "خارج الخدمة"؛ عاجزون عن الحراك لأنهم لا يملكون "دولار عوكر" ولا "سلاح الحزب" ولا "راديكالية الشرع". هم "الأغلبية الصامتة" التي تكتفي بالتحسر على زمن كان فيه السني هو من يكتب "مانشيت" العروبة.
الخلاصة المرة:
هذا التوزع يثبت أن الطائفة السنية في 2026 لم تعد "بيضة قبان" بقرارها، بل أصبحت "أوراق لعب" موزعة على طاولات الآخرين. الاستحقاق النيابي القادم لن يكون لاختيار ممثلي السنة، بل لإحصاء "عدد الأسهم" التي يمتلكها كل محور داخل الجسد السني المنهك.
الخلاصة: الطائفة كـ "رجل مريض"
السنة اليوم في لبنان لا يعانون من "أزمة سياسة" فقط، بل من "تآكل بنيوي". إنهم يتحولون تدريجياً من "كتلة صلبة" كانت تقرر مصير الجمهورية، إلى "جزر معزولة" تبحث عن الأمان المعيشي أولاً، والغطاء الإقليمي ثانياً.
نقاط للبحث الإضافي (لملحق المراجع):
* دراسة البنك الدولي (2025): "خارطة الفقر في شمال لبنان وتداعياتها الأمنية".
* تقرير (Crisis Group): "الفراغ السني في لبنان: مخاطر الراديكالية والارتهان الخارجي".
* مقالات الرأي في "أساس ميديا" و"النهار": حول تحولات المزاج الشعبي في بيروت وطرابلس خلال عام 2025.
الفصل الثالث: الاستراتيجية الدفاعية والعقدة الوجودية للسنة
(بين مطرقة السلاح.. وسندان الانكفاء)
في هذا الفصل، نناقش كيف تحولت الطائفة التي كانت "خزان المقاومة" إلى "عقدة" في ملف السلاح، وكيف يمكن للجيش أن يكون المدخل لاستعادة الدور التاريخي.
1. الجيش اللبناني: من "مؤسسة السلطة" إلى "ملاذ الهوية"
* الجيش كأمل الدولة: في ظل غياب الزعامة السنية القوية، بات الشارع السني يرى في مؤسسة الجيش (بقيادة جوزيف عون) الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الشامل.
* دار الفتوى والغطاء الرمزي: رصدنا في عام 2025 تنسيقاً عالياً بين "اليرزة" و"دار الفتوى"؛ الهدف هو بناء "تحالف صامت" يقدّم الجيش كبديل شرعي ووحيد عن السلاح الحزبي، مما يمنح السنة شعوراً بأن "قوة الدولة" هي تعويض عن "ضعفهم الطائفي".
2. العقدة الوجودية: كيف نُزع "فعل المقاومة" من الوجدان السني؟
* المفارقة المؤلمة: كيف لطائفة أسست "الحرس الشعبي" واحتضنت "جمول" وفلسطين، أن تُختصر اليوم في وظيفة "المعترض على السلاح"؟
* فخ "النزع التقني": يُراد للسنة أن يطالبوا بنزع السلاح من منطلق "تقني-قانوني" (القرار 1701)، بينما تاريخهم يطالب بالسيادة من منطلق "قومي-كرامي". هذا الانفصام جعل خطابهم يبدو "بارداً" أو "مستوردًا" من عوكر، مما أضعف تأثيره الشعبي.
3. الاستراتيجية الدفاعية: الحل أم الفخ؟
* الجيش بديل أم توازن؟ السؤال الذي يطرحه مشروعك: هل "الاستراتيجية الدفاعية" هي مجرد "تكييف" لسلاح حزب الله داخل الدولة؟ أم هي فرصة ليعود السنة (عبر انخراطهم في مؤسسات الدولة والجيش) كشركاء في قرار الحرب والسلم؟
* إدارة التوازن: إذا تحول الجيش إلى القوة الوحيدة، يستعيد السني موقعه الطبيعي كـ"رجل دولة". أما إذا بقيت "الازدواجية"، فسيظل السني "هامشياً" يدفع ثمن مغامرات لا قرار له فيها.
الفصل الرابع: الانتخابات 2026 – الديمقراطية كمزاد سيادي
(عندما تتحول "الأصوات" إلى "أسهم" في بورصة المحاور)
* السنة كـ "بيضة قبان" مشروخة:
الجميع (ترامب، طهران، الرياض) يدرك أن الكتلة السنية في برلمان 2026 هي التي ستحدد هوية "لبنان القادم". لذا، تحولت الدوائر السنية (بيروت الثانية، طرابلس، صيدا) إلى "ساحة معركة ماليّة واستخباراتيّة" لشراء الولاءات المترددة.
* الانتخابات كـ "استفتاء سيادي":
لن ينتخب السني اليوم من أجل "تزفيت طريق"، بل سينتخب (أو يقاطع) بناءً على إجابته لسؤال واحد: "هل أريد دولة يحكمها القانون والجيش، أم أريد وطناً يظل ساحة بريد للرسائل الإقليمية؟".
* خطر "التزوير المعنوي":
بسبب الفقر المدقع الذي شرّحناه في الفصل الثاني، هناك خشية من أن "الدولار الانتخابي" سيزور إرادة الناس، ليأتي بـ"سنة وظيفة" يوقعون على أي قرار يُطلب منهم مقابل بقائهم في السلطة.
نقاط للبحث الإضافي (لملحق المراجع):
* ورقة "الاستراتيجية الدفاعية" (المقترحات الرسمية لعام 2025): تحليل بنود دمج القوى أو تنسيقها.
* تقرير (WINEP): "الرهان على الصوت السني في انتخابات 2026".
* أرشيف خطابات مفتي الجمهورية (2025-2026): تتبع مسار "الاعتدال المقاوم" مقابل "التبعية للدولة".
الفصل الخامس: الكتلة التكنوقراطية – إنقاذ أم تدجين؟
واجهة الحداثة في مواجهة عواصف الهوية
في هذا الفصل، نُشرّح ظاهرة "السني التكنوقراطي" (رجل الأعمال، الأكاديمي، المغترب) الذي يقتحم المشهد السياسي عام 2026 بدفع دولي وعربي.
1. صعود "المقاول السياسي": حداثة بلا سيادة؟
* تسويق "النجاح": تُقدّم هذه الوجوه للشارع السني المنهك اقتصادياً تحت شعار "الخبير الذي سيعيد الدولار والكهرباء". لكن الخطورة تكمن في أن هؤلاء غالباً ما يفتقرون للعمق السياسي أو الأيديولوجي، مما يسهل تحويلهم إلى "أدوات إدارية" تنفذ أجندات دولية دون القدرة على حماية الهوية الوطنية أو العربية للطائفة.
* تكنوقراطية الوصاية الناعمة: يبرز التساؤل: هل يُراد لهؤلاء أن يكونوا "منقذين" فعلاً؟ أم أنهم مجرد واجهة مدنية "ناعمة" لقوى دولية تريد إدارة لبنان كشركة، لا كدولة ذات سيادة ورسالة؟
2. الفخ الوظيفي: "وسيط التهدئة" لا "شريك القرار"
* امتصاص الغضب: يُراد للكتلة التكنوقراطية أن تلعب دور "المهدئ" للشارع السني، عبر نقل الصراع من "السيادة والسلاح" إلى "الأرقام والموازنات". هذا التحويل هو نوع من "التدجين السياسي" الذي يُفرغ الطائفة من زخمها التاريخي كقوة مواجهة.
* الغياب عن الملفات الكبرى: بينما ينشغل التكنوقراطي بملفات البنك الدولي، تُحسم الملفات الاستراتيجية (الحدود، الغاز، السلاح) في غرف مغلقة بعيدة عنه، مما يبقي "القرار الفعلي" خارج يد المكون السني.
3. السؤال المركزي لمشروعك العربي-الإسلامي:
* هل يمكن للتكنوقراط أن يكونوا جزءاً من "نهضة سنية"؟ الجواب يكمن في مدى ارتباطهم بـ "فكرة" الطائفة لا بـ "وظيفتها". إذا ظل التكنوقراطي تقنياً صرفاً، فهو "موظف". أما إذا تسلح برؤية عروبية-إسلامية منفتحة، فهو "قائد" يستخدم الأدوات الحديثة لحماية الثوابت القديمة.
أي مصير ننتظر؟
"الفكرة" المستعادة و"الوظيفة" المؤبدة
لقد أثبت هذا البحث أن أزمة السنة في لبنان ليست أزمة "أشخاص"، بل هي أزمة "بوصلة". إن الطائفة التي ولدت من رحم الرسالة الكونية والعروبة الصافية، تجد نفسها اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
* الخيار الأول (الاستمرار في التيه): القبول بدور "الوظيفة"، أي التحول إلى جزر مشتتة تدور في أفلاك الآخرين (عوكر، طهران، دمشق، أنقرة)، مقابل فتات من السلطة الإدارية أو الأمان المعيشي الهش.
* الخيار الثاني (النهضة السيادية): العودة إلى "الفكرة"، أي إعادة بناء الهوية السنية كقوة "وصل" وطنية وعروبية، تستند إلى قوة الدولة (الجيش) وتحمي الثوابت التاريخية، دون الانزلاق إلى الانعزال أو التبعية العمياء.
إن السؤال الذي ستجيب عليه انتخابات 2026 وما بعدها ليس "من سيمثل السنة؟"، بل: هل سيُسمح للسنة بعد اليوم أن يكونوا "الفكرة" التي تجمع لبنان بمحيطه العربي، أم يُراد لهم أن يكونوا "الوظيفة" التي تُفرق لبنان عن نفسه؟
ملحق المراجع والمصادر المقترحة للبحث:
* وثائق المؤتمرات الوطنية: (1936، 1943، 1989).
* مجموعة دراسات مركز "مالكوم كير-كارنيغي" للشرق الأوسط: حول التشرذم السني (2024-2026).
* أرشيف مذكرات القادة السنة: (رياض الصلح، صائب سلام، رفيق الحريري).
* تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (2025): حول مناطق الشمال والبقاع.
* دواوين شعرية: (مظفر النواب، نزار قباني - الجوانب القومية).
#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)
Khorshied_Nahi_Alhussien#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟