خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يمثل الجنوب اللبناني اليوم مجرد جبهة عسكرية عابرة، بل هو مختبر وجودي لصراعات المنطقة الكبرى. إنها الحرب التي تستهدف "الإنسان" قبل "الأرض"، في اختبار قد يعيد رسم معادلة الشرق الأوسط بأكمله.
1. البعد التاريخي: أطماع "ما قبل الدولة"
لم تكن الأطماع الإسرائيلية في الجنوب وليدة الصدفة أو رد فعل عابر، بل هي أجندة ممتدة منذ أوائل القرن العشرين:
* مؤتمر باريس 1919: حيث اقترح "حاييم وايزمان" ضم حوض الليطاني لضمان الموارد المائية وحماية الأمن القومي المزمع.
* عقيدة بن غوريون: الذي وصف الجنوب في الثلاثينيات بأنه "الشريط الطبيعي" للأمن والمياه، مؤكداً أن السيطرة على الأرض ترتبط حكماً بالسيطرة على سكانها.
* الاحتلال المباشر (1982-2000): من إقامة "الشريط الأمني" إلى محاولات العزل الديموغرافي، كان الهدف دائماً خلق منطقة عازلة يمكن التحكم فيها ديموغرافياً وسياسياً.
2. الواقع الميداني: "الإبادة العمرانية" وسلاح التهجير
اليوم، يتخذ الاحتلال خطوات أكثر وضوحاً لتنفيذ استراتيجية "الأرض المحروقة":
* مسح القرى الأمامية: تدمير شامل للبنية التحتية والمنازل لتحويل الجغرافيا إلى "ذاكرة" فقط، وجعل العودة شبه مستحيلة.
* التهجير القسري: محاولة كسر الرابط العضوي بين القروي وأرضه عبر تحويل مئات آلاف النازحين إلى كتلة بشرية بلا مقومات حياة.
* المعادلة الحالية: (تهجير + تدمير + احتلال) هي الثلاثية التي يحاول الاحتلال فرضها كواقع دائم وليس كمواجهة عسكرية محدودة.
3. صمود المقاومة: منع "تثبيت" المشروع
في هذا السياق، تبرز المقاومة كعامل حاسم ليس فقط في الميدان العسكري، بل كحالة "صمود متراكم":
* الصمود هنا لا يُقاس بانتصارات خاطفة، بل بالقدرة على منع اكتمال معادلة "أرض بلا سكان".
* من غزة إلى الجنوب، يمثل هذا الصمود العائق الوحيد أمام المشروع الإسرائيلي-الأمريكي، ويحول دون تحويل "النزوح المؤقت" إلى "لجوء دائم".
4. الحرب الناعمة: الضغوط كجبهة مواجهة
تتجاوز الحرب حدود النار لتستهدف النسيج المجتمعي عبر:
* الضغوط الداخلية: استغلال التباينات السياسية والطائفية لتصوير النازح كـ "عبء" وطني، بهدف إضعاف الحواضن الشعبية وعرقلة مسار العودة.
* الضغوط الخارجية: التهديدات الدولية والإعلام المضاد الذي يسعى لكسر إرادة الصمود في البيئة اللبنانية العريضة.
5. الخلاصة الاستراتيجية: أين سيتكرر النموذج؟
إن ما يحدث في الجنوب اليوم هو "الاختبار الوجودي" الأكبر؛ فصمود هذه البيئة يعني سقوط مشروع الاقتلاع، أما نجاحه – لا سمح الله – فيعني تحويل هذه المأساة إلى "كتالوج" جاهز للتكرار في أماكن أخرى من المنطقة.
هنا، لا يعود السؤال: ماذا سيحدث في الجنوب؟ بل يصبح: أين سيتكرر هذا النموذج لاحقاً إذا سقط خط الدفاع الأول؟
الجنوب اليوم هو البوصلة؛ فإما عودة تكرس حق الإنسان في أرضه، أو خسارة تجعل من "الاقتلاع" قدراً يهدد عواصم المنطقة بأسرها.
#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)
Khorshied_Nahi_Alhussien#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟