أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - اتفاق الإطار الثلاثي: السيادة المشروطة وخريطة الانتحار اللبناني















المزيد.....

اتفاق الإطار الثلاثي: السيادة المشروطة وخريطة الانتحار اللبناني


خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)


الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 09:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2026، أُعلن عن توقيع ما سُمّي بـ"اتفاق الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وقدّم بوصفه خطوة نحو تثبيت الاستقرار واستعادة السيادة اللبنانية. غير أن القراءة المتأنية لبنية الاتفاق وسياقه السياسي تفضي إلى نتيجة مختلفة؛ فهو لا يبدو مجرد تفاهم أمني أو سياسي، بل حلقة في مشروع أشمل لإعادة صياغة موقع لبنان الاستراتيجي وإعادة تعريف مفهوم السيادة فيه.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن الاتفاق لم ينطلق من توافق وطني جامع، بل تجاوز طرفاً يمثل ركناً أساسياً في معادلة القوة اللبنانية، الأمر الذي يجعله، بدلاً من أن يكون إطاراً للحل، مرشحاً لأن يتحول إلى إطار دائم لإنتاج الأزمات.

اولا: الاتفاق يعمّق الانقسام الداخلي ولا يعالجه
أولاً: تغييب أحد الأطراف الأساسية
وقّعت الحكومة اللبنانية الاتفاق، فيما غاب عنه الطرف الأكثر تأثيراً في المعادلة العسكرية والأمنية، وهو حزب الله، الذي أعلن رفضه الصريح له واعتبره مساساً بالسيادة الوطنية. وأي اتفاق يتناول مستقبل الأمن والدفاع في لبنان دون إشراك أحد أبرز الفاعلين على الأرض يبقى مفتقراً إلى مقومات الاستقرار.
ثانياً: غياب التوافق الوطني
أظهرت المواقف السياسية انقساماً حاداً بين من رأى في الاتفاق مدخلاً لاستعادة سلطة الدولة، وبين من اعتبره تنازلاً عن السيادة وإخضاعاً للإرادة الخارجية. ويعكس هذا التباين غياب الرؤية الوطنية المشتركة، بما يحوّل الاتفاق إلى عنصر انقسام بدلاً من أن يكون نقطة التقاء.
ثالثاً: تهديد التوازنات الداخلية
يرتكز الاتفاق عملياً على مسألة نزع سلاح المقاومة، وهي القضية الأكثر حساسية في الداخل اللبناني. وإثارة هذا الملف خارج إطار حوار وطني شامل قد تؤدي إلى اهتزاز التوازنات الدقيقة التي قام عليها الاستقرار النسبي خلال السنوات الماضية.
رابعاً: احتمالات الانفجار الداخلي
إن تجاوز الوقائع السياسية والميدانية لا يؤدي إلى تجاوزها في الواقع، بل إلى انفجارها لاحقاً. ولذلك فإن أي محاولة لفرض معادلة جديدة بالقوة السياسية أو الضغوط الخارجية قد تدفع البلاد نحو مواجهة داخلية جديدة، وهو أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان في هذه المرحلة.

ثانيا: دولة منهكة واتفاق يتجاوز قدراتها
أولاً: هشاشة الدولة
يأتي الاتفاق في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخ لبنان، وهو ما يجعل الدولة في موقع الطرف المضطر أكثر من كونها طرفاً يمتلك حرية القرار. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الاتفاقات عرضة لأن تتحول إلى استجابة لضغوط الواقع أكثر من كونها تعبيراً عن إرادة وطنية مستقلة.
ثانياً: تحميل الجيش ما يفوق قدرته
يعوّل الاتفاق على الجيش اللبناني لتولي مهام أمنية معقدة تتجاوز إمكاناته الحالية، سواء من حيث العتاد أو طبيعة التوازنات الداخلية، مما قد يضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات تفوق قدرتها على الاحتمال.
ثالثاً: أزمة الشرعية
لا تستمد الاتفاقات الكبرى مشروعيتها من توقيع الحكومات وحده، بل من قبول المجتمع بها. وفي ظل غياب هذا القبول، يبقى الاتفاق معرضاً للاهتزاز مع أول تحول سياسي أو أمني.
رابعاً: تدويل القرار الأمني
يكرّس الاتفاق حضوراً أميركياً مباشراً في متابعة الملفات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حدود استقلال القرار اللبناني، ويجعل جزءاً من السياسات الأمنية مرتبطاً بآليات خارجية.

ثالثا: استثمار الانهيار لإعادة تشكيل الوعي السياسي
أولاً: توظيف الأزمة الاقتصادية
يُقدَّم الاتفاق باعتباره المخرج الوحيد من الانهيار الاقتصادي، بما يضع اللبنانيين أمام معادلة قاسية: القبول بالشروط المطروحة أو استمرار الانهيار. وهذه ليست بيئة تفاوض متكافئة، بل بيئة إكراه سياسي.
ثانياً: إعادة بناء السردية
يترافق الاتفاق مع خطاب سياسي وإعلامي يسعى إلى تحميل المقاومة مسؤولية أزمات لبنان، متجاهلاً تراكمات الفساد وسوء الإدارة والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل الوعي العام تجاه أسباب الأزمة الحقيقية.
ثالثاً: نقل لبنان إلى محور سياسي جديد
لا يقتصر الأمر على ترتيبات أمنية، بل يتصل بإعادة تموضع لبنان ضمن منظومة إقليمية جديدة، بما يعني إعادة تعريف أولوياته الاستراتيجية وعلاقاته وتحالفاته.

رابعا: هندسة السيادة المشروطة
أولاً: سيادة مقيدة بالشروط
السيادة التي يطرحها الاتفاق ليست سيادة مكتملة، بل سيادة مرتبطة بتنفيذ شروط سياسية وأمنية محددة، وفي مقدمتها إعادة رسم معادلة القوة داخل لبنان.
ثانياً: المساعدات كأداة نفوذ
تتحول المساعدات الاقتصادية والعسكرية إلى وسيلة تأثير في القرار الوطني عندما تصبح مرتبطة بمسار سياسي محدد، فتغدو أدوات ضغط أكثر منها وسائل دعم.
ثالثاً: إعادة تشكيل القرار الوطني
لا تقتصر آثار الاتفاق على الجانب الأمني، بل تمتد إلى رسم حدود القرار اللبناني في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية، بما يجعل هامش الاستقلال الوطني أكثر ضيقاً.

خامسا: الاتفاق مرحلة في مشروع أكبر
إن النظر إلى الاتفاق بوصفه حدثاً منفصلاً يفقدنا القدرة على فهم دلالاته الحقيقية. فهو يبدو جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل لبنان سياسياً واستراتيجياً.
ويقوم هذا المشروع على مسار متدرج يبدأ بإعادة تعريف مفهوم السيادة، ثم إعادة توزيع عناصر القوة داخل الدولة، يلي ذلك تعديل التوازنات السياسية، وصولاً إلى دمج لبنان في منظومة إقليمية جديدة تتوافق مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية للشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن الاتفاق لا يمثل نهاية الأزمة اللبنانية، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من إعادة هندسة الدولة والقرار والهوية السياسية.

سادسا: المخاطر المستقبلية
أولاً: خطر الفتنة الداخلية
يبقى احتمال التصادم الداخلي قائماً إذا جرى السعي إلى فرض الاتفاق بمعزل عن التوافق الوطني، لأن معالجة القضايا الخلافية الكبرى لا تتم بالإكراه، وإنما بالحوار والشراكة.
ثانياً: انعكاساته على معادلة الصراع مع إسرائيل
سيؤدي أي تحول جذري في معادلة الردع اللبنانية إلى تأثير مباشر في موقع لبنان ضمن الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود اللبنانية.
ثالثاً: استقرار مؤقت... وأزمات مؤجلة
قد يحقق الاتفاق هدوءاً مرحلياً، لكنه لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجل انفجارها إلى مرحلة لاحقة، لأن الاتفاقات التي لا تقوم على توافق داخلي تبقى عرضة للاهتزاز مع تغير موازين القوى.

الخاتمة
ليست المشكلة في أن تعقد الدول اتفاقات؛ فذلك جزء من العلاقات الدولية. لكن الخطورة تبدأ عندما يصبح الاتفاق بديلاً عن الإرادة الوطنية، وعندما تتحول السيادة إلى مفهوم مشروط، ويغدو القرار الوطني مرتبطاً بضمانات وضغوط خارجية أكثر من ارتباطه بإجماع اللبنانيين.
إن أخطر ما في اتفاق الإطار الثلاثي أنه لا يجيب عن سؤال: كيف نبني دولة قوية؟ بل ينطلق من سؤال آخر: كيف نعيد تشكيل لبنان بما ينسجم مع توازنات إقليمية جديدة؟ وهنا يكمن جوهر الإشكال؛ لأنه لا يعالج الانقسام، بل يعيد إنتاجه، ولا يؤسس لسيادة مكتملة، بل لسيادة مقيدة بالشروط، ولا يبني سلاماً مستقراً، بل هدنة هشة قابلة للانفجار عند أول اختبار.
لقد أثبت التاريخ أن الأوطان لا تنهار بالاحتلال العسكري وحده، بل قد تنهار أيضاً عندما تتخلى، تحت ضغط الأزمات، عن حقها في رسم خياراتها الوطنية بنفسها. وعندئذ يصبح الانتحار السياسي مشروعاً يُسوَّق باسم الواقعية، وتُقدَّم التنازلات بوصفها الطريق الوحيد إلى الاستقرار.
إن لبنان لا يحتاج إلى سيادة تُمنح له بشروط، بل إلى سيادة تنبع من توافق أبنائه، وإلى دولة قوية تستمد شرعيتها من وحدتها الوطنية، لا من موازين القوى الخارجية. فبدون هذا الأساس، لن يكون الاتفاق بداية للحل، بل محطة جديدة في مسار أزمة مفتوحة.



#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)       Khorshied_Nahi_Alhussien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السنة في لبنان:أزمة زعامة ….وزحمة مستزعمين
- نعم للخيانة... لا للتخوين: نحو مسطرة وطنية لفرز المواقف
- الشرق الأوسط المُدار وفلسطين: من هندسة التوازنات إلى اختبار ...
- أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال
- التلاحم الوظيفي بين سردية المحتل وأبواق الانحراف الداخلي
- الدولة كملف إداري؛ تحولات السيادة في عصر -الإدارة التقنية- ل ...
- ما وراء الردع المتآكل: إعادة صياغة الشرق الأوسط في فضاء ما ب ...
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: من -قوننة- الاستثناء إلى انك ...
- المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب ال ...
- من غزة إلى الجنوب: صراع -الجذور- ضد مشروع الاقتلاع
- لبنان: الدولة التي لم نتفق عليها... ولا على أعدائها
- الهوية الفلسطينية...صراع الوجود
- مسقط : مفاوضات لمنع الحرب… لا لصناعة السلام
- ما بعد طوفان الأقصى: بناء الحاضنة السياسية للمقاومة الفلسطين ...
- المقاومة بين منطق الدولة وغريزة الفناء
- مسقط 2026: دبلوماسية اللحظة الأخيرة تحت ظلال -المطرقة-
- «ثقافة إبستين»: حين تتحول الفضيحة إلى دستورٍ غير معلن للنخب ...
- أوروبا بعد -المظلة- الأمريكية: هل تنجح سياسة الاعتماد على ال ...
- مجلس ترامب حكومة التوحش الأممي: من السيادة الوطنية إلى إدار ...
- هندسة الصمت الكبير: كيف حوّل ترامب العالم إلى نظام إدارة أزم ...


المزيد.....




- كيف ربح ترامب مليار دولار من العملات المشفرة بينما خسر معظم ...
- كيف تؤثر الأجهزة الإلكترونية على أجسادنا؟
- موناكو تحدد مشتبها به في محاولة اغتيال رجل أعمال أوكراني وال ...
- نيويورك تايمز: واشنطن تخشى خطط إسرائيل لاغتيال المفاوضين الإ ...
- إسرائيل على قدم واحدة منذ 1000 يوم
- جنبلاط للشيباني: أفضل العلاقة المتوازنة مع سوريا على اتفاق - ...
- غالوزين: مطالبة سيبيغا لروسيا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات أم ...
- ممثل المرشد الإيراني في الهند: مجتبى خامنئي لن يحضر جنازة وا ...
- ترامب يهنئ ماسك بعد استعادته لقب التريليونير ويؤكد استمرار ا ...
- المغرب.. حريق في -غابة المعمورة- ينتهي بسقوط طائرة خفيفة ومص ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - اتفاق الإطار الثلاثي: السيادة المشروطة وخريطة الانتحار اللبناني