أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - ضمانات أمريكا... يا طالب الدبس من طيز النمس














المزيد.....

ضمانات أمريكا... يا طالب الدبس من طيز النمس


خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 18:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بينما تتجه الطائرة اللبنانية إلى العاصمة الإيطالية، حاملةً خرائط الحدود البرية وملف التحفظات اللبنانية الثلاثة عشر، يعود إلى أذهان كثير من اللبنانيين مثلٌ شعبي قديم يلخص المشهد بأبلغ مما تفعله البيانات الدبلوماسية: "يا طالب الدبس من طيز النمس."

قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تختصر جوهر الرهان اللبناني على ما يُسمى "الضمانات الأمريكية". فالدولة التي تُقدَّم بوصفها وسيطاً وضامناً هي نفسها الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل، والداعم السياسي والعسكري الأبرز لها. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للخصم أن يكون الضامن، وللداعم أن يتحول إلى حكم؟

إن انتقال المفاوضات من واشنطن إلى روما لا يبدو، في نظر كثيرين، مجرد تغيير في مكان الاجتماع أو تسهيل لعمل اللجان الفنية، بل يعكس تحولاً في البيئة السياسية التي ستُدار فيها المفاوضات. فالحديث عن الخرائط والتفاصيل التقنية لا يلغي حقيقة أن أي نقاش حول الحدود أو الترتيبات الأمنية يبقى محكوماً بموازين القوى أكثر مما تحكمه الخرائط نفسها.

لقد جرى تسويق روما باعتبارها مساحة أوروبية أكثر هدوءاً، ودولة ترتبط بعلاقات جيدة مع الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة، إلا أن الهدوء الدبلوماسي لا يغيّر طبيعة الصراع. فالخلاف ليس خلافاً تقنياً حول خطوط وإحداثيات، بل نزاع سياسي وأمني يرتبط بالاحتلال والسيادة وموازين الردع.

ومن هنا، يخشى كثيرون أن تتحول اللجان الفنية إلى مدخل لإعادة صياغة الوقائع السياسية على الأرض، بحيث تصبح الملفات الأمنية هي الأولوية، فيما يتراجع مطلب الانسحاب الكامل إلى مرتبة لاحقة. وعندما يحدث ذلك، تصبح التفاصيل التقنية وسيلة لإنتاج وقائع سياسية جديدة، لا مجرد آلية لتنفيذ اتفاق قائم.

يزداد هذا القلق عندما يُنظر إلى الوقائع الميدانية. فالخروقات الإسرائيلية، وفق ما يورده لبنان بصورة متكررة، لم تتوقف مع الحديث عن التفاوض، كما أن عمليات الاستهداف والتدمير والضغط العسكري بقيت حاضرة بالتوازي مع المسار السياسي. وهذا التزامن يطرح سؤالاً بديهياً: ما قيمة الضمانة إذا كانت لا تمنع استمرار الوقائع التي يُفترض أن تعالجها؟

التاريخ القريب يزيد هذا الشك. فالولايات المتحدة، رغم دورها المحوري في الوساطات الإقليمية، ظلت في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين والعرب طرفاً أقرب إلى الموقف الإسرائيلي منه إلى موقع الوسيط المحايد. ولذلك، فإن التعويل على ضماناتها وحدها يبدو، بالنسبة لهؤلاء، رهاناً يفتقر إلى عناصر الثقة الكافية.

ولا يقتصر الضغط على الجانب الأمني وحده. فلبنان يدخل أي مفاوضات وهو مثقل بانهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، وأزمة مصرفية عميقة، وانقسام سياسي داخلي يضعف قدرته على التفاوض من موقع موحد. وفي مثل هذا الواقع، تصبح الضغوط الاقتصادية والسياسية جزءاً من بيئة التفاوض نفسها، سواء أُعلن عنها أم بقيت خلف الأبواب المغلقة.

في المقابل، ترى السلطة اللبنانية أن المشاركة في هذه الجولة ليست خياراً مثالياً، بل محاولة لانتزاع ما يمكن انتزاعه، والسعي إلى تثبيت انسحاب إسرائيلي كامل، ووضع جداول زمنية واضحة، وتجنب بقاء الوضع الميداني مفتوحاً على احتمالات التصعيد.

غير أن هذا المنطق يواجه اعتراضاً واسعاً لدى من يعتبر أن أي تفاوض يجري بينما تستمر الضغوط العسكرية ويغيب التنفيذ الفعلي للالتزامات الدولية، يفتقد إلى الحد الأدنى من التكافؤ، ويجعل الطرف الأضعف أكثر عرضة لتقديم التنازلات تحت وطأة الوقائع المفروضة.

وفي نهاية المطاف، قد يعود الوفد اللبناني من روما بمحاضر اجتماعات، وصور تذكارية، وبيانات تؤكد استمرار الحوار، لكن السؤال الحقيقي سيبقى: هل عاد بضمانات قابلة للتنفيذ، أم بمجرد وعود سياسية جديدة؟

فالضمانة لا تُقاس بما يُقال في المؤتمرات الصحفية، بل بقدرتها على منع الخروقات، وإلزام الأطراف بما توقع عليه، وحماية الحقوق عندما تُختبر على الأرض.

ولهذا، فإن بناء السياسة الوطنية على ضمانات خارجية وحدها يبقى رهاناً محفوفاً بالمخاطر. فالدول تتحرك وفق مصالحها، لا وفق الأمنيات، والمواثيق الدولية لا تكتسب قيمتها إلا عندما تجد من يفرض احترامها.

أما السيادة، فلا يصونها مكان التفاوض، ولا أسماء الوسطاء، بل وحدة الموقف الوطني، وصلابة المؤسسات، وقدرة الدولة على حماية حقوقها والدفاع عنها.

وعندها فقط يفقد ذلك المثل الشعبي مرارته. أما قبل ذلك، فسيبقى يتردد كلما عُلّقت الآمال على وعود الخارج: من يطلب الدبس من النمس، لن يعود إلا بخيبة الأمل.



#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)       Khorshied_Nahi_Alhussien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلة الكاملة: اتفاق ينهي الحرب ويبني الدولة
- اتفاق الإطار الثلاثي: السيادة المشروطة وخريطة الانتحار اللبن ...
- السنة في لبنان:أزمة زعامة ….وزحمة مستزعمين
- نعم للخيانة... لا للتخوين: نحو مسطرة وطنية لفرز المواقف
- الشرق الأوسط المُدار وفلسطين: من هندسة التوازنات إلى اختبار ...
- أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال
- التلاحم الوظيفي بين سردية المحتل وأبواق الانحراف الداخلي
- الدولة كملف إداري؛ تحولات السيادة في عصر -الإدارة التقنية- ل ...
- ما وراء الردع المتآكل: إعادة صياغة الشرق الأوسط في فضاء ما ب ...
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: من -قوننة- الاستثناء إلى انك ...
- المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب ال ...
- من غزة إلى الجنوب: صراع -الجذور- ضد مشروع الاقتلاع
- لبنان: الدولة التي لم نتفق عليها... ولا على أعدائها
- الهوية الفلسطينية...صراع الوجود
- مسقط : مفاوضات لمنع الحرب… لا لصناعة السلام
- ما بعد طوفان الأقصى: بناء الحاضنة السياسية للمقاومة الفلسطين ...
- المقاومة بين منطق الدولة وغريزة الفناء
- مسقط 2026: دبلوماسية اللحظة الأخيرة تحت ظلال -المطرقة-
- «ثقافة إبستين»: حين تتحول الفضيحة إلى دستورٍ غير معلن للنخب ...
- أوروبا بعد -المظلة- الأمريكية: هل تنجح سياسة الاعتماد على ال ...


المزيد.....




- مقتل شخصين وإصابة اثنين آخرين في هجوم بمسيرات على إقليم كراس ...
- ترامب يهدد برفع الرسوم الجمركية على المركبات وقطع الغيار الك ...
- بيرنهام يتحدى تهديدات روسيا -الفظيعة- ويقدم أسرار تصنيع صارو ...
- صوّب على -هدف مجهول-.. حارس نتنياهو يثير الذعر بالشارع الإسر ...
- ترامب يدفع كوشنر لفتح قنوات مع الديمقراطيين قبل انتخابات الت ...
- لولا دا سيلفا يدعو ترامب إلى إجراء حوار مباشر دون مشاركة روب ...
- باكستان: مباحثات طهران ركزت على خفض التصعيد وإعادة فتح مضيق ...
- تخفيضات تتجاوز 30%.. «أسواق اليوم الواحد» توفر السلع بأسعار ...
- “أهلا مدارس”… تخفيضات تصل لـ 60% على مستلزمات الدراسة بالجما ...
- عضو شعبة المواد الغذائية: السماح بتصدير السكر خطوة إيجابية ل ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - ضمانات أمريكا... يا طالب الدبس من طيز النمس