أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - متى يتحول تاريخنا المقدس إلى تاريخ بشري؟














المزيد.....

متى يتحول تاريخنا المقدس إلى تاريخ بشري؟


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 19:27
المحور: قضايا ثقافية
    


لو حاولنا التروي قليلًا والتوقف عند خلافاتنا وجدالنا حول الماضي، فسنجد أننا، في الواقع، لا نختلف على الماضي بقدر ما نختلف على الحاضر الذي نعيشه. فنحن نستحضر التاريخ لأن لكل منا حاضرًا يريد الدفاع عنه ومستقبلًا يريد الوصول إليه، ولهذا أولت التشكيلات السياسية والفكرية أهمية كبرى لطرح رؤيتها الخاصة لهذا التاريخ، كلٌّ من منظورها، وكلٌّ وفق ما يريد أن يراه في حاضره.
مراجعة معمقة لمراحل الفكر التنويري تكشف لنا أن مفكري التنوير سعوا جاهدين، كل على طريقته وبالقدرات والأدوات المتاحة له، إلى تحرير العقل والضمير الإنسانيين، مستخدمين الفلسفة والعلوم والفكر السياسي، لكنهم لم يغفلوا، ولو للحظة، عن التاريخ الراسخ في أذهان الناس، لأن تغيير نظرة الإنسان إلى حاضره ومستقبله لا ينفصل عن تغيير نظرته إلى ماضيه.
ونتيجة هذه المساعي، برزت محاولات لإحداث ما يمكن وصفه بقطيعة معرفية مع القراءة التقليدية للماضي، لا بمعنى إلغاء التاريخ أو التنكر له، وإنما بإعادة صياغة العلاقة معه، وطرح قراءة عقلانية تعتمد البحث العلمي والنظرة العلمانية إلى التاريخ الأوروبي.
فبعد أن جرى طويلًا النظر إلى التاريخ الأوروبي من خلال ثنائية دينية تقسم الزمن إلى ما قبل المسيح وما بعد ظهوره، جاء الفكر التنويري ليضع المسيحية ومؤسساتها الدينية، إلى جانب عوامل أخرى، موضع البحث والنقد، ويتعامل معها بوصفها جزءًا من التاريخ البشري، خاضعة للفحص والمساءلة، لا مرجعية مقدسة تقف فوق التاريخ وتحكم تفسيره.
وهنا، في اعتقادي، تكمن النقلة الأهم: لم يعد السؤال كيف نحاكم التاريخ وفق المقدس، بل كيف نفهم المقدس نفسه بوصفه جزءًا من حركة التاريخ.
أما في المشرق العربي، فقد ظهرت محاولات سعت، بدرجات وأساليب مختلفة، إلى إعادة قراءة التاريخ والتراث خارج السردية التقليدية. كانت هناك محاولات طه حسين، سواء في "في الشعر الجاهلي" أو لاحقًا في "الفتنة الكبرى"، ثم جاءت كتابات فرج فودة، ومنها "الحقيقة الغائبةط، كما يمكن التوقف عند معروف الرصافي وكتابه "الشخصية المحمدية".
لكن هذه المحاولات وغيرها لم تتمكن من إحداث التحول الفكري الواسع الذي أحدثته مراجعة التاريخ في أوروبا. فقد واجه أصحابها درجات مختلفة من التكفير والملاحقة والتهميش والرفض الاجتماعي والفكري، ووصل الأمر في حالة فرج فودة إلى الاغتيال. ولم تكن مصائر كثير ممن ساروا لاحقًا في هذا النهج أكثر سهولة.
لهذا، فليس من الغريب أننا لا نزال تائهين داخل دائرة السردية الدينية لتاريخنا. وحتى حين نتمكن من القفز فوق أسوار هذه الدائرة إلى خارجها، فإننا كثيرًا ما نقع أسرى سرديات أيديولوجية أخرى للتاريخ، كالسردية القومية أو الماركسية.
وهنا تبدو المفارقة أكثر إثارة. فكثير من هذه السرديات، رغم خروجها على المقدس الديني، أعادت إنتاج بنيته بطريقة أخرى. أصبح لكل منها، بصورة أو بأخرى، رافدان أساسيان: رافد الجاهلية ورافد الإيمان، أو رافد الجهل ورافد الوعي، والفاصل بينهما هو لحظة ظهور الفكر الجديد.
هناك دائمًا "ما قبل" مظلم و"ما بعد" مستنير. ما قبل الرسالة وما بعدها، ما قبل النهضة وما بعدها، ما قبل الثورة وما بعدها، وما قبل الوعي الطبقي وما بعده. تتغير الأسماء، لكن البنية تبقى واحدة: إنكار ما سبق، أو اختزاله في التخلف والجهل، مقابل الترويج لما حل بعده باعتباره بداية الوعي والحقيقة والتاريخ الجديد.
وهكذا، قد نخرج من سلفية دينية لنقع في سلفية دنيوية، ومن مقدس ديني إلى مقدس قومي أو أيديولوجي. تتغير النصوص والرموز والآباء المؤسسون، لكن تبقى الحاجة إلى مقدس لا يجوز الاقتراب منه، وإلى تاريخ ينبغي أن نقرأه وفق ما نؤمن به، بدلًا من أن نخضع ما نؤمن به لأسئلة التاريخ.
ويبقى السؤال الأهم الذي يتوجب علينا الإجابة عنه: كيف لنا أن نحول تاريخنا المقدس إلى تاريخ بشري؟
ليس المقصود أن نتخلى عن تاريخنا، ولا أن ننكره أو نهدمه، بل أن نعيده إلى مكانه الطبيعي: تاريخًا صنعه بشر، عاشوا في ظروفهم وزمانهم، أصابوا وأخطأوا، انتصروا وهزموا، بنوا وهدموا، ولا يمكن أن تكون تجاربهم، مهما بلغت أهميتها، وصفات جاهزة لمستقبلنا.
فمتى نكف عن البحث عن مستقبلنا في ماضينا؟ ومتى نقيم المتاحف كشواهد على ماضينا، لا كأحلام لمشاريعنا المستقبلية؟ ومتى نتحرر من الاعتقاد بأن خلاصنا موجود في مكان ما خلفنا، وأن مهمتنا ليست صناعة مستقبل جديد، بل استعادة زمن مضى؟ ومتى نرى التعددية الفكرية خارج بوتقة السلفية، دينية كانت أم دنيوية، وخارج كل فكر مشنوق بحبل مقدس؟
ربما يبدأ تحررنا الحقيقي من التاريخ عندما نتوقف عن محاولة العيش فيه. وحين يصبح الماضي ذاكرة نتعلم منها، لا مستقبلًا نحلم بالعودة إليه.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كولومبيا.. من خندق فلسطين إلى أحضان إسرائيل
- عرب الداخل: روافد نهج الموحدة..
- الارجنتين – مصر: عدالة مجتزأة
- تعالوا معي الى حقل الألغام
- بين قناعة الفرد وسلطة الجماعة
- حين تصبح الحقوق بضاعة قابلة للمساومة
- عرب الداخل: من بن غوريون إلى بن غفير..
- عرب الداخل: بين التمسك بالحقوق أو استبدالها
- الإنسانية الإسرائيلية شوفينية مقنعة
- الذكاء الاصطناعي سيتمرد على صانعيه
- تحت المجهر: التطهير العرقي الحديث...!
- حين تصبح -المشاعر- معيارًا انتقائيًا..
- بلغاريا: عودة اليسار البراغماتي
- بين الردع والانفجار: صراع الحافة الرخوة في الإقليم
- سقوط الغرب ليس مشروعًا لنهضتنا
- أزمة مضيق هرمز، من المستفيد؟
- المثقف ليس محبوبًا… وهذه وظيفته
- الحرب على إيران: مخاض شرق أوسط جديد
- دقة قديمة ؟
- هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة


المزيد.....




- -السياحة المظلمة-..ما المتعة وراء زيارة أماكن شهدت حروبًا وف ...
- خضر محمد خضر يخرج عن صمته حول علاقته بطليقته ياسمين أبو النج ...
- فوز تاريخي لليمين المتشدد.. هل يقترب حزب -البديل من أجل ألما ...
- إيران تحذّر كوريا الجنوبية من المشاركة في عمليات عسكرية بمضي ...
- موسكو ثم كييف.. ماذا حمل ويتكوف وكوشنر في طريق عودتهم إلى وا ...
- تريند الثمانينيات يغزو مصر
- صور أقمار صناعية تكشف آثار ضربات إيرانية على قواعد أمريكية ف ...
- بعد زيارته بشخصه لسجون وادي النطرون..متى يزور النائب العام س ...
- دخان كثيف ونيران بعد تجاوز طائرة شحن -أمازون- المدرج في ميام ...
- تصعيد يتبعه آخر في لبنان.. 11 قتيلًا بينهم رضَع ومسعفون في غ ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - متى يتحول تاريخنا المقدس إلى تاريخ بشري؟