أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - المثقف ليس محبوبًا… وهذه وظيفته














المزيد.....

المثقف ليس محبوبًا… وهذه وظيفته


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 18:40
المحور: قضايا ثقافية
    


في كل مرة أراقب فيها ما يدور حولي، أشعر أن المشكلة لا تكمن في قلة الأفكار بقدر ما تكمن في هذا الاستسلام الهادئ لما هو جاهز، هذا القبول غير المعلن بأن يتولى الآخرون مهمة التفكير بدلاً عنا، وكأن الله لم يخلق العقل ليستخدمه الإنسان بل ليريحه.
الناس لا ترفض التفكير لأنها تعجز عنه، بل لأنها اعتادت أن تعيش بدونه، ولأن السؤال يرهقها، ولأن الشك يفتح أبواباً لا يرغب كثيرون في الاقتراب منها، ولأن الحقيقة، حين نقترب منها فعلاً، لا تأتي مريحة كما نتخيل، بل تحمل معها عبء التغيير، وهذا ما يهرب منه أغلبنا دون أن يعترف.
هنا تحديداً يبدأ دور المثقف، لا بوصفه شخصاً يكدس المعرفة ويستعرضها، بل بوصفه ذلك الصوت الذي يقتحم هذا الركود، ويعيد تحريك المياه التي ألف الناس سكونها حتى ظنوها عمقاً وهي في الحقيقة مجرد ركود طويل.
المثقف لا يمر على الأفكار مروراً عابراً، ولا يتعامل مع ما يسود باعتباره أمراً مفروغاً منه، بل يتوقف، ينظر، يشكك، ويطرح السؤال الذي يتجنبه الآخرون: لماذا نؤمن بهذا أصلاً؟ من الذي أقنعنا أن هذا هو الطريق الوحيد؟ وما الذي سيحدث لو جربنا أن نفكر خارج هذا الإطار الذي ورثناه دون مراجعة؟
ولأن هذه الأسئلة لا تأتي لطيفة ولا مهذبة كما يحب الناس، فإنهم غالباً ما يقابلونها بالرفض، لا لأن فيها خطأ واضحاً، بل لأنها تقترب أكثر مما ينبغي من مناطق الراحة.
الإنسان بطبيعته يدافع عن استقراره حتى لو بنى هذا الاستقرار على أوهام، ولهذا لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يطمئنه، عما يؤكد له أنه على صواب، عما يجعله ينام دون قلق. وهنا تظهر المفارقة التي تضع المثقف في مواجهة مباشرة مع مجتمعه: الناس تريد من يريحها، بينما هو يصر على أن يوقظها، وأن يضع أمامها مرآة لا تجمل، ولا تخفف، ولا تجامل.
ولا أظن أن المثقف الذي ينتظر تصفيق الناس قبل أن يتكلم يمكنه أن يقول شيئاً يستحق البقاء. القبول السريع، في أغلب الأحيان، لا يعني أن الفكرة قوية، بل يعني أنها لم تقترب من الجرح، ولم تلمس شيئاً حساساً، ولم تحرك ما يجب أن يتحرك. ولهذا، حين يبدأ المثقف في تعديل لغته وأفكاره كي تناسب الذوق العام، لا يطور خطابه كما يظن، بل يفرغه من معناه تدريجياً، حتى يتحول، دون أن ينتبه، إلى جزء من الضجيج الذي كان يفترض أن يقاومه.
المشكلة الأعمق، التي لا نحب الاعتراف بها، أن كثيراً من الناس لا يعانون من الجهل بقدر ما يعانون من هذا الكسل الذي يدفعهم لاختيار الطريق الأسهل دائماً، فيكررون ما يسمعون، ويتبنون ما ينتشر، ويرفضون ما يختلف، لا لأنهم فحصوه ووجدوه خاطئاً، بل لأنه ببساطة ليس مألوفاً.
وهنا، لا تكفي المواجهة المباشرة ولا الخطاب العالي، بل يحتاج المثقف إلى شيء أصعب بكثير: أن يعيد إحياء الرغبة في التفكير نفسه، وأن يجعل الإنسان يشعر بأن عقله ليس عبئاً بل أداة، ليس مصدر قلق بل وسيلة لفهم ما يدور حوله بدل أن يبقى متفرجاً عليه.
وفي بيئة تنشغل بالتفاصيل السطحية، وتحتفي بما هو سريع وخفيف، يبدو هذا الدور أشبه بمحاولة السباحة عكس تيار قوي، تيار لا تخلقه رغبات الناس فقط، بل تصنعه منظومة كاملة تدفع نحو الاستهلاك السهل: تعليم لا يسأل بل يلقن الطالب، إعلام يفضل الإثارة على المعنى، وحياة يومية تترك الإنسان مرهقاً إلى درجة تجعله يبحث عن أي شيء يهرب به من التفكير بدل أن يقترب منه.
ومع ذلك، لا أرى في هذا مبرراً للمثقف كي يستسلم أو يخفف من حدة ما يقول، بل أراه سبباً إضافياً لأن يتمسك أكثر، وأن يوضح أكثر، وأن يصر على أن العمق ليس رفاهية، بل ضرورة.
الثمن، بطبيعة الحال، ليس بسيطاً. من يصر على أن يقول ما يراه صحيحاً، سيدفع ثمنه من علاقاته، ومن راحته، وربما من فرصه أيضاً. سيسيء البعض فهمه، وسيتهمه آخرون بالتعالي، وقد يجد نفسه وحيداً في مواقف كثيرة. لكن هذا الثمن، في نظري، جزء من المعادلة، لأن الفكرة التي لا تكلف صاحبها شيئاً، غالباً لا تغير شيئاً.
في النهاية، لا أستطيع أن أرى المثقف كشخص يسعى لإرضاء الناس، ولا حتى كشخص ينتظر منهم أن يفهموه بسرعة، بل أراه كمن يختار طريقاً أطول وأصعب، طريقاً يمر عبر الشك والتفكير والمواجهة، ويقبل أن يسير فيه حتى لو لم يمشِ معه أحد في البداية. فالمجتمعات لا تتغير لأن الجميع قرر فجأة أن يفكر، بل لأن قلة أصرت على فعل ذلك، ورفضت أن تترك عقولها في عهدة الآخرين، وواصلت طرح الأسئلة، لا لأنها تملك كل الإجابات، بل لأنها تعرف أن التوقف عن السؤال هو بداية الجمود الحقيقي.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب على إيران: مخاض شرق أوسط جديد
- دقة قديمة ؟
- هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة
- السيدة التي امسكت بطرف الخيط ولم تفلته حتى فضحت ابستين
- بين المهنة والفكر: من يقود المستقبل؟
- العيش داخل الكذبة…
- رفض الملالي لا يعني الحنين الى الشاه
- لنفكر معا: المدرسة وما أدراك ما المدرسة!
- وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب
- السامية: من الفضاء اللغوي إلى التوظيف السياسي
- غاز السياسة: صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر
- لماذا لا يحترمون آلامنا..!
- يوروفيجن وإسرائيل: صوت الميكروفون وصمت الضمير
- القائمة المشتركة في الكنيست: حلم الوحدة العربية بين المد وال ...
- مقتل ياسر أبو شباب وبقاء الظاهرة
- فاشية التلال..!
- صوت ممداني يطرق جدران الدولة العميقة
- الحكومة الإسرائيلية على حافة السقوط
- هكذا يتبخر التضامن العالمي مع غزة
- نتيجة الحرب تقاس بحجم الخسارة


المزيد.....




- بندقية وسيف ذهبي.. زعيما كوريا الشمالية وبيلاروسيا يتبادلان ...
- مسؤول في -البنتاغون- يكشف عدد الإصابات بصفوف الجيش الأمريكي ...
- هكذا وجه رئيس برلمان إيران تهديدا لأمريكا إن نشرت قوات برية ...
- -لم نرد هذه الحرب وسعينا لتجنبها-.. أنور قرقاش يعلق على ثبات ...
- نساء كينيات ضحايا ترند: تصوير بكاميرات خفية وتعليقات مسيئة
- إيران: غارات أمريكية وإسرائيلية تستهدف منشأة نووية
- فعاليات المؤتمر الدولي الأول لمناهضة الفاشية والإمبريالية
- -سيل من الأكاذيب- و-شيء من الحقيقة-... حرب الذكاء الاصطناعي ...
- مظاهرات في إيران دعما للقوات المسلحة والحرس الثوري الإيراني ...
- أزمة وقود متزايدة وأسعار مرتفعة في عدة دول آسيوية


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - المثقف ليس محبوبًا… وهذه وظيفته