أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة














المزيد.....

هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 08:23
المحور: قضايا ثقافية
    


يا إلهي، كيف يسرقون هذا العالم بوقاحة لص يرتدي بذلة رسمية، بينما نقف نحن، المثقفون والباحثون والفقراء، على أرصفة الانتظار نلوك أحلامنا المهترئة؟ إنني أرى ذاك "السطحي" الذي لا يعرف الفرق بين الفلسفة ونوع السجائر، يكدس الذهب والشهرة في جيوبه المثقوبة بالجهل، بينما يغرق الطبيب والباحث في أقبية النسيان، يفتشون عن بصيص ضوء خلف تلال من الورق الأصفر، وكأننا نعيش في سيرك عظيم يدير دفته مهرج فاشل يرفع التفاهة إلى سدة الحكم ويجلد العمق بسياط التهميش المتعمد.
إن هذا الخراب الذي يحيط بنا ليس مجرد سحابة صيف عابرة أو خلل في ذائقة المارة، بل هو هندسة دقيقة لـ "نظام التفاهة" الذي يوزع المكافآت على كل من يتقن فن الخفة، ويحكم بالأشغال الشاقة على كل من يتجرأ على حمل وزر الجدية في زمن الضحك الرخيص.
لا أحدثكم هنا عن مؤامرة تحاك في الغرف المظلمة خلف الستائر المخملية، بل عن منطق سوق بارد يحول الإنسان إلى مجرد "ترس إداري" مطيع، كائن لا يزعج المؤسسات بأسئلته المقلقة، ولا يعطل حركة البيع والشراء بتفكيره النقدي الذي يفسد متعة الاستهلاك البليد.
النظام يرتعد من المبدع الحقيقي لأنه يفكك الأوهام ويقترح بدائل لا تروق لتجار الأزمات، بينما يفتح ذراعيه للسطحي الذي يبتلع كل ما يلقى إليه من فتات التفاصيل الصغيرة، ولذلك نراهم يشيدون بيئة رمادية باهتة، لا تسمح بظهور عبقرية حادة ولا فشل مدوٍ، بل تكتفي بمستوى متوسط من الوعي يضمن بقاء القطيع يسير في الاتجاه المرسوم له سلفاً دون أدنى تذمر.
أما في السياسة، فالمجتمعات التي تغرق في بحار "الترندات" وأخبار فضائح المشاهير، تشبه العجين السهل في يد الخباز، إذ يسهل اقتيادها بعيداً عن أسئلة الحقوق والعدالة، فهم لا يحتاجون لإخفاء القضايا الكبرى، بل يكفيهم إغراقها في سيل من الأخبار الجانبية التافهة التي تعمل كـ "مخدر جماعي" يجعلنا ننسى جراحنا العميقة لننشغل بـ "بث مباشر" لمهرج جديد.
وحتى السوق، هذا الغول الذي لا يشبع، يفضل المستهلك الذي يقوده الانفعال والتقليد الأعمى على ذاك الذي يتوقف ليفحص ويقارن ويسأل عن القيمة الحقيقية للأشياء، فيضخ في عروقنا محتوى يثير الغرائز ويشل التفكير، لأن بيع الأوهام للغارقين في السطح أسهل بكثير من إقناع من يغوص في العمق.
الخوارزميات اليوم هي السجان الجديد، فهي لا تبحث عن الفائدة أو الحكمة، بل تطارد عدد الدقائق التي نقضيها ونحن نحدق في الشاشات ببلاهة، ترفع كل ما هو مستفز وصادم ليتصدر المشهد، بينما تدفن المعرفة الهادئة تحت ركام النسيان، حتى أصبحنا نقيس قيمة الإنسان بعدد "المشاهدات"، واستبدلنا الخبير الحقيقي بـ "مؤثر" لا يملك من أمره إلا صراخه الأجوف.
إنهم يخنقون الجودة ببطء ويلمعون الرداءة حتى تلمع كالألماس المزيف، يصنعون لنا قدوات هشة من ورق، فينهار إيماننا بالاجتهاد والتعلم الطويل، ويفقد المجتمع بوصلته ليصبح مجرد صدى للضجيج العابر.
ومع كل هذا القبح، تكمن قوة هذا النظام في استسلامنا الطوعي، فنحن من نمنحهم أغلى ما نملك: "انتباهنا"، ذاك المورد الذي يوجه وعينا ويصيغ أيامنا، والمواجهة الحقيقية لا تبدأ بالصراخ في الشوارع المهجورة، بل باستعادة السيطرة على عقولنا ووقتنا، باختيار ما نغذي به أرواحنا، وبإعادة تعريف النجاح كأثر عميق يتركه الإنسان في قلب الحياة، لا كحضور صاخب ينتهي بانتهاء شحن البطارية. في هذا الزمن الذي يزن القيمة بميزان "التفاعل" الزائف، يظل الوعي هو فعل المقاومة الوحيد الذي لم يستطيعوا تدجينه بعد.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السيدة التي امسكت بطرف الخيط ولم تفلته حتى فضحت ابستين
- بين المهنة والفكر: من يقود المستقبل؟
- العيش داخل الكذبة…
- رفض الملالي لا يعني الحنين الى الشاه
- لنفكر معا: المدرسة وما أدراك ما المدرسة!
- وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب
- السامية: من الفضاء اللغوي إلى التوظيف السياسي
- غاز السياسة: صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر
- لماذا لا يحترمون آلامنا..!
- يوروفيجن وإسرائيل: صوت الميكروفون وصمت الضمير
- القائمة المشتركة في الكنيست: حلم الوحدة العربية بين المد وال ...
- مقتل ياسر أبو شباب وبقاء الظاهرة
- فاشية التلال..!
- صوت ممداني يطرق جدران الدولة العميقة
- الحكومة الإسرائيلية على حافة السقوط
- هكذا يتبخر التضامن العالمي مع غزة
- نتيجة الحرب تقاس بحجم الخسارة
- حين تتحول جائزة نوبل إلى تهمة
- حتى التنهيدة باتت جريمة أمنية
- قراءة بعيون فلسطينية لخطة ترامب لوقف الحرب


المزيد.....




- بعد اصطدامها بكومة ترابية.. شاهد شاحنة تحلق في الهواء وتقتحم ...
- بالشرق الأوسط.. أقمار صناعية ترصد الحشد العسكري الأمريكي وقر ...
- خريطة تكشف مواقع انتشار الطائرات والأصول البحرية الأمريكية ق ...
- بالأسماء.. دول عربية بدأت رمضان الأربعاء وأخرى الخميس وسط تض ...
- كيف أسهم شراء الأراضي والجزر في تكوين الولايات المتحدة بحدود ...
- مباشر: واشنطن تؤكد إحراز -تقدم هام- في محادثات جنيف بين روسي ...
- واشنطن تؤكد إحراز -تقدم هام- في محادثات جنيف بين روسيا واوكر ...
- عصر -المصحف الذكي-.. تعرف على أفضل تطبيقات القرآن في رمضان
- الجيش الأمريكي يعلن قتل 11 شخصاً في غارات استهدفت 3 زوارق يُ ...
- أين نقف الآن بعد محادثات أجرتها الوفود الأمريكية والإيرانية ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة