أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ناضل حسنين - العيش داخل الكذبة…














المزيد.....

العيش داخل الكذبة…


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 09:26
المحور: القضية الفلسطينية
    


حين كتب الرئيس التشيكي المفكر فاتسلاف هافل عن البقال الذي علق لافتة تقول: "يا عمال العالم اتحدوا"، لم يكن معنيًا بالشعار ولا بمضمونه الأيديولوجي، بل بالسلوك الذي يقف خلفه إبان حكم الشيوعيين في بلاده. البقال لم يؤمن بما كتب، لكنه علق اللافتة لأنه خشي العواقب. لم يفرض عليه أحد ذلك بالقوة، لكنه اختار الامتثال، وتصرف كما لو أنه مقتنع، وأقنع نفسه بأن هذا هو السلوك العقلاني لتفادي المتاعب. هافل سمى هذا السلوك: العيش داخل الكذبة.
هذه الفكرة لا تنتمي إلى زمن بعيد ولا إلى جغرافيا منقضية. نحن نراها اليوم تتجسد بوضوح في المجتمع العربي داخل إسرائيل، حيث تشكل تيار سياسي واسع يروج لنهج المهادنة القائمة على الخوف، ويغلفها بخطاب الحكمة والواقعية. هذا التيار لا يقول إنه يخشى السلطة، بل يصر على أنه يفهمها. لا يعترف بالخوف، بل يحوله إلى قناعة، ويقدمه للناس بوصفه الطريق السليم الوحيد لنيل الحقوق.
هذا التيار لا يكتفي بالصمت، بل يمارس التقارب مع الحاكم بوصفه غاية بحد ذاتها. يسعى إلى القرب من مراكز القوة، يحتضن من يمارس الإقصاء والتمييز، يسير معهم سياسيًا وإعلاميًا، ويبرر ذلك بالقول إن "الطريق يمر من هناك". لا يرى في هذا التقارب تنازلًا، بل استثمارًا، حتى وإن دفع مقابله أثمانًا سياسية وأخلاقية تفوق بكثير ما يجنيه من مكاسب.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية. هذه الفئة من المجتمع تظهر استعدادًا شبه مفتوح للتنازل عن كل ما يطلب منها: تخفيف الخطاب، شطب المطالب الجماعية، تجنب القضايا القومية، بل أحيانًا تبرير سياسات الحاكم أو الصمت عنها، مقابل تحقيق تقارب مع السلطة لا يمنحها في النهاية سوى فتات. تقارب يكلفها الكثير، ويعيد لها القليل، لكنها تصر على تسويقه كإنجاز.
في المجتمع العربي، قدم هذا التيار نفسه بوصفه تيار البراغماتيين، أولئك الذين "تجاوزوا الشعارات" و"فهموا قواعد اللعبة". هاجم من رفع صوته، واتهمه بالضوضائية، واعتبر التمسك بالثوابت نوعًا من العناد غير المجدي. وفي المقابل، قبل بما تمنحه السلطة، واعتبره منّة، متناسيًا أن ما يحصل عليه لا يشكل سوى جزء ضئيل من حقوق أصلية كان يفترض أن يحصل عليها دون مقابل.
مع الوقت، لا يكتفي هذا النهج بإدارة العلاقة مع السلطة، بل يعيد تشكيل وعي المجتمع نفسه. يعلم الناس أن يطلبوا أقل، وأن يتوقعوا أقل، وأن يشكروا على الأقل. يحول الحقوق إلى هبات، والفتات إلى إنجازات، والتنازل إلى فضيلة سياسية. وهكذا، لا تعود المشكلة في ما تمنحه السلطة، بل في ما يجرؤ المجتمع على المطالبة به.
كما في مثال هافل، لا تحتاج السلطة هنا إلى فرض الكذبة بالقوة. هذا التيار يتكفل بالمهمة. يعلق اللافتة طوعًا، يدافع عنها، ويهاجم من يحاول نزعها. يقنع نفسه والآخرين بأن هذا هو "النهج الحكيم"، حتى وإن أثبت الواقع مرارًا أن هذا النهج لا يحمي الحقوق، ولا يضمن الأمان، ولا يغير ميزان القوة.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يفرغ المجتمع من قدرته على الاعتراض. حين يقبل الناس بمنطق التنازل الدائم، يفقدون القدرة على رسم سقف واضح. وحين يقايضون الثوابت بالتقارب، يكتشفون لاحقًا أن التقارب لا يمنحهم مكانة، بل يضعهم في موقع التابع المطالب بالمزيد من التنازل مقابل أقل قدر من الاعتراف.
هافل لم يقل إن نزع اللافتة سهل أو بلا ثمن. لكنه حذر من ثمن أخطر: أن يعتاد الناس العيش داخل الكذبة، وأن يدافعوا عنها، وأن يبنوا وعيهم السياسي والاجتماعي على أساسها. في حالتنا، لا يطرح السؤال نفسه حول شجاعة المواجهة فقط، بل حول جدوى التقارب الذي يكلفنا الكثير، ويعيد إلينا أقل بكثير مما ندفعه ثمنًا له.
السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: هل نعيش داخل هذا النهج لأنه يحمينا فعلًا، أم لأننا أقنعنا أنفسنا طويلًا أن التنازل هو الطريق الأقصر، حتى لو قادنا إلى خسارة ما لا يعوض؟



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رفض الملالي لا يعني الحنين الى الشاه
- لنفكر معا: المدرسة وما أدراك ما المدرسة!
- وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب
- السامية: من الفضاء اللغوي إلى التوظيف السياسي
- غاز السياسة: صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر
- لماذا لا يحترمون آلامنا..!
- يوروفيجن وإسرائيل: صوت الميكروفون وصمت الضمير
- القائمة المشتركة في الكنيست: حلم الوحدة العربية بين المد وال ...
- مقتل ياسر أبو شباب وبقاء الظاهرة
- فاشية التلال..!
- صوت ممداني يطرق جدران الدولة العميقة
- الحكومة الإسرائيلية على حافة السقوط
- هكذا يتبخر التضامن العالمي مع غزة
- نتيجة الحرب تقاس بحجم الخسارة
- حين تتحول جائزة نوبل إلى تهمة
- حتى التنهيدة باتت جريمة أمنية
- قراءة بعيون فلسطينية لخطة ترامب لوقف الحرب
- كولومبيا تصرخ... والعرب يبتلعون ألسنتهم
- عقوبات المستوطنين: تبرئة الدولة وتجاهل جوهر المشكلة
- مثقفون بسقف واطئ


المزيد.....




- ما هي القضية العالقة بمحادثات روسيا وأوكرانيا وأمريكا ولماذا ...
- لحظة وصول المتسلق أليكس هونولد إلى قمة ناطحة سحاب تايبيه.. ب ...
- من هم الأكراد؟
- مجلس ترامب للسلام: مسارعون ورافضون ومترددون، وأهل غزة ينتظرو ...
- واشنطن تستعد لترحيل مهاجرين إيرانيين
- -أوميغا 3- صديق القلب.. هل يربك سكر الدم؟
- تعاون ودعم سري.. إسرائيل تواجه حماس بـ-الأسطل-
- عاصمة غرينلاند تغرق في الظلام.. غموض يكتنف السبب
- بعد عاصفة الاعتذار.. ترامب يغير -نبرته- مع بريطانيا
- بدء التصويت في الجولة الأخيرة من انتخابات ميانمار


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ناضل حسنين - العيش داخل الكذبة…