أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناضل حسنين - وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب














المزيد.....

وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 15:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في مجتمعاتنا، لا أحد ينكر أن التديّن يأخذ أشكالًا لا عد ولا حصر لها. بين من يعيش إيمانه في صمت عميق كالسر الدفين، ومن يجعل تدينه طبلًا يقرعه في كل منبر كي يدوي قبل أن يوضح. هذا التنوع في ذاته طبيعي، بل دليل على اختلاف البشر وتفاوت تجاربهم. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الإيمان من تجربة روحية تصالح الإنسان مع نفسه، إلى راية للتلويح أمام الناس، وبطاقة تعريف اجتماعية تسبق صاحبها إلى كل مكان.
هناك فئة لا بأس بها، يدخل أفرادها إلى عالم التدين كما يدخل المرء إلى غرفة جديدة: دفعة واحدة، دون مقدمة أو صراع داخلي. تتغير ملامحهم بسرعة مدهشة، ملبسهم، لغتهم، دوائرهم، وحتى نبرة الصوت التي تصعد درجة كأنها تعلن ولادة جديدة. غير أن اللافت هنا ليس التدين بحد ذاته، بل الإصرار على أن يقدم ذاته الجديدة أمام الآخرين، لكي يحظى بمعاملة تتناسب مع لافتة جديدة معلقة على الصدر.
بهذه الصورة، يصبح التدين رأسمالًا اجتماعيًا أكثر منه قناعة شخصية. وسيلة صعود لا طريق تزكية. يرفع صاحبه لافتاتٍ ضخمة كتب عليها: "الصدق، التقوى، العفة، العدل"، وكأن الرموز تغني عن الجوهر. والمجتمع بدوره يتغاضى، لا يسأل كثيرًا، لأن المظهر الجديد يكفي لتغطية كل ما قبله.
من هنا نفهم الحماسة المفرطة عند البعض في "الدفاع عن الدين". يبدو دفاعهم عقائديًا في الظاهر، لكنه في العمق دفاع عن الذات الجديدة، عن الصورة التي صمموها بعناية، عن الدرع الذي يحجب ماضيًا أو شكًا أو ضعفًا. فحين يتعرض الدين لسؤال أو لتأويل جديد، يقفز المتدين الشكلي إلى الصفوف الأولى، يقصف ذاك المختلف بأسلحة التخوين والتخويف والتكفير، لا لأنه الأشد غيرةً على العقيدة، بل لأنه يخاف أن تهتز صورته ومكانته الشخصية.
هنا يغدو التدين غطاءً أكثر منه تجربة إيمانية. غطاءً لأخطاءٍ أو تناقضات أو رغبة في التطهر أمام الناس، لا أمام الله. فيختفي الإيمان الصامت، ذاك الذي لا يحتاج تصفيقًا ولا جمهورًا، لأنه ببساطة لا يدر مكاسب اجتماعية ولا يصنع "مكانة الواعظ".
المفارقة أن هذا النمط من التدين يقف على النقيض من جوهر الفكرة الدينية نفسها. فالإيمان الصافي فعل ثقة وطمأنينة، لا فعل استعراض وقلق. المؤمن الحقيقي لا يصرخ مدافعًا في كل جدل، لأنه يعرف أن الله لن يتعرض لتهديد بسؤال، ولا يحتاج لمحامين غاضبين. فالعقيدة، حين تكون صادقة، لا ترتبك من النقاش، ولا تخاف من الاختلاف.
أما حين يتم اختزال الدين إلى أداة اجتماعية، فإنه يتحول إلى منظومة عصبية، يتحكم بها الخوف من فقدان النفوذ لا الخشية من الله. عندها لا يعود الفارق بين الناس في درجة الإيمان، بل في دوافع التدين: هناك من يؤمن لأنه وجد في الإيمان معنى، وهناك من يتدين لأنه وجد فيه أداة اجتماعية تنقله إلى موقع اعتباري.
وربما هنا تكمن الحقيقة المزعجة: أن كثيرًا مما يسمى "دفاعًا عن الدين" ليس إلا دفاعًا عن امتيازات رمزية وصور مصقولة. ومجرد الاقتراب من هذه الحقيقة يثير الإزعاج والخوف، لأنه يسحب الغطاء عن أوهام مريحة. لكنه اقتراب لا بد منه، إن أردنا أن نفرق بين من يعيش الدين كقيمة، ومن يستخدمه كوظيفة.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السامية: من الفضاء اللغوي إلى التوظيف السياسي
- غاز السياسة: صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر
- لماذا لا يحترمون آلامنا..!
- يوروفيجن وإسرائيل: صوت الميكروفون وصمت الضمير
- القائمة المشتركة في الكنيست: حلم الوحدة العربية بين المد وال ...
- مقتل ياسر أبو شباب وبقاء الظاهرة
- فاشية التلال..!
- صوت ممداني يطرق جدران الدولة العميقة
- الحكومة الإسرائيلية على حافة السقوط
- هكذا يتبخر التضامن العالمي مع غزة
- نتيجة الحرب تقاس بحجم الخسارة
- حين تتحول جائزة نوبل إلى تهمة
- حتى التنهيدة باتت جريمة أمنية
- قراءة بعيون فلسطينية لخطة ترامب لوقف الحرب
- كولومبيا تصرخ... والعرب يبتلعون ألسنتهم
- عقوبات المستوطنين: تبرئة الدولة وتجاهل جوهر المشكلة
- مثقفون بسقف واطئ
- أهو دعاء أم عتاب لطيف؟
- العالم العربي: طفل تصفعه اسرائيل متى غضبت
- الحضارة بين الإنتاج والحضانة


المزيد.....




- فيصل بن فرحان يطمئن واشنطن: الخلافات مع الإمارات تكتيكية ولا ...
- مفرح: خطاب الإقصاء يغذي استهداف المسيحيين في حرب السودان
- كيف تفككت السردية الإسرائيلية داخل الكنائس والمؤسسات الأميرك ...
- آلاف النازحين يحتمون بالمساجد والكنائس مع تصاعد وتيرة الاشتب ...
- مسيحيو السودان.. بين الإيمان و-الكيزان-
- سلطات الاحتلال تستولي على 694 دونما من أراضي قلقيلية وسلفيت ...
- الإسلام والسيف
- احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق ...
- مقتل فتى بعد صدم حافلة لحشد من اليهود المتشددين في القدس
- مستوطنون صهاينة يقتحمون المسجد الأقصى المبارك بحماية من قوات ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناضل حسنين - وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب