أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - دقة قديمة ؟














المزيد.....

دقة قديمة ؟


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 18:51
المحور: قضايا ثقافية
    


نحن، الذين يصفوننا بـ "الدقّة القديمة"، الراسبين من القرن الماضي، بملامحنا التي لا تعرف فلاتر التيك توك ولا الانستغرام، وشهاداتنا التي تلمع على الجدران لا في واجهات العرض. نحن أصحاب الذوق والمظهر القديم، المثقلون بسنوات أعمارنا كالشجرة مثقلة بحلقاتها، نحمل في نظراتنا نبرة المعلمين القدامى الذين يعرفون أن التجربة أثمن من الشهادة، وأن الشهادة لا تصنع إنسانًا إن لم يكن فيه ضمير.
نحن الذين نجرجر ماضينا معنا، لا خجلاً منه بل خوفاً عليه من الضياع. نحمله كما نحمل الأمانة الثقيلة، نعرف وزنه وثمنه وكم دفعنا لنحتفظ به حياً في زمن يهوى النسيان السريع. تعلمنا أن الرغيف ليس مجرد خبز، بل كرامة مخبوزة على نار الانتظار، وأن شربة الماء قد تكون أحياناً أصدق من ألف خطاب. نعرف قيمة الرغيف وشربة الماء، وإن أغلقت الأبواب كيف نصنع من الخشب مفاتيح جديدة، وإن أظلمت الدروب كيف نخلق من الشرارة شمعة تقودنا.
نعرف كيف نرد الصاع بمائتين، لا لأننا هواة خصام، بل لأننا تعلمنا أن الذاكرة التي لا تدافع عن نفسها شهية المذاق. نتقن استخدام الكمبيوتر، نعم، ولكن دون أن تنطفئ فينا دفء الأصابع التي كانت تكتب الحروف الأولى على الورق بخط مرتجف وعطر من الحبر الأسود. نعرف كيف نصنع من العدم أشياء وأشياء، لأننا جيل تربى على مبدأ بسيط: إذا لم تجد الطريق، فعليك ان تشقه بنفسك.
ومهما تآكل الجسد وخذلتنا المفاصل وبدأت ساعاتنا البيولوجية تطن كمنبه قديم لا يغلق، نعرف كيف نستل العزيمة من جيوب الأيام القاسية، كيف ننهض حين نتعثر قبل أن نسقط، وكيف نعيد ترتيب أرواحنا ولو بعكاز معنوي مكسور. لأننا تعلمنا أن الكبوة فضيلة والوقوف بعدها بطولة. نحن لا ندعي الكمال، لكننا نميز الخير من الشر حتى لو اختلطت علينا الألوان أحياناً، فنحن نرى بالحدس لا بالعين فقط، نقرأ الوجوه كما يقرأ الفلاح الغيم قبل المطر، لأن بوصلتنا ليست مبرمجة على الانحراف السريع.
نجيد فن الاعتذار دون خضوع، ونمارس المغفرة دون ضعف، لأن قلوبنا لم تتعلم بعد هندسة الأحقاد الحديثة. نعرف الأصول والحدود والاحترام، ونعرف أن الكلمة الطيبة تشفي ما لا تشفيه الخطابات، وأن الاحترام ليس زر إعجاب، بل موقف ندفع ثمنه صمتاً أحياناً ووقوفاً طويلاً أحياناً أخرى.
نحن الذين ما زلنا نعرف معنى الحب الحقيقي، ذاك الذي لا يحتاج إلى واي فاي ليبقى متصلاً، ولا إلى رموز تعبيرية ليثبت حضوره، ولا إلى أزرار هاتف للقياس، ولا إلى صور معلقة ليدوم، ولا إلى وعد نردده ليبقى. نعرف الوفاء حين كان كلمة تقال مرة وتكفي العمر كله، كما نعرف الماء بلا لون لكنه حياة. نعشق رائحة الخبز حين يخرج ساخناً كقلب أم، ورائحة الأرض بعد المطر حين تتكلم التربة بلغتها الأولى، ونعرف طعم كل الفصول لأننا عشناها فعلاً، لا لأننا مررنا عليها بأصابعنا فوق شاشة.
صحيح… معرفتنا أوسع من قدرتنا أحياناً، وخطانا أبطأ من زمن يركض بلا سبب، لكننا، رغم كل هذا الصدأ الجميل، ما زلنا نحاول أن نبقى واقفين في وجه الريح، لا لنثبت أننا الأفضل، بل كي لا نصبح مجرد حاشية منسية في كتاب هذا العصر. نعرف أن الشمس قد تغيب، لكن الضوء الذي علمناه للآخرين لا يغيب. ما زلنا نحاول السير بثبات وكرامة، كما يفعل كل من يعرف أن الجمال في الصمود لا في السرعة.
لكن كل ما نخشاه… كل ما يخز قلوبنا كوخزة برد مباغت… أن نكون فعلاً… آخر نسخة من جيلٍ كهذا، جيلٍ كان يخطئ بشرف، ويحب بصدق، ويصمت حين يكون الكلام بلا معنى، ويؤمن أن الإنسان ليس بما يملك، بل بما يبقى منه حين يذهب كل شيء.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة
- السيدة التي امسكت بطرف الخيط ولم تفلته حتى فضحت ابستين
- بين المهنة والفكر: من يقود المستقبل؟
- العيش داخل الكذبة…
- رفض الملالي لا يعني الحنين الى الشاه
- لنفكر معا: المدرسة وما أدراك ما المدرسة!
- وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب
- السامية: من الفضاء اللغوي إلى التوظيف السياسي
- غاز السياسة: صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر
- لماذا لا يحترمون آلامنا..!
- يوروفيجن وإسرائيل: صوت الميكروفون وصمت الضمير
- القائمة المشتركة في الكنيست: حلم الوحدة العربية بين المد وال ...
- مقتل ياسر أبو شباب وبقاء الظاهرة
- فاشية التلال..!
- صوت ممداني يطرق جدران الدولة العميقة
- الحكومة الإسرائيلية على حافة السقوط
- هكذا يتبخر التضامن العالمي مع غزة
- نتيجة الحرب تقاس بحجم الخسارة
- حين تتحول جائزة نوبل إلى تهمة
- حتى التنهيدة باتت جريمة أمنية


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يهاجمون دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغ ...
- سوريا.. ألغام النظام السابق تقتل وتجرح جنديين بمنطقة التنف ب ...
- السيسي: سننفذ أي إجراء لحماية السعودية
- موقع: أوكرانيا فشلت باعتراض أي صواريخ باليستية أو جوية روسية ...
- الشيباني: قرار إسرائيل ضم الجولان السوري المحتل حبر على ورق ...
- زيلينسكي: القيود على -ستارلينك- لا تزال تعيق عمليات الجيش ال ...
- تهديد زيلينسكي لأوروبا يثير التهكم والسخرية في بولندا
- الحوثيون: إسقاط طائرة أباتشي تابعة للجيش السعودي قبالة منطقة ...
- إذا حاول الديمقراطيون عزله مجددًا.. ترامب يلوّح بفتح ملفات ض ...
- -السلطات لا تصغي إلينا-.. غضب الشباب الفرنسي يتصاعد في باريس ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ناضل حسنين - دقة قديمة ؟