ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 22:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كلما أعدنا النظر في تاريخنا الفكري والسياسي، بدا واضحًا أن جزءًا معتبرًا من الوعي العربي ظل أسير نظرة ملتبسة إلى الغرب، نظرة تجمع بين الترقب المشوب بالأمل، والشك العميق في قدرة هذا الغرب على الاستمرار.
وعلى امتداد عقود، حضرت فكرة أفوله في كتابات عربية كثيرة، مرة بصيغة اليقين الأخلاقي والحضاري، ومرة بصيغة التفسير السياسي القائم على المصالح والصراعات والمؤامرات. وبين هذا وذاك، بقيت الفكرة نفسها تتردد: الغرب إلى زوال، وما علينا إلا انتظار اللحظة.
لكن هذا التصور، على جاذبيته النفسية، يطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه: هل نحن أمام قراءة تاريخية رصينة، أم أمام رغبة دفينة في رؤية خصمٍ طال حضوره يتراجع من تلقاء نفسه؟ فالتاريخ لا يخضع للأماني، ولا يتحرك وفق ما نشتهي، بل وفق موازين العمل والإنتاج والقدرة على التجدد.
كثيرون في فضائنا العربي ربطوا بين انكسار الغرب وإمكانية نهوضنا. بدا الأمر، في نظرهم، وكأن سقوطه هو الشرط السابق لعودتنا، وأن تراجعه وحده كفيل بفتح الطريق أمام الشرق ليستعيد مكانته.
وقد تبنت هذه الفكرة تيارات شتى، على اختلاف منطلقاتها. فالإسلاميون رأوا في تراجع الغرب فرصة لاتساع المجال أمام الإسلام، والقوميون تخيلوا فيه مدخلًا لانبعاث الأمة، فيما نظر إليه اليساريون باعتباره النهاية الطبيعية لمركز إمبريالي طالما هيمن على العالم.
غير أن تجارب الأمم لا تؤيد هذا المنطق. فالأمم التي نهضت فعلًا لم تنتظر خصومها حتى ينهاروا. في الشرق الأقصى، لم تربط الصين أو اليابان أو كوريا الجنوبية مصيرها بسقوط الغرب، ولم تجعل تقدمها معلقًا على أفوله. لقد انشغلت ببناء ذاتها، وطورت أدواتها، ودخلت ميادين المنافسة من باب الإنجاز لا من نافذة التمني. وهكذا تمكنت من فرض حضورها في الاقتصاد والتكنولوجيا والأسواق، بما فيها أسواق الغرب نفسه.
أما نحن، فما زلنا في كثير من الأحيان نراقب العالم بعقلية المنتظر، كأن نهضتنا مؤجلة إلى حين تعثر الآخرين. بدلاً من أن ننصرف إلى بناء مشروعنا، استسهلنا التعلق بسردية انهيار الغير. وبدلاً من أن نسأل كيف ننتج المعرفة ونصنع القوة ونؤسس لحداثتنا الخاصة، بقينا نكرر السؤال الأقل جدوى: متى ينهار الغرب؟
الحقيقة أن التاريخ لا يكافئ من ينتظر، بل من يفعل. ولا يفتح أبوابه لمن يراهن على سقوط غيره، بل لمن يملك الإرادة لينهض بنفسه. ولهذا، فإن السؤال الأجدر بأن يشغلنا ليس متى يتراجع الغرب، بل متى نغادر نحن منطقة الترقب، ونبدأ أخيرًا في صناعة مصيرنا بأيدينا.
#ناضل_حسنين (هاشتاغ)
Nadel_Hasanain#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟