أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - ناضل حسنين - كولومبيا.. من خندق فلسطين إلى أحضان إسرائيل















المزيد.....

كولومبيا.. من خندق فلسطين إلى أحضان إسرائيل


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 15:43
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


ثمة تحولات سياسية تحتاج إلى سنوات حتى تنضج وتظهر نتائجها، وثمة تحولات أخرى تقع بسرعة تجعل المراقب يتساءل: هل تغير المجتمع فعلًا، أم أن صناديق الاقتراع جاءت برئيس يحمل مشروعًا مناقضًا تمامًا لسلفه؟ وما يحدث اليوم في كولومبيا يقدم نموذجًا صارخًا لهذا النوع من التحولات.
فخلال سنوات حكم الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، تحولت كولومبيا إلى واحدة من أكثر دول أميركا اللاتينية انتقادًا لإسرائيل، وبرز بيترو نفسه بوصفه واحدًا من أشد زعماء العالم لهجة تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ولم يكتف بيترو ببيانات دبلوماسية محسوبة أو دعوات عامة لوقف الحرب، بل ذهب بعيدًا في مواجهة إسرائيل سياسيًا ودبلوماسيًا، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها في أيار/مايو عام 2024، ووجه انتقادات حادة إلى بنيامين نتنياهو وحكومته، كما اتخذت بلاده خطوات لدعم المسار القانوني الذي بادرت إليه جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي.
وبذلك أصبحت كولومبيا في عهد بيترو جزءًا بارزًا من المعسكر الدولي الداعم للفلسطينيين، ووصل خطاب رئيسها أحيانًا إلى مستوى من الحدة لم نسمعه من عدد من الزعماء العرب أنفسهم.
لكن كولومبيا التي يقودها بيترو تستعد اليوم لتسليم مفاتيح القصر الرئاسي إلى رجل يقف في الجهة المقابلة تمامًا. الرئيس المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا لا يخفي انحيازه إلى إسرائيل، بل يبدو أنه يريد أن يجعل إعادة بناء العلاقات معها واحدة من العلامات الأولى لعهد جديد في السياسة الخارجية الكولومبية.
فالحكومة المقبلة تمضي بالفعل نحو إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل اعتبارًا من السابع من آب/اغسطس، وهو اليوم نفسه الذي سيتولى فيه دي لا إسبرييلا منصبه رسميًا. وقد اتفق وزير الخارجية الكولومبي المعيّن عمر بولا مع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على خريطة طريق تشمل تعيين السفراء ابتداء من ذلك التاريخ، وإلغاء متطلبات التأشيرة بين البلدين، وصولًا إلى نقل السفارة الكولومبية من تل أبيب إلى القدس.
وإذا تم تنفيذ هذه الخطوات وفق الجدول المعلن، فإن إعادة العلاقات مع إسرائيل ستكون من أولى الخطوات السياسية التي تميز عهد الرئيس الجديد، وربما الأكثر رمزية بينها.
لكن نقل السفارة إلى القدس يتجاوز بكثير مسألة إعادة العلاقات الدبلوماسية. فهذه خطوة سياسية شديدة الحساسية، تعني أن كولومبيا الجديدة لن تكتفي بطي صفحة بيترو، وإنما ستذهب أبعد من السياسة التي اتبعتها حكومات كولومبية سابقة تجاه إسرائيل، لتضع نفسها ضمن مجموعة محدودة من الدول التي اختارت فتح سفاراتها في القدس، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية ابرزها الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على ما تعتبره "القدس الموحدة".
والأكثر إثارة للانتباه أن هذا التحول لا يبدو قرارًا دبلوماسيًا منفردًا، بل جزءًا من رؤية سياسية متكاملة لدى الرئيس المنتخب. فدي لا إسبرييلا تحدث خلال حملته عن رغبته في إعادة بناء الشراكة الأمنية والعسكرية مع إسرائيل، والاستفادة من التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن والتجارة.
أي أننا لسنا أمام مجرد مصالحة بين دولتين اختلفتا ثم قررتا استئناف العلاقات، وإنما أمام انتقال سريع من سياسة تعتبر إسرائيل دولة ينبغي الضغط عليها وعزلها بسبب حرب غزة، إلى سياسة ترى فيها شريكًا استراتيجيًا ينبغي إعادة التحالف معه.
وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاهله: ماذا حدث للكولومبيين؟ هل انتقل المجتمع الكولومبي فعلًا، خلال فترة قصيرة، من تأييد رئيس جعل الدفاع عن الفلسطينيين أحد أبرز عناوين سياسته الخارجية، إلى انتخاب رئيس يرفع راية التحالف مع إسرائيل؟
الجواب، على الأرجح، أكثر تعقيدًا من ذلك. فالانتخابات في كولومبيا لم تكن استفتاءً على إسرائيل وفلسطين، والناخب الكولومبي لم يذهب إلى صندوق الاقتراع ليختار بين نتنياهو والفلسطينيين. القضايا التي تشغل المواطن الكولومبي في حياته اليومية مختلفة: الأمن والجريمة والاقتصاد والبطالة والمخدرات ومستقبل عملية السلام والعلاقة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى تقييمه لأداء حكومة بيترو نفسها.
ومن هنا، فإن فوز دي لا إسبرييلا لا يعني بالضرورة أن ملايين الكولومبيين الذين صوتوا له يؤيدون نقل السفارة إلى القدس أو يرفضون الحقوق الفلسطينية. مثلما أن انتخاب بيترو قبل أربعة أعوام لم يكن يعني بالضرورة أن كل من صوت له يؤيد قطع العلاقات مع إسرائيل.
ما تكشفه الانتخابات، في الحقيقة، هو عمق الاستقطاب السياسي والأيديولوجي داخل كولومبيا. بيترو ودي لا إسبرييلا لا يمثلان مجرد رئيسين يختلفان حول بعض الملفات. إنهما يمثلان رؤيتين متناقضتين تقريبًا لموقع كولومبيا في العالم. الأول جاء من اليسار، واقترب من قضايا الجنوب العالمي، وجعل القضية الفلسطينية جزءًا من خطابه السياسي والأخلاقي. أما الثاني فينتمي إلى اليمين المتشدد، ويريد إعادة بلاده إلى محور أكثر قربًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، ويضع الأمن والتعاون العسكري ومواجهة ما يعتبره تهديدات إرهابية في مقدمة أولوياته.
والمفارقة أن كولومبيا، قبل عهد بيترو، كانت لسنوات طويلة من أقرب حلفاء إسرائيل في أميركا اللاتينية، ولا سيما في مجالات الأمن والتعاون العسكري. ولذلك يمكن النظر إلى عهد بيترو باعتباره قطيعة استثنائية مع هذا المسار التاريخي، بينما يرى أنصار الرئيس المنتخب أن ما يحدث الآن ليس تأسيسًا لعلاقة جديدة، وإنما إعادة كولومبيا إلى تحالفاتها التقليدية.
لكن دي لا إسبرييلا يريد، على ما يبدو، الذهاب أبعد من مجرد العودة إلى الماضي. ففتح سفارة في القدس، وإعادة التعاون الأمني والعسكري على نطاق واسع، وإعادة العلاقات منذ اليوم الأول تقريبًا لتوليه السلطة، كلها رسائل تقول إن إسرائيل لن تكون مجرد دولة تعيد كولومبيا العلاقات معها، بل قد تصبح أحد أبرز حلفائها في عهد الرئيس الجديد.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي نادر: رئيس يغادر القصر الرئاسي بعدما جعل بلاده واحدة من أبرز الأصوات الدولية المناهضة للسياسة الإسرائيلية، ورئيس يدخل القصر نفسه وهو يستعد لإعادة العلاقات مع إسرائيل ونقل سفارة بلاده إلى القدس.
بين الرئيس الخارج والرئيس الداخل لا تفصل سوى مراسم تسليم السلطة، لكن في السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط تبدو المسافة بينهما وكأنها آلاف الكيلومترات.
وهذا التحول الحاد لا يخبرنا فقط عن علاقة كولومبيا بإسرائيل وفلسطين، بل يكشف شيئًا أعمق عن كولومبيا نفسها: إنها دولة تعيش استقطابًا سياسيًا حادًا يسمح لصناديق الاقتراع بأن تنقل سياستها الخارجية من أقصى اتجاه إلى نقيضه خلال دورة انتخابية واحدة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع رئيس واحد أن ينقل بلدًا بأكمله من المعسكر الفلسطيني إلى الساحة الإسرائيلية، أم أن نصف كولومبيا الآخر سيبقى في مكانه، منتظرًا الانتخابات المقبلة كي يدير الدفة من جديد؟
ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح لفهم كولومبيا الجديدة. فالمشهد الذي سنراه في السابع من آب/اغسطس لن يكون مجرد انتقال للسلطة بين رئيسين، بل قد يكون اليوم الذي تبدأ فيه بوغوتا، رسميًا، رحلة العودة من رام الله إلى القدس.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرب الداخل: روافد نهج الموحدة..
- الارجنتين – مصر: عدالة مجتزأة
- تعالوا معي الى حقل الألغام
- بين قناعة الفرد وسلطة الجماعة
- حين تصبح الحقوق بضاعة قابلة للمساومة
- عرب الداخل: من بن غوريون إلى بن غفير..
- عرب الداخل: بين التمسك بالحقوق أو استبدالها
- الإنسانية الإسرائيلية شوفينية مقنعة
- الذكاء الاصطناعي سيتمرد على صانعيه
- تحت المجهر: التطهير العرقي الحديث...!
- حين تصبح -المشاعر- معيارًا انتقائيًا..
- بلغاريا: عودة اليسار البراغماتي
- بين الردع والانفجار: صراع الحافة الرخوة في الإقليم
- سقوط الغرب ليس مشروعًا لنهضتنا
- أزمة مضيق هرمز، من المستفيد؟
- المثقف ليس محبوبًا… وهذه وظيفته
- الحرب على إيران: مخاض شرق أوسط جديد
- دقة قديمة ؟
- هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة
- السيدة التي امسكت بطرف الخيط ولم تفلته حتى فضحت ابستين


المزيد.....




- -جدار مائي- يغمر مدينة في تكساس.. فيضانات تتجاوز كارثة العام ...
- الكنيست الإسرائيلي يصوت على حل نفسه والانتخابات في هذا الموع ...
- FDA الأمريكية توافق على أول بديل فموي لحقن الكوليسترول المكل ...
- آندي بيرنهام: لماذا يعد رئيس الوزراء البريطاني الجديد لغزاً ...
- نفوق الأسد الصيني -هان هان- صاحب التسريحة الفريدة (صور)
- كييف تواصل تمجيد النازيين رغم التحذيرات الأوروبية
- الهند تدشن أول قطار هيدروجيني محلي الصنع (فيديو)
- جعجع: لبنان قطع 70% من طريق الدولة الفعلية و-حزب الله- لم يع ...
- الدفاع الروسية تحصي خسائر قوات كييف خلال أسبوع
- الكرملين ردا على ترامب: نرفض اتهام روسيا بالتدخل في الانتخاب ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - ناضل حسنين - كولومبيا.. من خندق فلسطين إلى أحضان إسرائيل