أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - حين يتحول الوقود إلى مرآة للأزمة الوطنية














المزيد.....

حين يتحول الوقود إلى مرآة للأزمة الوطنية


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 15:26
المحور: القضية الفلسطينية
    


قراءة تحليلية في المشهد الفلسطيني بعد ثلاثة عقود من أوسلو
المحامي علي أبوحبلة
لم تعد أزمة الوقود التي تشهدها الأراضي الفلسطينية مجرد نقصٍ في مادة حيوية، ولا مجرد طوابير طويلة أمام محطات المحروقات، بل غدت تعبيراً مكثفاً عن أزمة وطنية مركبة تراكمت فصولها على امتداد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً. فالمواطن الفلسطيني الذي يقضي ساعات تحت أشعة الشمس منتظراً دوره للحصول على بضعة لترات من البنزين، لا ينتظر الوقود فحسب، بل يستحضر حصيلة مرحلة كاملة امتلأت بالوعود المؤجلة والرهانات التي لم تتحقق.
إن الصورة التي تختزلها طوابير الوقود تكشف حقيقة المشهد الفلسطيني بكل تعقيداته؛ فالأزمة ليست في المحطات، وإنما في بنية سياسية واقتصادية وأمنية أصبحت رهينة للاحتلال الإسرائيلي، الذي ما زال يسيطر على المعابر والحدود والموارد وحركة البضائع والطاقة، ويستخدمها أدوات ضغط وعقاب جماعي بحق الشعب الفلسطيني.
لقد قامت فلسفة اتفاق أوسلو على فرضية الانتقال التدريجي نحو الدولة الفلسطينية المستقلة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع والاقتصاد. غير أن ما جرى على الأرض كان نقيض تلك الفرضية؛ إذ تضاعف الاستيطان، واتسعت رقعة مصادرة الأراضي، وتحولت الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة تربطها طرق خاضعة بالكامل لسيطرة الاحتلال، فيما انتشرت مئات الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي مزقت وحدة الجغرافيا الفلسطينية.
واليوم، لم يعد الفلسطيني يملك حرية التنقل داخل وطنه، ولا يستطيع الوصول إلى أرضه أو عمله أو جامعته أو مستشفاه إلا وفق المزاج الأمني للاحتلال. وأصبح المستوطن، بحماية الجيش الإسرائيلي، قادراً على تعطيل حياة مدن بأكملها وإغلاق الطرق الرئيسة، في مشهد يعكس اختلالاً كاملاً في ميزان السيطرة والسيادة.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الاحتلال لا يدير الأرض فقط، بل يدير الاقتصاد الفلسطيني أيضاً. فمن خلال التحكم بالمقاصة والمعابر والطاقة والوقود، يستطيع خنق الاقتصاد متى شاء، وهو ما يجعل أي أزمة معيشية امتداداً مباشراً لمنظومة السيطرة الإسرائيلية، ويؤكد أن غياب السيادة الاقتصادية لا يقل خطورة عن غياب السيادة السياسية.
لكن القراءة الموضوعية تقتضي أيضاً الاعتراف بأن الاحتلال ليس العامل الوحيد في تعميق الأزمة. فالانقسام الفلسطيني المستمر منذ سنوات طويلة استنزف الطاقات الوطنية، وأضعف المؤسسات، وشتت القرار السياسي، وأفقد المشروع الوطني الكثير من عناصر قوته. كما أن غياب التخطيط الاستراتيجي والإصلاح الإداري والاقتصادي، وتراجع ثقة المواطن بالمؤسسات، كلها عوامل ساهمت في تعميق حالة الهشاشة الداخلية.
إن أخطر ما أنتجته هذه المرحلة ليس فقط تراجع المؤشرات الاقتصادية أو ارتفاع نسب البطالة والفقر، وإنما تآكل ثقة المواطن بمستقبل وطنه. فحين يشعر الفلسطيني بأنه عاجز عن حماية أرضه أو منزله أو أشجار زيتونه، وأن حركته اليومية أصبحت رهناً بحاجز عسكري أو مجموعة مستوطنين، فإن الأزمة تتحول من أزمة خدمات إلى أزمة معنى، ومن أزمة معيشية إلى أزمة ثقة بالمستقبل.
ولا يمكن فصل أزمة الوقود عن مجمل الأزمات التي يعيشها الفلسطيني؛ من أنصاف الرواتب، وارتفاع المديونية، وأزمات القطاع الصحي والتعليمي، وصعوبة السفر عبر المعابر، وتراجع فرص الاستثمار. فجميعها حلقات في سلسلة واحدة عنوانها غياب السيادة واستمرار الاحتلال، مقابل الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد ترتيب الأولويات.
واليوم، تقف القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق تاريخي، في ظل حكومة إسرائيلية تمضي نحو تكريس الضم الزاحف، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وتقويض أي إمكانية لحل سياسي قائم على قرارات الشرعية الدولية. وهذا يفرض الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، ترتكز على إنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة، وتعزيز صمود المواطن، وتحصين الاقتصاد الوطني، وتفعيل أدوات القانون الدولي لمساءلة الاحتلال.
إن بناء الثقة يبدأ من إعادة الاعتبار للمواطن باعتباره محور المشروع الوطني، لا مجرد متلقٍ للأزمات. فالدول لا تُقاس بعدد المباني أو المركبات، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان أمنه الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز ثقته بالمستقبل.
لقد أصبحت طوابير الوقود رمزاً لحالة انتظار فلسطينية امتدت أكثر مما ينبغي. لكن التاريخ يؤكد أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والقدرة على المراجعة، تستطيع أن تحول الأزمات إلى فرص، والإحباط إلى قوة دفع نحو التغيير.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس على وصول شاحنة وقود جديدة، بل على إطلاق مشروع وطني جامع يعيد توحيد الصف الفلسطيني، ويستند إلى رؤية استراتيجية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة، لأن معركة الفلسطيني اليوم لم تعد معركة الوقود وحده، بل معركة الحرية والسيادة والكرامة الوطنية.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المجلس الثوري لحركة فتح أمام استحقاق المراجعة الوطنية وإعادة ...
- اللجنة الوطنية لإدارة غزة في بروكسل: بين متطلبات التعافي واس ...
- هل يملك عمدة نيويورك سلطة اعتقال نتنياهو؟ بين مقتضيات القانو ...
- بين ضجيج الادعاء وصمت الإنجاز... الوطن لا يبنيه إلا العطاء ا ...
- اختيار مرشحي حركة فتح للمجلس التشريعي... بين استحقاق الإصلاح ...
- من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإع ...
- معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاج ...
- برنامج الأغذية العالمي... شريك إنساني في مواجهة الأزمة وتوسي ...
- مضيق هرمز... حين تتحول القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي
- سياسة الخنق الاقتصادي... أخطر أدوات الاحتلال لتغيير الجغرافي ...
- الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقل ...
- عندما يغلق -النجمة- أبوابه... فمن التالي؟
- التنازل الأول... حين يصبح الصمت طريقاً إلى فقدان الذات
- رام إيمانويل يهزّ إسرائيل من الداخل... عندما يأتي التحذير من ...
- زلزال داخل الليكود... هل دخل نتنياهو مرحلة العدّ التنازلي؟
- المرأة الفلسطينية... حين يصبح الصمود هوية، وتغدو الكرامة عنو ...
- هل يطيح ممر السلام عبر سوريا بحلم ميناء حيفا؟
- ارتفاع ملفات التحقيق في إرهاب المستوطنين بنسبة 560%... وإفلا ...
- هل تعود الحرب بعد انهيار اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة و ...
- الرواية الفلسطينية... حين يصبح توثيق التاريخ فعلًا من أفعال ...


المزيد.....




- مصدر لـCNN: إسرائيل تعتقد أن إيران نقلت يورانيوم عالي التخصي ...
- الجيش اللبناني: القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من ...
- تصعيد متواصل بين واشنطن وطهران.. والجيش اللبناني يبدأ الانتش ...
- امتداد حريق غابات في جنوب شرق فرنسا ورجال الإطفاء يكافحون ال ...
- -لم ألتقِ مجتبى خامنئي-.. عراقجي يكشف كواليس إدارة الحرب وال ...
- وقف النار في القطاع كذبة تكتب بدماء الغزيين.. 12 قتيلا منذ ف ...
- بريطانيا: آندي بيرنهام يكشف تشكيلته الحكومية ويستبعد الوزراء ...
- القواعد الأمريكية تتعرض لهجمات إيرانية: -الأردن أصبح هدفا مف ...
- مقابر الإلكترونيات الذكية.. الكارثة المنسية خلف الترقية السن ...
- بين المأساة الشخصية والمناورة السياسية.. كيف يصوغ خليل الحية ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - حين يتحول الوقود إلى مرآة للأزمة الوطنية