أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقليم














المزيد.....

الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقليم


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 13:31
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست الأغوار الفلسطينية مجرد مساحة زراعية أو شريط حدودي يمتد بمحاذاة نهر الأردن، بل تمثل اليوم مركز الثقل في الصراع على مستقبل القضية الفلسطينية، والنقطة التي تتقاطع عندها مشاريع الضم والاستيطان مع التحولات الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن ما تشهده محافظة طوباس والأغوار الشمالية لم يعد حدثاً محلياً أو أزمة إنسانية عابرة، بل هو جزء من مشروع استراتيجي يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، ويستهدف تقويض الأسس التي قامت عليها عملية السلام وحل الدولتين.

لقد أدركت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن السيطرة على الأغوار تعني الإمساك بالمفتاح الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية. فالأغوار، التي تشكل نحو 28.5% من مساحة الضفة الغربية، تمثل الحدود الشرقية الطبيعية لفلسطين، وتضم أكبر مخزون من الأراضي الزراعية الخصبة والموارد المائية، وتنتج ما يقارب 60% من الخضراوات الفلسطينية، ما يجعلها ركيزة الأمن الغذائي الفلسطيني وأحد أهم مقومات الاستقلال الاقتصادي.

غير أن القراءة الإسرائيلية للأغوار تتجاوز بعدها الاقتصادي؛ فهي تنظر إليها باعتبارها العمق الأمني الشرقي، وتسعى إلى تحويلها إلى حزام استيطاني وعسكري دائم يمنع أي تواصل جغرافي بين الضفة الغربية والعالم العربي، ويجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية كياناً معزولاً ومحاصراً، يفتقد إلى الحدود والسيادة والموارد.

وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة مشروع ما يعرف بـ"الخيط القرمزي"، وشق الطرق العسكرية، ومصادرة آلاف الدونمات، وتدمير شبكات المياه، وتهجير التجمعات البدوية والرعوية، باعتبارها إجراءات متفرقة، بل هي حلقات مترابطة في مشروع سياسي يهدف إلى فرض وقائع لا رجعة عنها، تمهيداً لضم الأغوار بصورة فعلية، حتى وإن لم يعلن ذلك رسمياً.

إن استهداف مصادر المياه في سهل عاطوف والبقيعة، وتجفيف الأراضي الزراعية، وحرمان المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وإغلاق المراعي في الرأس الأحمر وخربة سمرة، ليست مجرد تدابير أمنية كما تدعي إسرائيل، وإنما أدوات لإعادة هندسة الديموغرافيا الفلسطينية، ودفع السكان إلى الهجرة القسرية تحت وطأة الخسائر الاقتصادية وانعدام مقومات الحياة.

وتزداد خطورة هذا المشهد عندما يُقرأ ضمن السياق الأشمل لما يجري في شمال الضفة الغربية. فما تتعرض له طوباس يتكامل مع التوسع الاستيطاني في جنين، والاعتداءات المتصاعدة في طولكرم، والطوق الاستيطاني المتسارع حول نابلس، بما يكشف عن مشروع متكامل يهدف إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة، وربط الكتل الاستيطانية بشبكة طرق وبنى تحتية تخدم مشروع الضم وتفصل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض.

إن هذه الوقائع لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تمس الأمن والاستقرار الإقليميين. ففرض السيادة الإسرائيلية على الأغوار يعني عملياً إنهاء فكرة الحدود الفلسطينية مع الأردن، وإعادة إنتاج واقع سياسي وأمني جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل المنطقة بأسرها. ولذلك، فإن الحفاظ على الوضع القانوني للأغوار ليس شأناً فلسطينياً فحسب، بل يمثل مصلحة عربية وإقليمية ترتبط بأمن الحدود واستقرار المشرق العربي.

كما أن استمرار هذه السياسات يقوض بصورة منهجية فرص تنفيذ حل الدولتين، الذي ما زال يحظى بتأييد المجتمع الدولي باعتباره الإطار الأكثر واقعية لتحقيق سلام عادل ودائم. فلا يمكن الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة في ظل فقدان السيطرة على حدودها الشرقية، وحرمانها من أهم مواردها الزراعية والمائية، وتحويل أراضيها إلى كانتونات منفصلة تخضع لهيمنة الاحتلال.

وفي ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، وما تشهده المنطقة من إعادة صياغة للتحالفات والأولويات، تبدو إسرائيل أكثر اندفاعاً لاستثمار اللحظة السياسية في تسريع مشروعها الاستيطاني، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات متعددة، ومن تراجع الضغوط الدولية الفاعلة لوقف سياسة فرض الأمر الواقع.

غير أن التاريخ يؤكد أن الأمن الحقيقي لا يصنعه التوسع الاستيطاني ولا فرض الوقائع بالقوة، وإنما يصنعه احترام القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

إن معركة الأغوار لم تعد معركة على الأرض فحسب، بل أصبحت معركة على مستقبل النظام الإقليمي، وعلى مصداقية الشرعية الدولية، وعلى إمكانية إبقاء خيار السلام قائماً. ولذلك، فإن حماية الأغوار تعني حماية ما تبقى من فرص التسوية السياسية، ومنع انزلاق المنطقة إلى واقع جديد تحكمه سياسة الضم والإملاءات الأحادية.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم موقف عربي ودولي أكثر فاعلية، لا يكتفي بإدانة الاستيطان، بل ينتقل إلى خطوات عملية تلزم إسرائيل باحترام القانون الدولي، وتوفر الحماية للشعب الفلسطيني، وتدعم صمود المواطنين في الأغوار، لأن بقاء الفلسطيني على أرضه هو الضمانة الحقيقية للحفاظ على هوية المكان، وصون الحقوق الوطنية، ومنع تصفية مشروع الدولة الفلسطينية.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يغلق -النجمة- أبوابه... فمن التالي؟
- التنازل الأول... حين يصبح الصمت طريقاً إلى فقدان الذات
- رام إيمانويل يهزّ إسرائيل من الداخل... عندما يأتي التحذير من ...
- زلزال داخل الليكود... هل دخل نتنياهو مرحلة العدّ التنازلي؟
- المرأة الفلسطينية... حين يصبح الصمود هوية، وتغدو الكرامة عنو ...
- هل يطيح ممر السلام عبر سوريا بحلم ميناء حيفا؟
- ارتفاع ملفات التحقيق في إرهاب المستوطنين بنسبة 560%... وإفلا ...
- هل تعود الحرب بعد انهيار اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة و ...
- الرواية الفلسطينية... حين يصبح توثيق التاريخ فعلًا من أفعال ...
- نتنياهو إلى واشنطن بأوراق ضعيفة... هل تغيّر إدارة ترامب قواع ...
- هل تُغيّر واشنطن قواعد اللعبة أم تُعيد إدارة الأزمة؟
- القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان تُفند مزاعم نتنياهو:
- تعليق المهل القانونية في فلسطين خلال الحرب... ضرورة دستورية ...
- الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين شرعية المرحلة الانتقالية ...
- من الملاعب إلى معركة الشرعية الدولية... لماذا أثار تضامن حسا ...
- جيل إسرائيلي أقل ديمقراطية وأكثر تطرفًا... إلى أين يتجه المج ...
- بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي ال ...
- جامعة النجاح الوطنية... حين تتحول الجامعة إلى قوة ناعمة لفلس ...
- سحب الذرائع... استراتيجية وطنية لحماية الأرض وإفشال مخططات ف ...
- الإعلام المسؤول… شريك في حماية المجتمع وترسيخ سيادة القانون


المزيد.....




- أمريكا تواصل ضرباتها على إيران.. وتصعيد جديد بين الحوثيين وا ...
- -كيف جنّدت إسرائيل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد؟- - نيو ...
- لفوفا بيلوفا: استمرار طلبات إعادة أطفال روس يعتقد وجودهم في ...
- الدفاع الروسية: نواصل استهداف الموانئ والسفن المرتبطة بالجيش ...
- مسؤول إيراني: رد -مدمر- ينتظر ترامب إذا نفذ تهديداته بقصف -ج ...
- السيسي يوجه رسائل هامة من البحرين عن دول الخليج
- صبري نخنوخ يدلي باعترافات مثيرة أمام القضاء المصري
- لافروف: الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران تنتهك مذكرة التف ...
- تركيا.. العدالة والتنمية ينفي أنباء نقل -إس-400- للإمارات مق ...
- العراق يفتح تحقيقا في شبهات اختفاء 140 مليار دولار من الإيرا ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقليم