أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - التنازل الأول... حين يصبح الصمت طريقاً إلى فقدان الذات














المزيد.....

التنازل الأول... حين يصبح الصمت طريقاً إلى فقدان الذات


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 13:59
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


لا تسقط الأمم دفعة واحدة، ولا تفقد الشعوب حقوقها بين ليلة وضحاها، وإنما يبدأ التراجع بخطوة صغيرة، يبررها البعض تحت عنوان الواقعية السياسية، أو الضرورات، أو تجنب الخسائر. غير أن التجربة الإنسانية، كما صفحات التاريخ، تؤكد أن التنازل الأول نادراً ما يكون الأخير، وأن الحقوق التي لا تُحمى تتحول مع الزمن إلى ذكريات، والمبادئ التي يُفرَّط بها تصبح مجرد شعارات لا تجد من يدافع عنها.
تروي الحكمة الشعبية قصة ديك اعتاد أن يوقظ الناس مع بزوغ الفجر، فطُلب منه أن يصمت، فقبل خوفاً من العقاب. ثم طُلب منه أن يتخلى عن طبيعته ويقلد الدجاج، فاستجاب مرة أخرى حفاظاً على حياته. ولم تمضِ الأيام حتى وجد نفسه أمام مطلب أكثر عبثية؛ أن يبيض كالدجاج، وإلا كان الذبح مصيره. عندها أدرك أن المشكلة لم تكن في صوته، وإنما في قبوله المستمر بالتنازل عن هويته، حتى فقد ذاته قبل أن يفقد حياته.
هذه الحكاية ليست مجرد قصة رمزية، بل هي قراءة مكثفة لمسار يتكرر في حياة الأفراد والدول والشعوب. فالابتزاز لا يتوقف عند حدود التنازل الأول، بل يتحول إلى سياسة قائمة على اختبار الإرادة، وكلما تراجع الطرف المستهدف خطوة، ارتفعت سقوف المطالب، واتسعت دائرة الضغوط، حتى يصبح التنازل هو القاعدة، والثبات على المبدأ هو الاستثناء.
وفي واقعنا العربي والفلسطيني، حيث تتشابك التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً للتمييز بين المرونة السياسية بوصفها أداة لإدارة الصراع، وبين التفريط بالثوابت الوطنية والقيم الجامعة. فالحكمة ليست مرادفاً للاستسلام، والواقعية لا تعني التخلي عن الحقوق، والتسويات الناجحة هي تلك التي تحفظ الكرامة وتصون المصالح، لا تلك التي تُكرّس موازين القوة وتمنح الشرعية لسياسة فرض الأمر الواقع.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي حافظت على وحدتها وثوابتها استطاعت، مهما طال الزمن، أن تستعيد حقوقها، بينما دفعت الشعوب التي اعتادت تقديم التنازلات المتتالية أثماناً مضاعفة، لأن الخصم لا يكتفي بما يُمنح له، بل يطالب دائماً بالمزيد.
إن الدفاع عن المبادئ لا يعني الجمود، كما أن الانفتاح على الحلول لا يعني التفريط بالثوابت. فالسياسة الرشيدة هي التي تجمع بين الواقعية والثبات، وبين المرونة وصون الكرامة، لأن الكرامة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي معيار تُقاس به مواقف الأمم في اللحظات الفاصلة من تاريخها.
ولعل الرسالة الأعمق التي تحملها تلك الحكاية البسيطة أن الإنسان، كما الوطن، قد يخسر الكثير إذا تنازل عن أولى ثوابته ظناً منه أنه يحمي نفسه من الخطر. فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تشتد الضغوط، بل عندما يفقد الإنسان إيمانه بحقه، وتفقد الأمة ثقتها بعدالة قضيتها.
وقد أحسن الحكماء حين قالوا: "إن القرارات التي تصنعها الكرامة قد تكون مؤلمة في لحظتها، لكنها وحدها القادرة على صناعة مستقبل يحفظ الحرية والحقوق والكرامة."



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رام إيمانويل يهزّ إسرائيل من الداخل... عندما يأتي التحذير من ...
- زلزال داخل الليكود... هل دخل نتنياهو مرحلة العدّ التنازلي؟
- المرأة الفلسطينية... حين يصبح الصمود هوية، وتغدو الكرامة عنو ...
- هل يطيح ممر السلام عبر سوريا بحلم ميناء حيفا؟
- ارتفاع ملفات التحقيق في إرهاب المستوطنين بنسبة 560%... وإفلا ...
- هل تعود الحرب بعد انهيار اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة و ...
- الرواية الفلسطينية... حين يصبح توثيق التاريخ فعلًا من أفعال ...
- نتنياهو إلى واشنطن بأوراق ضعيفة... هل تغيّر إدارة ترامب قواع ...
- هل تُغيّر واشنطن قواعد اللعبة أم تُعيد إدارة الأزمة؟
- القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان تُفند مزاعم نتنياهو:
- تعليق المهل القانونية في فلسطين خلال الحرب... ضرورة دستورية ...
- الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين شرعية المرحلة الانتقالية ...
- من الملاعب إلى معركة الشرعية الدولية... لماذا أثار تضامن حسا ...
- جيل إسرائيلي أقل ديمقراطية وأكثر تطرفًا... إلى أين يتجه المج ...
- بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي ال ...
- جامعة النجاح الوطنية... حين تتحول الجامعة إلى قوة ناعمة لفلس ...
- سحب الذرائع... استراتيجية وطنية لحماية الأرض وإفشال مخططات ف ...
- الإعلام المسؤول… شريك في حماية المجتمع وترسيخ سيادة القانون
- المقترحات الأمريكية لإدارة غزة: بين متطلبات إعادة الإعمار وم ...
- -يوم التنفيذ-.. مخطط استيطاني لإسقاط القانون الدولي وفرض الض ...


المزيد.....




- وزير الخارجية الأمريكي يتعهد بـ-تفكيك- الجنائية الدولية: تشن ...
- قذفه في الهواء بعنف.. ثور يهاجم رجلا تحت أنظار حفيده في منتز ...
- عام على ضرب ابنه حتى الموت.. رحلة أب إلى موقع مقتل نجله في ا ...
- مصر: حذف 850 ألف مستفيد من بطاقات التموين وطلبات إحاطة بشأن ...
- طعام شائع متوفر في كل منزل قد يساعد على النوم
- هياكل خفية تحيط بسديم الجبار تتحدى نظريات ولادة النجوم
- ترامب يُعلن إعادة فرض الحصار على إيران: سنتقاضى تعويضاً على ...
- ترامب يعيد الحصار الأمريكي ويطالب برسوم شحن 20% في مضيق هرمز ...
- أمريكا تعيد فرض الحصار البحري على موانئ إيران
- كوريا الجنوبية.. سجن الرئيس السابق لمدة عامين في قضية فساد س ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - التنازل الأول... حين يصبح الصمت طريقاً إلى فقدان الذات