أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - المحامي علي ابوحبله - من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟















المزيد.....

من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟


المحامي علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 13:33
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تكن الصهيونية، في جوهرها، مجرد حركة قومية يهودية نشأت مع المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل عام 1897، بل هي مشروع سياسي واستعماري طويل الأمد، تداخلت في صياغته العقيدة الدينية بالمصالح الإمبراطورية، وتكاملت فيه الأبعاد اللاهوتية مع الحسابات الجيوسياسية للقوى الغربية. فمنذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأت ملامح هذا المشروع تتشكل على يد منظري الصهيونية المسيحية في بريطانيا، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مشروع استيطاني احتضنته الإمبراطورية البريطانية، ثم تبنته الولايات المتحدة باعتباره أحد أعمدة استراتيجيتها في الشرق الأوسط.
ويُعد اللورد شافتسبري أحد أبرز الآباء الفكريين لهذا المشروع، إذ ربط بين التفسير الإنجيلي البروتستانتي للنبوءات التوراتية وبين المصالح الاستعمارية البريطانية. فقد دعا منذ أربعينيات القرن التاسع عشر إلى توطين اليهود في فلسطين، ليس انطلاقاً من تعاطف معهم، وإنما انطلاقاً من اعتقاد ديني بأن ذلك يمهد لعودة المسيح، ومن رؤية سياسية تعتبر أن إقامة كيان يهودي في فلسطين سيخدم المصالح البريطانية ويحمي طرق التجارة إلى الهند ويُضعف الدولة العثمانية.
وفي هذا السياق، رفع شافتسبري الشعار الذي أصبح لاحقاً أحد أهم مرتكزات الدعاية الصهيونية: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهو شعار أنكر وجود الشعب الفلسطيني، ومهّد لتسويق المشروع الاستيطاني أمام الرأي العام الغربي باعتباره مشروعاً حضارياً لا استعمارياً.
ولم يكن اللورد بالمرستون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، بعيداً عن هذا التصور، إذ شكّل مع شافتسبري الثنائي الذي وضع الأساس السياسي لأول مشروع بريطاني لتوطين اليهود في فلسطين، وهو ما تطور لاحقاً إلى وعد بلفور عام 1917، الذي منح الحركة الصهيونية غطاءً سياسياً وقانونياً لتحقيق مشروعها على الأرض الفلسطينية.
من الصهيونية المسيحية إلى الصهيونية السياسية
عندما أسس تيودور هرتزل الحركة الصهيونية السياسية، وجد أن الأرضية الفكرية والسياسية قد أصبحت مهيأة. فقد وفرت الصهيونية المسيحية الشرعية الدينية، بينما وفرت الإمبراطورية البريطانية الحماية السياسية والعسكرية، لتنشأ شراكة بين الفكر الديني والمشروع الاستعماري، وهي شراكة ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
ورغم أن عدداً كبيراً من مؤسسي الحركة الصهيونية كانوا علمانيين، فإنهم أدركوا مبكراً أهمية توظيف الخطاب الديني لإضفاء الشرعية على المشروع الاستيطاني، سواء في مخاطبة اليهود أو في كسب التأييد داخل الأوساط المسيحية الإنجيلية في الغرب.
اللوبي الصهيوني... من النفوذ إلى التأثير في القرار
ومع انتقال مركز الثقل العالمي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت رعاية المشروع الصهيوني أيضاً إلى واشنطن. وخلال العقود اللاحقة، نجحت المنظمات واللوبيات المؤيدة لإسرائيل في بناء نفوذ واسع داخل مراكز صناعة القرار الأمريكية والغربية، مستفيدة من التحالف مع التيارات الإنجيلية المحافظة، ومن شبكات ضغط سياسية وإعلامية واقتصادية مؤثرة.
ولا يمكن تفسير حجم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تحظى به إسرائيل في الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية بعيداً عن هذا التداخل بين الاعتبارات الاستراتيجية، والتحالفات السياسية الداخلية، وتأثير جماعات الضغط، إضافة إلى القناعة لدى قطاعات من التيار الإنجيلي بأن دعم إسرائيل يرتبط بتفسيرات دينية خاصة بنبوءات آخر الزمان.
وقد انعكس هذا النفوذ في مواقف أمريكية وغربية متكررة وفرت لإسرائيل دعماً دبلوماسياً واسعاً، وأسهمت في الحد من الضغوط الدولية عليها في كثير من المحطات، رغم تصاعد الانتقادات الدولية لسياسات الاحتلال والاستيطان.
من "الشرق الأوسط الجديد" إلى "إسرائيل الكبرى"
بعد انتهاء الحرب الباردة، بدأ المشروع الصهيوني يدخل مرحلة جديدة، لم تعد تقتصر على ضمان أمن إسرائيل، بل اتجه نحو إعادة صياغة البيئة الإقليمية بأكملها.
وفي هذا السياق، طرح شمعون بيريس في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" رؤية تقوم على دمج إسرائيل اقتصادياً وسياسياً في المنطقة، بحيث تصبح القوة المركزية التي تقود نظاماً إقليمياً جديداً، تتراجع فيه الصراعات التقليدية لصالح شبكات من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، ولكن وفق ميزان قوى تكون إسرائيل فيه الطرف المهيمن.
غير أن ما يجري اليوم يُظهر تحولاً واضحاً عن تلك الرؤية الاقتصادية نحو رؤية أكثر تشدداً، يقودها بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني الديني والقومي. فقد أعاد نتنياهو إحياء مفاهيم تستند إلى روايات توراتية وإلى أفكار وردت في كتابه "مكان تحت الشمس"، الذي يؤكد فيه أن إسرائيل ليست مجرد دولة تبحث عن الأمن، وإنما صاحبة "حق تاريخي" في الأرض، ويرفض عملياً أي انسحاب من المناطق التي يعتبرها جزءاً من "أرض إسرائيل".
وبذلك انتقلت إسرائيل من خطاب "السلام مقابل الأمن" إلى خطاب "السلام بالقوة"، ثم إلى فرض الوقائع بالقوة، عبر توسيع الاستيطان، ومحاولات فرض السيادة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، والسعي إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.
صعود التطرف وتحول العقيدة إلى سياسة
لقد أدى صعود أحزاب اليمين الديني والقومي إلى انتقال الفكر التوراتي من هامش الحياة السياسية إلى مركز صناعة القرار. ولم تعد السياسات الإسرائيلية تُبنى على اعتبارات أمنية فقط، بل أصبحت تتداخل بصورة متزايدة مع رؤى أيديولوجية تعتبر أن السيطرة على كامل الأرض الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط تمثل حقاً تاريخياً ودينياً غير قابل للتفاوض.
وترافق ذلك مع استخدام غير مسبوق للقوة العسكرية، وتوسيع الاستيطان، وإضعاف فرص التسوية السياسية، بما يعكس انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة تتقدم فيها العقيدة الأيديولوجية على البراغماتية السياسية.
خاتمة
إن تتبع المسار التاريخي للمشروع الصهيوني، من أفكار شافتسبري وبالمرستون، مروراً بوعد بلفور وهرتزل، وصولاً إلى نتنياهو، يكشف أن المشروع لم يكن وليد لحظة تاريخية، بل هو نتاج تفاعل طويل بين الدين والسياسة والاستعمار والمصالح الاستراتيجية.
واليوم، ومع تصاعد نفوذ اليمين الديني والقومي في إسرائيل، واستمرار الدعم الغربي لها، تتجلى ملامح مرحلة جديدة عنوانها فرض الوقائع بالقوة، والسعي إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم التفوق الإسرائيلي. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن الأمن القائم على الاحتلال والقوة وحدهما لا يصنع استقراراً دائماً، وأن أي مشروع يتجاهل حقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير سيظل عرضة للمقاومة وعدم الاستقرار، مهما بلغت القوة العسكرية أو حجم الدعم الدولي الذي يحظى به.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- انفجار أنبوب مياه رئيسي يخلف حفرة ضخمة في لوس أنجلوس.. شاهد ...
- الكويت تعلن استهداف محطة لتوليد الكهرباء بهجوم إيراني
- البحرين.. إطلاق صافرات الإنذار للمرة الخامسة خلال 12 ساعة
- عون يغادر إلى واشنطن للقاء ترامب
- تقرير عبري: امتلاك مصر منظومات -إس 400- الروسية يهدد إسرائيل ...
- سوريا.. أطفال حوض اليرموك يقطعون الطرق بالحجارة أمام القوات ...
- إسقاط خمس طائرات مسيرة في أربيل، بعد مقتل تسعة عناصر من حزب ...
- تعليق رياضي مفاجئ من ترامب حول خسارة إنجلترا أمام الأرجنتين ...
- لغز الكيتو والأورام.. حمية واحدة ونتيجتان متناقضتان
- المدارس الصيفية لتعويض الفاقد التعليمي ودعم أطفال الضفة نفسي ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - المحامي علي ابوحبله - من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟