أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - بين ضجيج الادعاء وصمت الإنجاز... الوطن لا يبنيه إلا العطاء الحقيقي














المزيد.....

بين ضجيج الادعاء وصمت الإنجاز... الوطن لا يبنيه إلا العطاء الحقيقي


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 15:16
المحور: القضية الفلسطينية
    



ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل من تحدث عن الإنجاز كان من صانعيه. فالتاريخ، منذ فجر الحضارات، علمنا أن الأوطان لا تنهض بالخطب الرنانة، ولا بالاستعراض الإعلامي، ولا بتضخم الأنا، وإنما ترتقي بالعقول التي تُفكر، والسواعد التي تعمل، والضمائر التي تؤمن بأن خدمة الوطن شرف لا وسيلة للوجاهة أو النفوذ.
في زمن اختلطت فيه الحقائق بالأوهام، وأصبحت وسائل الاتصال قادرة على صناعة بطولات افتراضية، بات من الضروري إعادة تعريف مفهوم الإنجاز. فالإنجاز ليس ما يقال عنه، بل ما يبقى أثره بعد أن يصمت الجميع. إنه قيمة تاريخية تتجسد في بناء مؤسسة، أو حماية حق، أو إنقاذ اقتصاد، أو غرس علم، أو ترسيخ عدالة، أو صناعة أمل في نفوس الناس.
يقول ابن خلدون في مقدمته: "الظلم مؤذن بخراب العمران." ولم يكن يقصد الظلم السياسي وحده، بل كل ممارسة تُهدر الكفاءة، وتمنح التقدير لمن لا يستحق، أو تجعل المظاهر بديلاً عن العمل. فالعمران لا يقوم بالادعاء، وإنما بالعدل، والإنتاج، وإعلاء قيمة الإنسان المنتج.
أما الفيلسوف اليوناني أرسطو، فقد رأى أن "الفضيلة تتحقق بالفعل المتكرر، لا بالادعاء." ولذلك فإن الإنجاز الحقيقي ليس حدثاً عابراً، بل سلوكاً مستداماً، والتزاماً أخلاقياً تجاه المجتمع. وما أكثر الذين يتحدثون عن الوطنية، وما أقل الذين يدفعون ثمنها جهداً وتضحية وإخلاصاً.
ويذهب فولتير إلى القول: "قيمة الإنسان فيما يقدمه، لا فيما يملكه." وهي مقولة تختصر فلسفة العطاء الحقيقي، لأن الإنسان لا يُخلد بما جمع من مكاسب، بل بما تركه من أثر نافع في وطنه ومجتمعه. ولهذا بقيت أسماء العظماء حية في ذاكرة الأمم، بينما طواها النسيان لأنها لم تكن سوى ضجيج بلا أثر.
ولعل أبلغ ما قاله المهاتما غاندي: "إن أفضل وسيلة لتجد نفسك هي أن تكرسها لخدمة الآخرين." فالوطن لا يحتاج إلى من يرفع الشعارات، بقدر حاجته إلى من يترجمها إلى مشاريع وإنجازات وسياسات تصنع الفارق في حياة المواطنين.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس غياب الإنجاز، بل تضخيم الإنجازات الشخصية أو الوهمية حتى تصبح بديلاً عن الإنجاز الوطني الحقيقي. فعندما تتحول المناصب إلى منصات للتسويق الذاتي، ويصبح التصفيق معيار النجاح، تفقد المؤسسات رسالتها، ويتراجع معيار الكفاءة أمام ثقافة الترويج والاستعراض.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي صنعت مجدها لم تفعل ذلك عبر صناعة الأبطال الوهميين، وإنما عبر بناء الإنسان والمؤسسات. فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وألمانيا بعد الدمار، لم تنهضا بالخطب ولا بالدعاية، بل بثقافة العمل والانضباط والإنتاج، وبإيمان راسخ بأن الوطن أكبر من الأفراد، وأن الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى للأجيال، لا ما يحقق مكسباً آنياً لصاحبه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول، وكل صاحب قرار، وكل من يتصدر المشهد العام: ماذا سيبقى بعد أن نغادر مواقعنا؟ فإن كان الجواب مؤسسة أقوى، واقتصاداً أكثر متانة، وعدالة أوسع، وإنساناً أكثر كرامة، فذلك هو الإنجاز. أما إذا لم يبقَ سوى الصور والخطب والمنشورات، فإن التاريخ لن يسجل سوى صفحة عابرة في سجل النسيان.
إن الأوطان لا تبحث عن أبطال من ورق، ولا عن صناع ضجيج، بل عن رجال ونساء يؤمنون بأن العطاء مسؤولية، وأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن التاريخ لا يكتب أسماء من أكثروا الكلام، بل أسماء من صنعوا الفرق.
وربنا يعينك يا وطن... فما أحوجك اليوم إلى عطاءٍ صادق، وإنجازٍ متجرد، ورجالٍ يعملون بصمت، لأنهم يدركون أن أعظم الإنجازات هي تلك التي يتحدث عنها الوطن، لا أصحابها.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اختيار مرشحي حركة فتح للمجلس التشريعي... بين استحقاق الإصلاح ...
- من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإع ...
- معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاج ...
- برنامج الأغذية العالمي... شريك إنساني في مواجهة الأزمة وتوسي ...
- مضيق هرمز... حين تتحول القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي
- سياسة الخنق الاقتصادي... أخطر أدوات الاحتلال لتغيير الجغرافي ...
- الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقل ...
- عندما يغلق -النجمة- أبوابه... فمن التالي؟
- التنازل الأول... حين يصبح الصمت طريقاً إلى فقدان الذات
- رام إيمانويل يهزّ إسرائيل من الداخل... عندما يأتي التحذير من ...
- زلزال داخل الليكود... هل دخل نتنياهو مرحلة العدّ التنازلي؟
- المرأة الفلسطينية... حين يصبح الصمود هوية، وتغدو الكرامة عنو ...
- هل يطيح ممر السلام عبر سوريا بحلم ميناء حيفا؟
- ارتفاع ملفات التحقيق في إرهاب المستوطنين بنسبة 560%... وإفلا ...
- هل تعود الحرب بعد انهيار اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة و ...
- الرواية الفلسطينية... حين يصبح توثيق التاريخ فعلًا من أفعال ...
- نتنياهو إلى واشنطن بأوراق ضعيفة... هل تغيّر إدارة ترامب قواع ...
- هل تُغيّر واشنطن قواعد اللعبة أم تُعيد إدارة الأزمة؟
- القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان تُفند مزاعم نتنياهو:
- تعليق المهل القانونية في فلسطين خلال الحرب... ضرورة دستورية ...


المزيد.....




- حصد ملايين المشاهدات.. -جيموثي- الراكون الغامض يشعل تفاعلًا ...
- مصر.. -صائد الأفاعي- يعود إلى الواجهة بعد ظهوره في الفيوم
- مقتل جندي أمريكي في شمال العراق مع استمرار الحرب مع إيران
- رئيس مولدوفا السابق يرفض الوحدة مع رومانيا
- إصابة 9 أشخاص في إطلاق نار في ولاية أريزونا
- حين أصبح الرقم أقوى حجة وبرهانا من الكلمة الجزء 2 من الحوار ...
- صحيفة ألمانية: فون دير لاين تجاهلت الجدل بشأن إقالة وزير الد ...
- روبيو يبحث مع الرئيس اللبناني تنفيذ الاتفاق الثلاثي
- روايتان وسجال متجدد.. جدل جديد حول مصير أموال المواطنين في ع ...
- السلطات الإيرانية تحذر المواطنين من نشر محتوى يضر بالأمن الق ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - بين ضجيج الادعاء وصمت الإنجاز... الوطن لا يبنيه إلا العطاء الحقيقي