أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاجة إلى استراتيجية فلسطينية للصمود














المزيد.....

معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاجة إلى استراتيجية فلسطينية للصمود


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 12:40
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم تعد المعركة على الأرض الفلسطينية مجرد صراع على مساحات جغرافية محدودة، بل أصبحت معركة مفتوحة على الهوية والوجود والمستقبل. فإسرائيل لا تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ملفاً سياسياً مؤجلاً، وإنما تعمل وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي، وفرض حقائق جديدة على الأرض تجعل أي مشروع سياسي فلسطيني مستقبلي أكثر صعوبة وتعقيداً.

فمنذ سنوات، تتوالى التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، ولا سيما من التيار اليميني المتطرف، والتي تعكس توجهاً واضحاً نحو تكريس السيطرة على الأرض، وتوسيع الاستيطان، ورفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة. ولم تعد هذه التصريحات مجرد مواقف سياسية للاستهلاك الداخلي، بل تحولت إلى سياسات عملية تُترجم عبر التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، والسيطرة على الموارد، وتقطيع أوصال الضفة الغربية.

إن إسرائيل تدير معركتها بعقلية المشروع المتكامل؛ فهناك مراكز أبحاث إسرائيلية تدرس خرائط السيطرة ومستقبل الضفة الغربية، وهناك إعلام إسرائيلي يناقش بصورة مستمرة قضايا الضم، والاستيطان، وإدارة الصراع، وآليات تثبيت الوقائع على الأرض. فالمشهد الإسرائيلي يكشف عن وجود تخطيط طويل الأمد يستند إلى أدوات سياسية وأمنية وقانونية واقتصادية، وليس إلى ردود أفعال مؤقتة.

وفي مقابل هذا التخطيط المنظم، يبقى المشهد الفلسطيني بحاجة إلى الانتقال من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل الاستراتيجي. فالاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، رغم أهميتها السياسية والقانونية، لم يعد كافياً أمام حجم المخاطر المتصاعدة. فالأرض تتغير، والوقائع تُفرض، والوقت يعمل لصالح من يمتلك خطة واضحة وأدوات تنفيذ حقيقية.

ومن أخطر مظاهر استهداف الأرض الفلسطينية محاولات السيطرة عليها عبر مسارات غير مباشرة، من بينها ظاهرة تسريب الأراضي بواسطة شبكات من السماسرة والوسطاء المتخصصين الذين يعملون لمصلحة جهات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني الإسرائيلي. فهناك جهات وشركات إسرائيلية لها تاريخ طويل في شراء الأراضي وتوظيفها لخدمة التوسع الاستيطاني، ومنها مؤسسات مثل الصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت ليسرائيل) وشركات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني مثل همنوتا، إضافة إلى جهات أخرى تعمل على تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

إن خطورة تسريب الأراضي لا تكمن فقط في انتقال ملكية عقار، بل في البعد السياسي والاستراتيجي لهذه العمليات، لأن الأرض التي تخرج من السيطرة الفلسطينية تتحول لاحقاً إلى أداة في مشروع أوسع يستهدف تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وعزل المدن والبلدات عن بعضها، وقطع التواصل بين المناطق، بما يخدم مخطط إضعاف إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

وفي هذا السياق، فإن استهداف المحافظات الشمالية من الضفة الغربية يحمل دلالات خطيرة، فهي تشكل عمقاً جغرافياً واستراتيجياً واقتصادياً مهماً. فالمخطط الإسرائيلي لا يقتصر على السيطرة على أراضٍ إضافية، وإنما يستهدف فصل الشمال عن الوسط، وفصل الجنوب عن الوسط، وتحويل الضفة الغربية إلى تجمعات منفصلة ومحاصرة، بما يؤدي إلى تقويض مقومات الوحدة الجغرافية والسياسية الفلسطينية.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي اليوم إعادة النظر في طبيعة التعامل مع هذه التحديات. فالمرحلة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالشعارات أو المواقف الإعلامية، كما لم تعد تحتمل ثقافة التبرير أو التصفيق أو التسحيج التي تمارسها فئة محددة وتحجب أحياناً حجم المخاطر الحقيقية. فالشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والاستيطان والأزمات الاقتصادية والاجتماعية يريد رؤية خطط عملية تنقذه من حالة الانتظار، وتعزز قدرته على الصمود.

لقد شهدت الفترة الماضية زيارات عديدة لمسؤولين فلسطينيين إلى مختلف المحافظات، وهي زيارات تحمل أهمية في التواصل مع المواطنين والاطلاع على واقعهم، لكنها يجب أن تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستماع الحقيقي، وتشخيص المشكلات، والاعتماد على الدراسات والأبحاث التي تقدمها جهات الاختصاص في المحافظات، وتحويل هذه المعطيات إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ.

فالمطلوب من هذه الزيارات ليس فقط تسجيل الملاحظات أو إطلاق الوعود، بل وضع خطط واضحة لمواجهة المخاطر، وتعزيز صمود المواطنين، وحماية الأرض، ودعم الاقتصاد المحلي، ومنع تراجع مستوى الخدمات الأساسية التي تمس حياة الناس اليومية.

إن الشارع الفلسطيني يعيش حالة من القلق والغليان الصامت، لأنه يدرك أن المرحلة أخطر من أن تُدار بالأساليب التقليدية. المواطن يريد حلولاً عملية، ويريد أن يرى انتقالاً حقيقياً من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الإنجاز. فالوطن لا يُبنى بكثرة التصريحات، وإنما بقدرة المؤسسات على العمل والتخطيط والمحاسبة.

إن المطلوب اليوم هو إعداد خطة وطنية استراتيجية للصمود، تشارك فيها المؤسسات الرسمية والفعاليات الشعبية والمجالس المحلية والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، تقوم على حماية الأرض، وتعزيز الاقتصاد، وتفعيل القانون الدولي، ومواجهة مخططات الاحتلال السياسية والاستيطانية بكل الأدوات المتاحة.

فالمرحلة ليست مرحلة مماحكات أو منافسات داخلية، بل مرحلة دفاع عن الوجود الوطني الفلسطيني ومنع الانزلاق نحو واقع أكثر خطورة. وإذا كانت إسرائيل تعمل وفق رؤية استراتيجية لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا، فإن الرد الفلسطيني يجب أن يكون بمستوى هذا التحدي عبر رؤية وطنية موحدة وخطة تنفيذية واضحة.

إن التاريخ لا يحاسب الشعوب على حجم الشعارات التي رفعتها، بل على قدرتها على حماية حقوقها وصناعة مستقبلها. وما تحتاجه فلسطين اليوم ليس مزيداً من الكلمات، وإنما إرادة سياسية مقرونة بالفعل، وخطط قابلة للتطبيق، لأن المعركة على الأرض لا تنتظر، ومن لا يخطط لحماية وجوده سيجد أن الآخرين يخططون لمستقبله.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- برنامج الأغذية العالمي... شريك إنساني في مواجهة الأزمة وتوسي ...
- مضيق هرمز... حين تتحول القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي
- سياسة الخنق الاقتصادي... أخطر أدوات الاحتلال لتغيير الجغرافي ...
- الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقل ...
- عندما يغلق -النجمة- أبوابه... فمن التالي؟
- التنازل الأول... حين يصبح الصمت طريقاً إلى فقدان الذات
- رام إيمانويل يهزّ إسرائيل من الداخل... عندما يأتي التحذير من ...
- زلزال داخل الليكود... هل دخل نتنياهو مرحلة العدّ التنازلي؟
- المرأة الفلسطينية... حين يصبح الصمود هوية، وتغدو الكرامة عنو ...
- هل يطيح ممر السلام عبر سوريا بحلم ميناء حيفا؟
- ارتفاع ملفات التحقيق في إرهاب المستوطنين بنسبة 560%... وإفلا ...
- هل تعود الحرب بعد انهيار اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة و ...
- الرواية الفلسطينية... حين يصبح توثيق التاريخ فعلًا من أفعال ...
- نتنياهو إلى واشنطن بأوراق ضعيفة... هل تغيّر إدارة ترامب قواع ...
- هل تُغيّر واشنطن قواعد اللعبة أم تُعيد إدارة الأزمة؟
- القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان تُفند مزاعم نتنياهو:
- تعليق المهل القانونية في فلسطين خلال الحرب... ضرورة دستورية ...
- الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين شرعية المرحلة الانتقالية ...
- من الملاعب إلى معركة الشرعية الدولية... لماذا أثار تضامن حسا ...
- جيل إسرائيلي أقل ديمقراطية وأكثر تطرفًا... إلى أين يتجه المج ...


المزيد.....




- معضلة شبيهة بأزمة مضيق هرمز تلوح في الأفق بالنسبة لروسيا.. م ...
- على الخريطة.. وضع مضيق هرمز بعد يومين على إعادة أمريكا حصار ...
- لطيفة الدروبي زوجة الشرع تقدم واجب العزاء بوفاة أمير قطر الس ...
- إيران تهدد بـ-سحق- البنية التحتية في المنطقة إذا نفذ ترامب ت ...
- تسريبات صوتية تفضح شبكة لا تعرف حدوداً .. الضابط -باستور- ور ...
- ترامب يلوّح بالمزيد من الهجمات، وإيران ترد: -سندمّر كافة الب ...
- منتخب الأرجنتين يثير الجدل برسالة عن جزر فوكلاند عقب إقصاء إ ...
- غارات أمريكية تهز طهران مع تصاعد القتال بسبب مضيق هرمز
- صفقة أسلحة جديدة.. هل تتأهب السعودية لاستئناف القتال ضد الحو ...
- ردا على ترامب.. إيران تهدد بجعل البنية التحتية في المنطقة -أ ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاجة إلى استراتيجية فلسطينية للصمود